محمود ياسين صورة رمزية رفيعة وصوت قادم من فوق السحاب

صورة محمود ياسين في السينما تجسّد ذلك الشاب العربي العائد من مغامراته السياسية، مثخناً بالجراح، باحثاً عن الحب والموسيقى والمشاعر الرقيقة التي عبّرت عنها أفلامه.
السبت 2020/10/17
أيقونة الجيل والنجم ذو المواصفات المختلفة

غاب محمود ياسين أيضاً؟ هل كان حاضراً في السنوات الأخيرة؟ وهل كان حضوره مرتبطاً بمهنته ومواصلته قبول العروض لأداء الأدوار التمثيلية في الدراما والسينما؟ من عرف الصورة الأيقونية التي قدّمها محمود ياسين في جيلنا، لن يحتاج إلى السؤال أين كان ياسين خلال الفترة الماضية، فحضوره أمر تم من زمن بعيد. تكامل ذلك الحضور منذ أن أطلّ ابن بورسعيد بمواصفاته الشكلية المختلفة عن زملائه من الفنانين المصريين والعرب، وبصوته القادم من فوق السحاب.

لم يكن ياسين الوسيم عمر الشريف أو الأشقر حسين فهمي، أو الشاب المحبوب نور الشريف. كان حكاية مختلفة. بوجهه العريض وأنفه الكبير وحنجرته الفريدة. وقد أضاف ظهوره في نهايات الستينات وبدايات السبعينات لمسته الخاصة على جميع الأعمال التي شارك بها، بل إنه تجاوز ذلك إلى تغيير مسارات الفنانات والفنانين الذين شاركوه البطولة آنذاك. فهو لم يكن مجرد شريك في مشهد.

النكسة ونقطة التحول

[ شخصية أخرى من شخصيات ياسين بقيت تختبئ وتظهر في أعماقه، إنها صوته، الذي لجأ إليه الشعراء لتسجيل قصائدهم، ومن بينهم كان الراحل غازي القصيبي، والمخرج السوري الأميركي مصطفى العقاد في فيلمه ”الرسالة“
شخصية أخرى من شخصيات ياسين بقيت تختبئ وتظهر في أعماقه، إنها صوته، الذي لجأ إليه الشعراء لتسجيل قصائدهم، ومن بينهم كان الراحل غازي القصيبي، والمخرج السوري الأميركي مصطفى العقاد في فيلمه "الرسالة"

هو المولود في تلك البقعة الحساسة والمغايرة والتي تحتفظ بمكانتها الخاصة في قلوب المصريين، بورسعيد في العام 1941. بورسعيد التي عانت من القصف والعدوان بحكم قربها من إسرائيل، والتي شهدت المجازر والمشاهد المكتظة بالضحايا، غيّرت بدورها من طبيعة سكانها، وهم الذين بقوا على احتكاك مع الأمم والشعوب الأخرى أكثر من غيرهم من المصريين من سكان الداخل. حوّلتهم المآسي إلى شيء آخر. إلى خليط من الثقافة والرغبة بالإنجاز والتميّز. وكان هذا ما يشغل تفكير ياسين منذ أن تفتّح وعيه وحتى رحيله قبل أيام.

مسيرة طويلة تخللها الكثير من التنوع والاستعراض البديع للطاقة الإبداعية، منذ فيلم ”الرجل الذي فقد ظله“، إلى ”شيء من الخوف“، إلى ”نحن لا نزرع الشوك“ مع شادية، و“أنف وثلاث عيون“ وصولاً إلى ”الرصاصة لا تزال في جيبي“. تمكّن خلالها ياسين من صناعة ذوقنا، لا صياغة حضوره وحسب.

وكما استطاع ذلك المغنّي ذو الشكل المختلف والبسيط والعادي، عبدالحليم حافظ، أن يصبح علامة فارقة، تمكن ياسين من رسم ملامح جديدة للذائقة العربية، لكنها رفيعة وراسخة.

بسبب عمل والده في هيئة قناة السويس، فقد كان يملك بيتاً يشبه القصر، لكن ثورة الضباط الأحرار صادرت ذلك البيت، ولم تمانع الأسرة بسبب إيمانها بعدالة التغيير آنذاك. رحل ياسين إلى القاهرة وفي فتوّته التحق بالمسرح القومي في جامعة ”عين شمس“، حيث درس الحقوق، وعمل في المحاماة مبكراً، ولكنه اتجه إلى التمثيل وانخرط في عالم المسرح مبتعداً عن تخصصه. وبسبب ثقافته العالية وقدراته نجح في اجتياز كل الاختبارات، وكان ترتيبه الأول في مسابقات القبول الثلاث التي خضع لها ليجري تعيينه في مدينته بورسعيد. لكنه اختار المسرح من جديد.

