محنة العائلات الفرنسية.. ماذا تفعل لو اكتشفت أن ابنها إرهابي

وجدت عائلات الشباب الفرنسي الذي يتبنى فكرا متطرّفا ويؤيد تنظيمات جهادية من قبيل تنظيم الدولة الإسلامية، نفسها في مأزق بين التبليغ عن أبنائها السائرين في طريق التطرّف ومحاولة منعهم عن هذا المنحى الخطير، أو التستر عليهم بما يفسح لهم الانضمام إلى صفوف التنظيمات الجهادية ويكون مصيرهم التحول إلى إرهابيين.
السبت 2015/07/04
الشاب بيار شوبيه تحول إلى أبي طلحة الفرنسي ونفذ عملية انتحارية في العراق

كريتاي (فرنسا) - ظلّت ماري مترددة لوقت طويل أمام الهاتف قبل أن تحسم قرارها في نهاية الأمر وتتصل بـ”الرقم الأخضر” الذي خصصته أجهزة الاستخبارات الفرنسية، لتبلغها عن أمر حفيدتها ليا التي سلكت طريق التطرف الإسلامي.

جالسة في مقهى في منطقة باريس، تدلي السيدة البالغة من العمر 75 عاما بإفادتها طالبة عدم كشف اسمها، وتعرب طريقة حديثها وعباراتها عن مشاعرها المتناقضة حيال الخطوة التي أقدمت عليها موضحة “أحسست كأنني أشي بها”.

وتقول “لا أحد يعرف أنني اتصلت، ولا حتى زوجي”، مضيفة “ابنتي، والدة ليا، تقول إنني لا أفهم شيئا، إنني مهووسة. إنني فعلا الوحيدة في هذه العائلة التي قمت بما اعتبره ضروريا”.

كان ذلك قبل عام، بعيد إطلاق هذا الخط الهاتفي الذي خصصته وزارة الداخلية الفرنسية للعائلات في نهاية أبريل 2014.

وأوضح بيار نغاهان، الأمين العام للجنة الوزارية للوقاية من جنوح الأحداث، أنه منذ ذلك الحين “تم الابلاغ عن أكثر من 2200 شخص” من خلال الرقم الأخضر، “وإذا ما أضيفت المعلومات الواردة من مراكز الشرطة فإننا نصل إلى رقم 4500”، حسب الأرقام حتى نهاية مايو الماضي. ويستنتج من ذلك أن “طلبا اجتماعيا حقيقا كان يظهر في البلاد”.

وبعد إخطار مركز الشرطة في مقاطعتها، وضعها على اتصال بالجمعية المحلية “المجتمع العائلة الفرد” (سوفي) المتخصصة في معالجة التطرف الديني.

ومنذ اعتداءات باريس التي نفذها في مطلع يناير فرنسيون سلكوا طريق التطرف، تتابع رئيسة الجمعية ميشال شيربيو وفريقها من المتطوعين نحو 15 عائلة وتقول إن هذه العائلات تجتمع مرة في الشهر في مكان يتم إبقاؤه سريا “حفاظا على هويات الأفراد وعلى أمنهم” لتبادل التجارب والشهادات.

واتجهت ليا البالغة من العمر 23 عاما، إلى التطرف في العام 2013 وتقول جدتها إن المسألة بدأت بخيبة غرامية، حيث “تركها صديقها من أجل فتاة أخرى، وكانت تتألم كثيرا، واستقالت من وظيفتها كأمينة صندوق في متجر، وهي وظيفة حصلت عليها بعدما تركت المدرسة في الصف الثاني ثانوي لتكون ربة منزل”.

وتضيف الجدة “كانت تلك نهاية السهرات والكحول والقنب الهندي” الذي كانت ليا تزرعه على شرفة غرفتها، وتتابع مستذكرة كيف تغيرت طبيعة العلاقة التي كانت تربطها بحفيدتها، فقد كانتا في الماضي أكثر قربا، حيث تقول الجدة “كنا نتبادل الملابس، نذهب معا للتسوق”، أما اليوم فإن “العلاقات أكثر برودة” ولو أنهما ما تزالان تلتقيان مرة في الأسبوع.

