محنة السوريين لم تبدأ يوم 21 أغسطس 2013

الأربعاء 2013/09/18

يتبارى ساسة ومعلقون غربيون أميركيون وأوروبيون على القول بألسنة شتى إن استخدام السلاح الكيماوي الذي أودى بـ1400 ضحية على الأقل جُلّهم من الأطفال في غوطة دمشق فجر الأربعاء 21 اغسطس، يمثل تطورا لا يمكن السكوت عليه ويتطلب ردا واضحا. هؤلاء يعتبرون هذا التاريخ يوماً فاصلا بين مرحلتين: مرحلة ما قبل الكيماوي، ومرحلة ما بعدها.

وقد أدى هذا التطور إلى التهديد بضربة عسكرية للنظام في دمشق، ثم إلى إطلاق «المبادرة الروسية» التي تقضي بوضع المرافق والمنشآت النووية تحت إشراف دولي، وصولا إلى الانضمام لمعاهدة حظر الأسلحة الكيماوية. مبادرة موسكو وما تلاها وسوف يتبعها تسم الأزمة السورية بطابعها شبه الحصري: فالأزمة السورية وفق هذا التركيز باتت تنحصر في تسليم المنشآت النووية ومحتوياتها، وفي الانضمام لمعاهدة الحظر، فإذا ما تم ذلك في غضون أشهر أو سنوات، فإن الأزمة تكون أخذت طريقها إلى الحل مع انصياع النظام لمتطلبات المجمع الدولي.

هذه المقاربة تأخذ بها إدارة أوباما على الخصوص. فالإحالة إلى الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ للنظر في رد أميركي عسكري، ترتكز إلى وجوب النظر في مخاطر أو تهديدات محتملة للسلاح الكيماوي على الأمن القومي الأميركي، وعلى أمن العالم علاوة على وقوع ضحايا سوريين. والمداولات شبه الماراثونية تعاين أوجه الربح والخسارة، إذا ما تم اللجوء إلى استخدام القوة، أو جرى الاكتفاء بتفكيك المرافق الكيماوية ومشتملاتها بإشراف أممي تتصدره موسكو صاحبة المبادرة والحليف الدائم ومصدر السلاح للنظام في دمشق.

المعارضة من جهتها استقبلت الاهتمام الدولي بمجريات الكيماوي في الأسبوع الأخير من أغسطس بترحاب بالغ، بل بتفاؤل بأن زمن اللامبالاة الدولية قد انقضى، وأن عهدا جديداً قد بدأ.

لم تأخذ المعارضة في الحسبان لا المناورات السياسية، ولا أهمية مخاطبة النواب البريطانيين والأميركيين وعموم الرأي العام الغربي، والأنكى من ذلك أنها لم تبذل جهدا كافيا وملموسا للتدليل على أن جريمة الكيماوي هي إحدى ذرى المحنة السورية، وليست واقعة قائمة بذاتها منفصلة عما سبقها. وتندرج في سياق أعم وأعرض. فمن يستخدم الكيماوي بلا رحمة ضد أطفال شعبه، فلا بد أن تكون له سوابق في مضمار الجريمة، وهو مرشح لأن يرتكب المزيد منها. وأن استخدام هذا السلاح الذي يقع في مرتبة دنيا من منظومة أسلحة الدمار الشامل، لا يعني أن استخدام الأسلحة التقليدية ضد المدنيين، لا يستحق الإدانة ومحاسبة المسؤولين عن استخدامه على مدى نحو ثلاثين شهرا. إذا كانت الأطراف الدولية- لحسابات مصلحية ومشروعة- قد ارتأت البقاء في مربّع الكيماوي وسبل الرد عليه، فقد كان على المعارضة السورية وسائر أصدقاء الشعب السوري مجتمعات ودولا ومنظمات، تفادي اختزال المحنة السورية بهذه الواقعة المروعة، والتأشير إلى أن هناك عددا يكاد لا يحصى من الفظائع يُرتكب ضد المدنيين، بدون توقف، وهو ما أدى إلى جعل ملايين السوريين مشردين بلا مأوى في وطنهم، أو لاجئين في دول الجوار وغير الجوار.

