محمية الفايجة بتونس تستقبل العريس الأبيض

منطقة الفايجة الجبلية التي تقع في محافظة جندوبة بتونس تتميز بمناظر طبيعية خلابة، وتتواجد في المحمية أنواع نادرة من الحيوانات والزواحف، وفي مقدمتها الأيل الأطلسي وعديد الجوارح والنباتات، ما يجعلها وجهة للسياحة الإيكولوجية التي تجلب الكثير من الزوار علی امتداد كامل السنة، للاستمتاع حينا بالثلج الذي يغطي المنطقة شتاء، وحينا آخر بالطقس العليل صيفا.
السبت 2017/01/14
"كاف نقشة" أعلى قمة في المحمية

جندوبة (تونس)- وسط لحاف من أشجار الزان والفرنان، تفترش محمية “الفايجة” محتضنة جمالا ساحرا يخطف الأبصار على المرتفعات الغربية لتونس، وتزداد المحمية جمالا مع تساقط الثلوج في هذه المنطقة التي تجتذب طلاب المدارس الذين يأتون لاكتشاف العريس الأبيض. فعلى مساحة 16 ألف هكتار، تكسو مرتفعات غابة الفايجة أشجار من الزان والفرنان، وتحت جذوع تلك الأشجار تعيش شجيرات الريحان والياسمين البري وغيرها الكثير من النباتات التي تبعث في سماء المنطقة عطرا صنعته الطبيعة فذاب في عشقه الإنسان.

وفي هذه الغابة التي تبعد حوالي 200 كيلومتر عن العاصمة تونس، تعيش نحو 400 عائلة بجهة الفايجة التابعة لمدينة غار الدماء من محافظة جندوبة (شمال غرب). ومع شروق شمس كل نهار، يستل التونسي الستيتي، في السبعينات من عمره، معداته متوجها إلى منبته الصغير في قلب المحمية التي تحمل اسم الغابة، للاعتناء بما جادت به الطبيعة عليه. يقول الستيتي، “تلك الجبال والأشجار والصخور هي روحي.. لم تفارقني طيلة حياتي. دائما ما يحملني الشوق إليها كلما سافرت وابتعدت عنها، فأعود أدراجي رغم كل الظروف المناخية الصعبة التّي تتسم بها”.

وعن محمية الفايجة، يتحدث رئيس إدارة الغابات (تابعة لوزارة الفلاحة التونسية) في غار الدماء، نور الدين عزيزي، قائلا “المحمية أُحدثت في يونيو 1990، وهي جزء من غابة الفايجة التي تمتد على 16 ألف هكتار وتمثل جزءا من سلسلة جبال خمير”. تتميز المنطقة بحسب عزيزي “بمناخ متوسطي رطب في الشتاء يمتد من أكتوبر إلى شهر مارس، وبكميات من الأمطار معدلها سنويا بين 1200 و1500 مليمتر، وأحيانا أكثر خلال السنوات الممطرة، كما تنزل فيها الثلوج سنويا بسمك يبلغ في المرتفعات مترا، لكنها تذوب في ظرف أسبوع”.

إدارة الغابات تسعى عبر مكتب دراسات خاص بها إلى تطوير المحمية وجعلها وجهة أكثر جذبا للزوار التونسيين والأجانب من خلال تحسين البنية التحتية وخلق فضاءات عائليّة وضمان راحة زائريها

و”يقابل هذه البرودة ارتفاع في درجات الحرارة خلال فصل الصيف وتحديدا في شهري يوليو وأغسطس، حيث تصل معدلاتها الدنيا إلى 23 و29 درجة، أما القصوى فتفوق 40 درجة، خاصة عند هبوب ريح الشهيلي (ريح السموم)”. ولعل أبرز ما يميز محمية الفايجة حيوان الأيل البربري الذّي أنشئت لحمايته من الانقراض، بالإضافة إلى ما تتسم به من تنوع بيولوجي، فهي فسيفساء من غابات أشجار الزان والفرنان التونسية التي تصنف بكونها من أفضل الغابات في العالم. والأيل البربري هو نوع من عائلة الأيليات التي تعيش في شمال أفريقيا، وله عظام على رأسه تسمى القرون المتساقطة.

وبحسب رئيس إدارة الغابات، فإن “السلطات التونسية أعلنت منذ عام 1963 غابة الفايجة محمية يمنع فيها صيد جميع أنواع الحيوانات لحماية الأيل الذي يعدّ آخر قطيع في شمال أفريقيا.. ففي تلك الفترة كان العدد 17 أيلا ليصبح في السبعينات 200 أيل ويصل العدد اليوم إلى ما بين 250 و300 أيل”. عزيزي يعتبر المحمية أيضا “ثروة وطنية هامة لا يستهان بها، وحمايتها والمحافظة عليها وتدعيمها هو واجب وطني”، حاثا على “أهمية تشجيع السياحة الإيكولوجية (البيئية)”. وتتمتع المحمية بمسالك بيئية تعمل إدارة الغابات على تهيئتها وتطويريها لفائدة كل من هو شغوف بالطبيعية، كما أن هناك تشجيعا على التربية البيئية، ويتابع عزيزي “حتى نغرس في الناشئة حب محيطهم خاصة مع ما يشهده العالم من تغيرات بيئية وارتفاع في درجات الحرارة”.

ولا يمكن لزائر الفايجة أن يعبر من هناك دون الوصول إلى أعلى نقطة فيها وهي “كاف نقشة”، وهي بمثابة برج مراقبة يعلو صخرة ضخمة يصعد إليها الزائرون عبر درج منحوت فيها، ليظهر لهم من الأعلى مشهد الغابة بأكملها كما تتراءى لهم بعض المدن الجزائرية الحدوديّة. ويزور محمية الفايجة في العام الواحد نحو 10 آلاف زائر بينهم عائلات وطلبة وأساتذة باحثون، فيستقبلهم العم التونسي وغيره من العاملين في الحديقة ويقدر عددهم بـ40 عاملا، بحفاوة، ليعرّفوا بجهتهم وحديقتهم وأبرز ما يميزها.

وتسعى إدارة الغابات وفق عزيزي، عبر مكتب دراسات خاص بها إلى تطوير المحمية وجعلها وجهة أكثر جذبا للزوار التونسيين والأجانب من خلال تحسين البنية التحتية وخلق فضاءات عائليّة وضمان راحة زائريها. ويقول رئيس إدارة الغابات، إن محمية الفايجة تزخر بثروة مائية هامّة وبعدد وافر من الأودية والعيون إذ يتحول جزء من تساقطات ومياه الأمطار وذوبان الثلوج إلى مجار مائية مختلفة الأحجام والأدفاق، وتتجمع خاصة أثناء الشتاء في شكل أودية، بينما تصب الأودية والمجاري بالجهة الغربية للحديقة في المنطقة الرطبة التابعة لجهة القالة الجزائرية.

أما الجزء الآخر فيتسرب ببطء عبر طبقات الأرض لييغذي مائدة المياه الجوفية التي تتدفق منها عيون نقية وتساهم في إثراء الحديقة سواء بتوفيرها لمياه الشرب اللازمة للحيوان أو بتكوين منظومات بيئية رطبة مثل مستنقع عين تاش. وتؤوي المحمية، وفق تقارير تونسية، 25 نوعا من الثدييات أبرزها الأيل و70 نوعا من الطيور بين مقيم ومهاجر منها “الحريش” و“الكحيلة” وتعيش فيها 3 أنواع من طائر “النقار” و21 نوعا من الزواحف والبرمائيات.

20