حرب العام 1967 كسرت أرواح كثير من النخب العربية آنذاك، ومن بينهم ياسين الذي اتجه إلى التعبير عن شعوره العميق بالجرح من خلال المسرح، فلعب بطولة مسرحية ”الحلم“ التي كتبها محمد سالم وأخرجها عبدالرحيم الزرقاني، ثم تتالت أعماله المسرحية ذات الطابع الثوري، فتقمص أدوار شخصيات تفاوتت ما بين الثقافي الإبداعي والسياسي، من ”ليلى والمجنون“ إلى ”غيفارا“ إلى ”سليمان الحلبي“ إلى ”الزير سالم“. وبقي يتألق على تلك الخشبة الفاتنة حتى اختير مديراً للمسرح القومي، وهو منصب بقي فيه عاماً واحداً ثم استقال منه.

ومن يرصد تلك الفترة، سيرى كيف اندفع شبابها إلى تقديم الفكر العربي والسياسة على بقية جوانب الحياة العامة، لكنها فترة لم تطل مع ياسين، فقد انتبه إلى ما كان قد تعالى عليه سابقاً، ”السينما“ ومفاهيم ”الحب“ و“الرومانسية“ وهي مفاهيم كانت قد بدأت تتآكل بفعل المد القومي والمناخ العام.

راوي"الرسالة"

مسيرة محمود ياسين يتخللها الكثير من التنوع والاستعراض البديع، تمكّن خلالها من صناعة ذوقنا، لا صياغة حضوره وحسب
مسيرة محمود ياسين يتخللها الكثير من التنوع والاستعراض البديع، تمكّن خلالها من صناعة ذوقنا، لا صياغة حضوره وحسب

مع بداية اهتمامه بالسينما أخذ ياسين يجسّد ذلك الشاب العربي العائد من مغامراته السياسية، مثخناً بالجراح، باحثاً عن الحب والموسيقى والمشاعر الرقيقة التي عبّرت عنها أفلامه.

لكن شخصية أخرى بقيت في مكانها في أعماقه، إنها صوته، الذي لجأ إليه الشعراء لتسجيل قصائدهم، ومن بينهم كان الراحل غازي القصيبي، الذي طلب من ياسين أن يسجّل ديوانه كاملاً بحنجرته، وتم توزيع الشريط مع الكتاب في المكتبات ونقاط البيع. وقبل ذلك، كان الشباب ممن حضروا فيلم ”الرسالة“ للمخرج السوري الأميركي مصطفى العقاد، قد تهامسوا في ما بينهم وهم يصغون إلى صوت الراوي بالقول ”هل هذا هو صوت الله؟“ ولم يكن الراوي سوى محمود ياسين ذاته.

وبسبب أدواره الرومانسية في السينما، قال العقاد عن ياسين في أكثر من مناسبة، إنه لم يجد من الملائم أن يعهد بأيّ من أدوار الصحابة وسواهم لذلك النجم، لكنه في الوقت ذاته، لم يكن يستطيع الفرار من سحر صوته، فجعله راوياً للفيلم من أوّله إلى آخره. ولا زالت خطبة الوداع النبوية التي ألقاها محمود ياسين في الفيلم مادة تعاد وتسمع حتى هذا اليوم رغم مرور عقود على عرض الفيلم ”أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة شهركم هذا في يومكم هذا“، لاسيما في أزمنة التطرف وداعش وممارسات الإرهاب، وفي فتنة النطق العربي الدقيق والمنضبط لمحمود ياسين تأثير كبير لا يمكن نسيانه.

فتى الشاشة الأول

الفتى الأسمر ذو الشعر الغامق السابل المنسدل على جبهته، بدأ في التأثير فينا وفي من حوله، منذ أن قدّم فيلم ”أنف وثلاث عيون“ مع ماجدة الصباحي، وفيلم ”قاع المدينة“ مع نادية لطفي. حينها كانت نجمات السينما العربية هنّ مصادر إلهام كثيرين في الشارع، وكانت مشاهدتهم لنجماتهم وهنّ هائمات بذلك الفتى أثر كبير في تكريس نجوميته. فانتقلت هيئة محمود ياسين وطريقته في اللبس والكلام لتصبح ظاهرة انتشرت بين الأجيال.

