محنة الأقباط في سيناء

الاثنين 2017/02/27

الضجة التي صاحبت عملية ترحيل العشرات من الأسر القبطية من العريش في سيناء أخيرا، كشفت عن مجموعة من المضامين الأمنية والسياسية، وأكدت أن الأوضاع لا تزال معقدة، خاصة أن الطريقة التي تعاملت بها الحكومة المصرية بدت خالية من الحنكة والحكمة معا.

لأن استهداف الأقباط، من قبل تنظيم داعش أو غيره، ليس وليد اليوم، بل كانوا على الدوام هدفا حقيقيا أو محتملا، باعتبار أنهم يمثلون حلقة ضعيفة سياسيا في المعادلة المصرية، وطوال السنوات الماضية مثلوا أحد مصادر الإزعاج الداخلي والخارجي، فغالبية الأزمات الساخنة التي مرت على مصر كان الأقباط طرفا رئيسيا فيها، ومعظم النداءات والبيانات والتصريحات الخارجية نجحت في توظيفهم للنيل من الأنظمة المصرية المختلفة.

ومع أن بوادر المحنة الجديدة في سيناء كانت ظاهرة للعيان مبكرا، غير أن الحكومة لم تتخذ الإجراءات الكافية لوقفها، وتركت الأمور تتفاقم حتى وصلت إلى مشهد بدا فيه الأقباط خائفين ومذعورين وغير آمنين ومهجرين، وليس لهم نصير سوى الاحتماء بكنائسهم في مدينة الإسماعيلية المجاورة لمنطقة سيناء، في حين أن التراخي الرسمي، أوحى بأن هناك تخبطا في الطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع ما يجري في سيناء، التي احتلت حيزا كبيرا من اهتمامها خلال السنوات الماضية، وقدمت للمواطنين تطمينات كثيرة بأنها أصبحت تقريبا تحت السيطرة الأمنية الكاملة، وأن الإرهابيين وفلولهم باتت عملياتهم عشوائية وبعيدة عن حياة المدنيين.

المشكلة في مشهد الترحيل القسري الذي تم للعشرات من الأقباط من العريش، أنه خلق صورة نمطية يصعب محوها بسهولة، فمشاهد الأسر وهم يترجلون وعلى أكتافهم معداتهم المعيشية البسيطة، نقلت على الفور إلى الأذهان صورا أخرى تتناقلها وكالات الأنباء في كل من سوريا واليمن والعراق وليبيا، وجميعها مناطق معارك وصراعات بين جماعات متناحرة، وهو ما ربط بينها وما يجري في سيناء بحسبان أن ما يدور في هذه المناطق يندرج تحت عنوان واحد مشترك هو “الحروب والنزاعات”.

من هذه الزاوية حقق تنظيم داعش الإرهابي غرضه من تهديده السابق باستهداف الأقباط، فقد بدت الحكومة في موقف العاجز عن حماية المواطنين، والكنيسة التي تمثل الداعم الرئيسي لنظام الحكم تململت من الطريقة التي تمّ التعامل بها مع المسيحيين المرحّلين، وغضب المواطنين الأقباط بدأ يتصاعد في اتجاهين، اتجاه الكنيسة التي أضحت مطالبة باتخاذ موقف صارم لضمان حماية رعاياها، واتجاه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي قدم وعودا كثيرة بعدم المساس بهم من جانب أي جهة.

الخطورة الواضحة أن الضجة المبالغ فيها والتي تسببت فيها أحداث الأيام الماضية، لم تكن وليدة تهاون حقيقي من قبل الحكومة، لكنها جاءت من رحم سوء تقدير في التعامل مع جوهر الأزمة وعدم إدراك للعواقب الجسيمة، كما أن قطاعا كبيرا من القوى المعارضة بدأ يركب هذه الموجة، وتركت تداعيات مواقفه لغطا أوحى بأن الحكومة غير قادرة على حماية المواطنين في مصر عموما، والتنظيمات الإرهابية تزداد قوة وعنفوانا، والإجراءات التي تتخذ ضدها ليست لها فاعلية على أرض الواقع.

