محميات وأقاليم ديستوبية

الأربعاء 2017/07/19

لأنه لا وجود لدولة وقانون ملزم في بعض بلداننا، وليس من قضاء يقضي بالحق ويقتص للمظلومين ويحول دون اضطهاد المختلف فكرا وعرقا وطائفة، لا يجد معظم الناس من سبيل لتجنب الظلم والحفاظ على مصائرهم من عنف التطرف إلا باللجوء إلى حلم يوتوبي يسكن عقولهم: أن تكون لهم محمية أو متسع من الأرض ينعزلون فيه ويديرون أمور حياتهم، البعض الآخر يلوذ بالعشيرة تحكم بينه وبين مغتصبي حقه، والآخرون ينعزلون ويصمتون على مضض فقد نشأوا على قيم راسخة تؤمن بالإنسان والحياة المدنية. يحدث هذا في بلد كالعراق تحوله عصابات القتل والخطف إلى مسلخ بشري ينتظر فيه الناس التواقون للحرية قصاصهم بعمليات تعذيب بشعة أو بتغييب أبدي عن الوجود.

يفسر الباحثون هذه الأفعال الوحشية بأنها تنتمي إلى حركة (تطهيرية منظمة) ضد المختلفين و تدفع هذه الأعمال عشرات الآلاف من الشباب إلى الهجرة والهروب إلى بلدان أخرى بمجازفات غير مضمونة، وهم يعلمون جيدا أن ما حدث هو وجه من وجوه المراقبة السياسية التي ترغم على الابتعاد للخارج، فإذا لم تنجح في ذلك فثمة العقاب في الداخل .

بعد كل جريمة تقترفها العصابات المسلحة تعلو نبرة قوية بين الفئات المستهدفة تحفز على الهرب من هذا الجحيم، وبموازاتها تتعالى خطابات اللوم وتقريع المختلفين الذين يشذون عن السياقات العامة المفروضة قسرا:

- طالما تعيشون بيننا فلا بد لكم من الخضوع لتعاليمنا بلا اعتراض أو إعلان الرفض، ولاحق لكم في الاختلاف والتمرد على صراطنا وإلا فلا منجىً لكم من القصاص.

تتنوع مستويات القصاص وأنواعه لردع المعارضين لأداء السلطة، فثمة العقاب الجماعي بعيد المدى كحرمان المواطنين من الخدمات التي تقدمها الدول الراسخة لشعوبها كتوفير الطاقة الكهربائية والرعاية الصحية والمدارس اللائقة والمساكن والأمن المجتمعي.

أما القصاص المباشر للمختلفين فتتمثل بعمليات التدخل المفرط في حياة الناس والتضييق على النساء وطلبة الجامعات والتغاضي عن جرائم الخطف والقتل والابتزاز، ثمة إحصائية تقول باختفاء ومقتل نحو مئتي شاب ورجل وامرأة كل شهر في مدن العراق وتسجل الحوادث ضد مجهول وفي حال معرفة القاتل فإن المساومات بين عائلتي القتيل والمقتول تصل إلى تحديد رقم تعجيزي من المال يعجز المطلوب عن تسديدها؛ وعندها تضطر القبيلة لتقديم عددٍ من نسائها ديّة ترضية، يهبون بناتهم أو أخواتهم الشابات لرجال القبيلة المتضررة فيتعرضن إلى عبودية جنسية مؤبدة.

تغيب عن الحالمين بيوتوبيا العدالة والسلام، حقيقة مهمة: أن كل فكرة عن اليوتوبيا هي محض وهمٍ فانتازي، فسرعان ما تتحول اليوتوبيات الموعودة إلى ديستوبيات خانقة يتحكم فيها متسلط جديد ومنتفع متجبر برقاب الناس وحيواتهم بعد زوال مهرجان التأسيس؛ فيولد حينها دكتاتور صغير يرى في نفسه المحرر السماوي لأتباعه، أو تظهر مجموعة من الطغاة الصغار المتخادمين معه لنيل أكبر قدر من المنافع والثروات من ضرع اليوتوبيا المفترضة إقليما للأحلام، ويصبح الناس المنسلخون عن المكان الأول مرغمين على القبول بمساوئ المكان الجديد إذ لا خيار آخر أمامهم، يصبحون أسرى الديستوبيا التي سعوا لتأسيسها، وقد خسروا حماستهم وفقدوا الأمل بالحرية التي حلموا بها، فكل ما وجدوه لا يعدو كونه محض زيف بعد أن حشروا ضمن مشروع تاريخ جديد لا ينتمي إلى أحلامهم، بل جرى اختراعه من أجل حكام جدد وسادة متسلطين ليس من شيمهم تحقيق الحرية والعدالة التي حلمت بها الجموع المخدوعة.

كاتبة عراقية

14