وتوضّح الجدة، بحسرة، أن الملابس التي تهديها إياها “تنتهي في سلة المهملات على غرار الكتب والملصقات لـ”رجال بارزي العضلات” التي كانت تغطي في الماضي جدران غرفتها، حيث لم تعد تدعو سوى “صديقات محجبات مثلها”.

كذلك لم تعد الفتاة تخبر جدتها عن “مغامراتها الغرامية الكثيرة”، بل تفضل الآن صب “حقدها على اليهود” والتنديد بـ”مؤامرة” اعتداءات 11 سبتمبر والترحّم على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، “ذلك المسكين” والتشكيك في مقتل أسامة بن لادن واستنكار “دعاية وسائل الإعلام” حول الفظاعات التي يرتكبها تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق.

وتبيّن من حديث الجدّة أن الشابة الفرنسية ليا مرتبطة بشخص يشاطرها الأفكار المتطرّفة، ويتوقّع أن يكون هو من أثّر عليها بشكل كبير. وتلتقي ليا بزوجها المستقبلي، وفق الجدّة، في مسجد فيلييه سور مارن بضاحية باريس، وهو مسجد “معروف بخطبه العنيفة”، حسب مصدر في الشرطة.

وتقر ماري بأنها كانت “تخشى رحيل” ليّا إلى سوريا، لكن إن كانت مخاوفها تبددت قليلا إلا أنها لا تزال تخشى هذا الاحتمال وتقول “فعلت كل ما بوسعي حتى لا ترحل”.

وقصة الفتاة الفرنسية ليّا مع التطرّف باتت تتكرّر كثيرا في الفترة الأخيرة، في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية، التي سجّلت ارتفاعا خطيرا في عدد أبنائها الملتحقين بالتنظيمات الجهادية.

والملفت في الأمر أن عددا من هؤلاء الشباب ليس من أصول مسلمة، بل إن من بينهم مسيحيين متديّنين على غرار الشاب بيار شوليه الفرنسي البالغ من العمر 19 عاما، والذي تحول اسمه إلى أبي طلحة الفرنسي ونفذ عملية انتحارية بعد التحاقه بصفوف تنظيم داعش في العراق.

وعلى غرار جدّة ليّا، يقول والدا بيار إنهما لا يفهمان كيف تحول هذا الشاب من “ملاك” إلى “وحش”. والدته ماري أنييس قالت إنها تعرفت على ابنها بعد نشر صورته على المواقع الجهادية في الإنترنت وأصيبت بالصدمة، مضيفة أن ابنها ترك رسالة قبل مغادرته، جاء فيها “أبي أمي ذهبت لمساعدة السوريين والسوريات لكن لا تقلقوا ستصلكم أخباري في أسرع وقت ممكن. أحبكما”.

وأضاف والده، جيرار شوليه “لا نعلم كيف تم تجنيده. كان في الـ17 واعتقدنا أنه كان يمر بأزمة المراهقة ويريد أن يثبت نفسه وأنها مرحلة وستمر”، موضّحا أن ابنه بدأ يتغير في المدرسة قبل عام من إنهاء دراسته الثانوية.

وتؤكد دنيا بوزار، مؤسسة “مركز الوقاية من الانحرافات الطائفية المتعلقة بالإسلام”، على أهمية الدور الذي تتحمّله العائلات والدعم الذي يجب أن يقدّم لها لتبلّغ عن أبنائها، حيث يجب أن “نشعر بارتياح الأسر لتكون قادرة على انتقاد سلوك أبنائها وتتوجّه للشرطة قائلة” ”هناك مشكلة، طفلي في خطر، ساعدوني”.

6