التضخيم الذي قابلته الكثير من القوى السياسية المؤيدة للنظام الحاكم في مصر، خانه الصواب، عندما بالغت في التعاطف مع الأقباط، وعرضت تقديم مساعدات مادية وتوفير أماكن للسكن والإقامة لمن رحلوا عن العريش، وكلها عوامل رسخت الجوانب السلبية، بدلا من أن تقدم صورة إيجابية للوحدة الوطنية، لأن من يحلل الحصيلة الناجمة عنها سوف يشعر بأن هناك أزمة حقيقية، فقد كان من الممكن تقديم المساعدات في وقت سابق، قبل أن تحتدم الأزمة وتدخل الطور الذي جعلها تبدو وكأنها مستعصية.

هذه النتائج سوف تكون لها مردودات سياسية واقتصادية واجتماعية أشد وطأة، لأن الأزمة جاءت في توقيت بدأ النظام المصري يتعافى فيه نسبيا ويستعيد علاقاته بعدد كبير من القوى الدولية، ووسط مؤشرات تميل إلى ناحية اقتراب ترميم الخلل الذي أدى إلى عدم تدفق السياحة الأجنبية على مصر، وسيناء خصوصا، وفي خضم حالة من التوافق المجتمعي، بين المسلمين والأقباط، ومواجهة المتشددين الذين تؤكد أدبياتهم المتنوعة على مركزية استهداف المسيحيين.

الخسارة المصرية المترتبة على مشاهد تهجير العشرات من المواطنين من العريش، أشعرت قطاعا كبيرا وسط الأقباط والمسلمين من المثقفين بالمرارة، وأن الرهان على توسيع نطاق المواطنة عملية محفوفة بالمخاطر، فما جرى في سيناء فرض إعادة النظر في الكثير من المسلمات بشأن التحركات الرامية إلى استعادة اللحمة الوطنية، وضاعف من الشكوك في الخطوات التي تتخذها الحكومة نحو تجسير الهوة بالأدوات الفكرية والتشريعية، والتي شرعت فيها مؤخرا، لكنها لم تكن ملموسة بالقدر الكافي.

وهو ما يفرض على الحكومة القيام بجملة من الإجراءات لرد الاعتبار لدورها المحوري، أهمها ضرورة البحث عن مخرج مناسب لأزمة تهجير الأقباط من العريش، ومحاولة إعادتهم إلى ديارهم في أقرب فرصة، وتوفير الوسائل اللازمة للعيش في أمان، ولن يحدث ذلك من دون التخلص من الخطر الذي يمثله الإرهابيون في سيناء، الأمر الذي يحتاج إلى استراتيجية جديدة، لأن الطريقة التي تم اعتمادها لمحاصرة الإرهاب عبر تضييق الخناق على دخول سيناء، نتائجها لم تحقق الهدف المطلوب. كما أن علاج الأزمة يتجاوز حدود ما جرى في العريش، ويفرض العمل سريعا لإرساء قواعد المواطنة التي تقطع الطريق على الروافد السلبية لكل حادث ضد الأقباط، لأنهم أصبحوا الجزء الرخو في الدولة المصرية، لكل من يريد خلق منغصات عميقة للنظام الحاكم، لذلك فتمتين هذه العروة يمكن أن يكون كفيلا بوقف أي انعكاسات تؤثر على النسيج الوطني في البلاد.

الخطوات العملية التي سوف تتخذها الحكومة خلال الأيام المقبلة، ربما تكون المؤشر الحقيقي للترمومتر الذي سوف يحدد مصير العلاقة بين النظام الحاكم والأقباط، لأن الهزة التي أحدثتها أزمة العريش تفوق ما أحدثه غيرها من تأثيرات قاتمة، فالعلاج يتطلب طرقا غير تقليدية تقضي على احتمال التكرار في مناطق أخرى خارج سيناء.

كاتب مصري

9