لنلاحظ أنه منذ يوم 21 أغسطس الماضي توقف الاهتمام بالضحايا الذين يسقطون يوميا بأسلحة غير كيماوية، بأسلحة «لطيفة» مثل الصواريخ، والبراميل المتفجرة التي تلقيها طائرات روسية المنشأ على البيوت. حتى أن أنباء تحدثت عن استخدام النظام غازات سامة ضد حي جوبر في ضواحي دمشق ولم تلق اهتماما يذكر، باعتبار أن الجهد الحالي يجب أن يتركز على نزع الأسلحة الكيماوية وليس إدانة استخدامها مجددا. أما الأسلحة التقليدية فمن الواضح أن خطرها الجسيم لا يمس أحدا خارج سوريا حاليا (باستثناء النازحين السوريين إلى لبنان الذين تلاحقهم الطائرات الحربية وتقصفهم بعد مكوثهم هناك). واستخدام مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة ضد المدنيين والأحياء السكنية في دير الزور ودرعا وادلب وحماة وحمص وحلب وريف دمشق والرقة، هو أمر ينسجم كما يبدو مع أحكام القانون الدولي الذي ما انفك وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف يتطرق إليه كلما تناول الأزمة السورية. لقد رفضت المعارضة السورية ممثلة بالائتلاف الوطني المبادرة الروسية، وهذا الرفض وإن كان حقا للمعارضة، فمشكلته بدت في كونه يتعارض مع اتجاه أممي واسع. كان وما زال الأجدر بالمعارضة أن تؤيد بصورة مشروطة المبادرة الروسية، بحيث يضاف إليها محاسبة المسؤولين عن ارتكاب الجريمة وما سبقها من مجازر، ومنع النظام من استخدام كل أنواع الأسلحة ضد المدنيين تحت طائلة العقوبات، وتمكين منظمات الإغاثة العربية والإسلامية والدولية من الدخول إلى كل المناطق السورية، وكذلك تمكين مئات الألوف من النازحين خارج الوطن من العودة في ظروف آمنة. بهذا يتم تقييد النظام.

من الأهمية بمكان مراعاة الحساسية الدولية تجاه مسألة الأسلحة الكيماوية، وكذلك تجاه خوض حروب جديدة، وفي الوقت ذاته فإنه على جانب من الأهمية أن يتم تظهير جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية التي ما انفك النظام يرتكبها بدم بارد ضد شعبه، حتى أنه لم يتوقف ساعة واحدة عن إطلاق النار على شعبه منذ 15 آذار 2011 حتى يوم الناس هذا، واعتبار ذلك هو لب الأزمة السورية وجوهرها، لا استخدام الكيماوي فحسب. من حق كل السوريين ومعهم أشقاؤهم العرب والأحرار في كل مكان، المطالبة بمعاقبة من يمتلك ويستخدم السلاح الكيماوي، فأن يقوم مجرم بتسليم أداة الجريمة فذلك لا يعفيه من العقوبة كما لاحظ الإعلامي فيصل القاسم، وأن ينضموا في ذلك إلى مطالبات أطلقتها الجامعة العربية لمعاقبة الفاعلين، وإلى موقف مسؤول عبر عنه الاجتماع الأخير لمجلس التعاون الخليجي يوم 9 سبتمبر ايلول في الرياض والذي أفاد أن وضع الأسلحة الكيماوية تحت اشراف دولي لا يوقف نزيف الدم السوري. وهو ما يستحق أن يكون عنوانا لحملة دبلوماسية وسياسية تتوازى مع الجهود لنزع هذه الأسلحة ولا تتعارض معها.

فالنظام يرغب فقط بكسب المزيد من الوقت ولإدخال فرق التفتيش في متاهة البحث والتنقيب طيلة أشهر، وفي الأثناء مواصلة الاستمتاع بالفتك بشعبه وتهديد الشعوب والدول المجاورة وإلقاء أعباء الأزمة عليها.


كاتب وإعلامي أردني

8