وبفعل ذلك حصل ياسين على لقب ”فتى الشاشة الأول“ بجدارة، وتوسّعت دائرة عشاقه، بعد أن شارك يسرا ونادية الجندي ونجلاء فتحي وصفية العمري وعفاف راضي أعمالاً سينمائية عديدة ما زالت تشاهد حتى اليوم، إلى أن سجّل في رصيده أكثر من 150 فيلماً سينمائياً من روائع السينما العربية التي تدرّس في الأكاديميات.

القرين

الفتى الأسمر ذو الشعر الغامق السابل المنسدل على جبهته، بدأ في التأثير فينا وفي من حوله، منذ أن قدّم فيلم ”أنف وثلاث عيون“ مع ماجدة الصباحي، وفيلم ”قاع المدينة“ مع نادية لطفي
الفتى الأسمر ذو الشعر الغامق السابل المنسدل على جبهته، بدأ في التأثير فينا وفي من حوله، منذ أن قدّم فيلم "أنف وثلاث عيون" مع ماجدة الصباحي، وفيلم "قاع المدينة" مع نادية لطفي

من شاهد مسلسل ”القرين“ الذي جسّد فيه ياسين، مع ليلى حمادة وزوجته شهيرة، شخصية مركبة نفسياً منشطرة إلى شخصيتين، تعبث بعقل المشاهد وتجعله يشك في احتمالات عديدة، من الجن إلى الشيزوفرينيا، لا يمكنه نسيان تلك النقلة البديعة التي كان يتقن ياسين اللعب عليها والقفز من خلالها من طبيعة إلى أخرى.

هي اللعبة ذاتها التي ما أن يضع فيها ياسين على وجهه شارباً صناعياً حتى ينقلك من شخصية العاشق الأنيق الوسيم إلى شخصية ”عنتر“ الزبّال الثري الذي كاد يلتهم مصر كلها في عصر الانفتاح، في فيلم ”انتبهوا أيها السادة“ مع حسين فهمي، حين يصبح معلماً شعبياً من قاع المجتمع، بصوته المتلون ذاته، وبعينيه الغائرتين حينا والمتلفتتين حيناً آخر، بين لحظة البراءة الرومانسية ولحظة المكر الاجتماعي.

وحين قدّم على الشاشة الصغيرة العديد من المسلسلات مثل ”الدوامة“ و“غداً تتفتح الزهور“ و“العصيان“ و“أبوحنيفة النعمان“ و“رياح الشرق“ وغيرها، فعل الأمر ذاته الذي سبق غيره به في السينما، فلم يغيّر اتجاه نجمات مثل شادية فينقلها من الخفة إلى الشخصية الوازنة المرموقة وحسب، بل غيّر بحضوره اتجاه السينما العربية، فكان حجر أساس كبير لولاه لكانت الشاشة الكبيرة عرجاء لا تستند إلا إلى جوانب لم تكن لتكمل المشهد.

كل ذلك سجّل لياسين رصيداً هائلاً عند الناس ونقاد السينما وصناعها، فحصل على العديد من الجوائز وكرّمته مهرجانات سينمائية دولية مثل مهرجان طشقند، ومهرجان عنابة بالجزائر، والمهرجان القومي للسينما المصرية والكثير غيرها من المنصات العالمية.

إلى جانب هذا البعد في شخصيته، الثقافي والواعي لما يدور حوله من تفاصيل، كان البعد الإنساني الذي دفع ياسين إلى العمل لمساعدة اللاجئين حول العالم، لاسيما اللاجئين العراقيين من خلال توليه مهام سفير الأمم المتحدة للنوايا الحسنة بمرتب سنوي يعادل دولاراً واحداً فقط.

بغياب محمود ياسين، نصحو على طيّ صفحة من الحضور الرجولي في الفنون لم يجر تعويضها ولم تقدم الشاشة العربية ولا المسرح العربي في زمننا هذا من يملأ فراغاً كالذي تركه هو ومن رحلوا عن مسرح وجودنا في الحياة. فمن يصنع الذوق الآن؟ ومن يسبك مخارج الحروف أمام مئات الملايين؟ ومن يقدّم الأناقة في الحضور والحديث والتعامل الإنساني؟ أسئلة توجّه إلى صنّاع الصورة العربية العامة، لا فنياً واجتماعياً وحسب.

محمود ياسين الوسيم لم يكن الوسيم عمر الشريف أو الأشقر حسين فهمي، أو الشاب المحبوب نور الشريف. كان حكاية مختلفة. بوجهه العريض وأنفه الكبير وحنجرته الفريدة
محمود ياسين الوسيم لم يكن الوسيم عمر الشريف أو الأشقر حسين فهمي، أو الشاب المحبوب نور الشريف. كان حكاية مختلفة

 

12