محنة الصندوق السيادي السعودي بين الالتزامات المحلية والأجنبية

أكد محللون أن صندوق الاستثمارات العامة يواجه ضغوطا متزايدة لتعزيز الإنفاق المحلي لخلق فرص العمل داخل السعودية في وقت يضطلع فيه بدور كبير في توجهات الرياض الاستراتيجية في الاستثمارات الخارجية.
الخميس 2018/08/16
البحث عن بوصلة استثمارية جديدة

الرياض – كشف غموض موقف صندوق الاستثمارات العامة السعودي في سيناريو إلغاء إدراج شركة تسلا الأميركية عن طريق شراء جميع أسهمها المتداولة في البورصة، أن الصندوق لا يزال يبحث عن استراتيجية لإدارة أصوله التي تزيد على 250 مليار دولار.

وأكد مؤسس تسلا إيلون ماسك هذا الأسبوع أن “من الواضح أن لدى الصندوق السيادي السعودي ما يكفي ويزيد” لتمويل سحب تسلا من الأسواق. لكن أندرو تورشيا المحلل الاقتصادي في وكالة رويترز يقول إن الأمر ليس بهذه البساطة.

ويرى تورشيا أن مطالبات كثيرة تتنازع موارد صندوق الاستثمارات العامة وهي مالية وسياسية. ويقول إن أكثر من نصف أصوله مربوط في شركات سعودية كبيرة قد يكون من الصعب بيع أسهمها دفعة واحدة.

وقدم الصندوق تعهدات كبيرة لشركات واستثمارات أخرى بقطاع التكنولوجيا، بينها استثمار 45 مليار دولار في صندوق رؤية سوفتبنك للاستثمار في تكنولوجيا المستقبل، والذي يقوده ماسايوشي سون مؤسس ورئيس سوفتبنك اليابانية.

وهناك 3.5 مليار دولار مستثمرة في شركة أوبر الأميركية ومليار دولار في مشروع فضاء تابع لمجموعة فيرجن، إضافة إلى تعهد أولي باستثمار 20 مليار دولار كصندوق مزمع في البنية التحتية مع شركة بلاكستون.

لكن يبدو أن الضغوط الأكبر تتركز في زيادة إنفاق الأموال في الداخل، حيث دفع تراجع الاقتصاد معدل البطالة بين المواطنين السعوديين إلى مستويات قياسية مرتفعة.

ونسبت رويترز إلى مصرفي في شركة خليجية كبيرة تعمل في السعودية قوله إن السعودية “قد تتولى جزءا في إلغاء إدراج تسلا، لكن ليس بالضرورة جزءا كبيرا منه وبالتأكيد ليس كله”.

ويقول ماسك الذي يملك 20 بالمئة من الشركة، إنه لن يحتاج لجمع كامل القيمة البالغة 72 مليار دولار على أساس سعر السهم الحالي، لأنه يرجح احتفاظ المساهمين الحاليين بأسهمهم بعد إلغاء إدراجها وربما زيادة حصصهم. ويملك صندوق الاستثمارات العامة السعودي بالفعل نحو 5 بالمئة.

ياسر الرميان المشرف على صندوق السعودي أكد دعمه لإلغاء إدراج تسلا بحسب إيلون ماسك
ياسر الرميان المشرف على صندوق السعودي أكد دعمه لإلغاء إدراج تسلا بحسب إيلون ماسك

ويقود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي يرأس صندوق الاستثمارات العامة، مساعي تنويع موارد الاقتصاد وتقليل الاعتماد على صادرات النفط عبر تطوير صناعات جديدة.

ومن شأن المشاركة في صفقة تسلا أن تقرب السعودية إلى تطوير قطاع سيارات محلي أو الاضطلاع بدور في أنشطة صناعة البطاريات الكهربائية أو الفضاء التابعة لماسك. وسيكون القرار الذي سيتخذه ولي العهد السعودي مهما لجهود ماسك في إلغاء إدراج تسلا.

وامتنع متحدثون باسم الصندوق، ومسؤولون في الحكومة السعودية، حتى الآن عن التعقيب على تصريحات ماسك. لكن مصرفيين على دراية بصندوق الاستثمارات العامة قالوا إنهم لم يروا أي مؤشر بعد على استعداده للالتزام بالصفقة.

وأشار المصرفيون إلى أنه رغم الأصول الكبيرة التي يملكها الصندوق، إلا أن الكثير منها ليست سائلة وأن السيولة المتاحة بسهولة محدودة.

وكان صندوق الاستثمارات العامة قد ذكر في أكتوبر الماضي أن أصوله تبلغ نحو 230 مليار دولار. ويعتقد محللون أنها ارتفعت حاليا إلى أكثر من 250 مليار دولار، لأسباب على رأسها صعود سوق الأسهم السعودية.

لكن بيانات البورصة تظهر أن 140 مليار دولار أو أكثر من أصول الصندوق موزعة في شركات سعودية كبيرة مثل الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) والبنك الأهلي التجاري.

ومن غير الممكن تسييل تلك الأموال سريعا دون دفع الأسعار للانخفاض في سوق الأسهم المحلية، بينما يتعارض بيع الكثير من  الأسهم مع الأدوار المعلنة الأخرى للصندوق مثل مساعدة الشركات السعودية “بما يدفعها إلى الريادة إقليميا وعالميا”.

كما أن بيع عقارات لجمع المال لا يبدو خيارا للمدى القصير في السوق السعودية غير السائلة.

ويرى مصرفي أجنبي يتعامل مع صندوق الثروة السعودي أن “صندوق الاستثمارات العامة ليس له السيولة التي يعتقدها البعض”.

لكن مصادر مطلعة تقول إن الصندوق ربما يتلقى دفعتين من السيولة في الأشهر المقبلة وأنه يسعى لجمع ما يصل إلى 8 مليارات دولار في أول قرض تجاري يحصل عليه.

وكشفت شركة النفط العملاقة أرامكو السعودية الشهر الماضي أنها تعكف على شراء محتمل لكامل حصة صندوق الاستثمارات العامة في سابك والبالغة 70 بالمئة وهو ما سيمنح الصندوق نحو 70 مليار دولار.

لكن المصرفيين يتوقعون أن يستغرق شراء أرامكو للحصة عدة أشهر على الأقل للتفاوض، وقد ألزم صندوق الاستثمارات العامة بالفعل نفسه بمشاريع كبيرة لتحفيز الاقتصاد السعودي.

ويشمل ذلك قيادة استثمارات تصل إلى 500 مليار دولار في منطقة نيوم الاقتصادية شمال غرب السعودية ومشاريع تطوير عقاري بمليارات الدولارات في مكة والمدينة، ومنطقة ترفيهية كبيرة خارج الرياض.

وقال المصرفي الخليجي “إذا أنفق الصندوق مليارات الدولارات في الخارج وظل الاقتصاد المحلي يتباطأ، فلن يبدو الأمر جيدا لبعض السعوديين”.

11