محنة العصور الذهبية

السبت 2014/05/24

من اللافت للنظر أنّ الشعوب المشرقيّة عموماً تتغنّى بالماضي بنوع من “النوستالجيا” المرضيّة التي تضعها في مأزق وجوديّ، تعكّر عليها صفو الحاضر، وتصبح معضلة في طريق المستقبل. وتؤكّد أنّ المحنة متعاظمة ولا تستدلّ إلى طريق واضح المعالم للاستشفاء منها أو التخفيف من حدّتها.

يشكّل الماضي درّة العصور الذهبيّة لكثير من الناقمين على راهنهم، وهو ما قد يجعلهم في عداء واستعداء مع راهنهم ومستقبلهم، وقد يكون مسعاهم الفاشل حتماً ردّ فعل على الانكسار المعمّم والخيبات المتتالية. إنّها أصوليّة من نوع معاصر يفترض الأفضل والأروح والأحسن في الماضي المذهّب، والسراب والضباب والأقلّ كفاءة وقدراً وروعة في ما عداه.

كثيرون هُم العرب الذين يبالغون في تقديس الماضي ويرجون استعادته متوهّمين أنّ أيّة استعادة هي من باب العودة إلى تلك المزايا والامتيازات والدور الكبير في مراحل تاريخيّة معيّنة، ويتماثل معهم الكُرد في ذلك، حين يعيشون على أمجاد أسلافهم من عصور ما قبل الميلاد حيث الإمبراطوريات المتعاقبة التي سادت فترة من الزمن.

الفرس لا يقلّون عن جيرانهم تغنّياً بفراديس الماضي، بل يتفوّقون عليهم في ذلك، وما زال النظام الإيرانيّ القائم الذي يجد نفسه وريث تلك الإمبراطوريّة يتعامل بمنطق التعالي والفوقيّة مع الجيران والآخرين، وأكسى مسعاه لاستعادة “العصور الذهبيّة” بلبوس مذهبيّ يسبغ عليه “مواكبة” مفترضة لمقتضيات العصور الجديدة التي تجاهد فيها للتماهي مع السابقة الموصوفة بالذهبيّة.

أمّا الأتراك فأوهام العصور الذهبيّة تكاد تطغى على أحلامهم وسياساتهم، ولا يختلفون عن غيرهم في تقديس الماضي، ومحاكاته بأدوات العصر وآليّاته. والأمر يتعمّم ليشمل أتباع المذاهب والقوميّات المنتشرة في المنطقة، حيث للكلّ عصور ذهبيّة سالفة، وما على الخلف إلّا المجاهدة لاستحقاق النبل الذي أورثه إيّاه السلف.

يستجدّ البحثُ عن صيغ لاسترجاع العصور الذهبيّة بحلل وأشكال مبتدعة، يتمّ رهن الحاضر والمستقبل ووقفهما لخدمة تلك الأوهام، ما يجعل من الزمن أنفاقاً منفتحة على متاهات لا نهاية لها، ويُنسي الباحثين عن تلك الأمجاد الاشتغال لصناعة أمجاد جديدة، ليجعلوا من الحاضر والمستقبل عصوراً ذهبيّة، وفراديس معاصرة تستحقّ المجاهدة في سبيلها، لأنّ عدم تخطّي حالة العجز سيوجب الدوران في الحلقة المفرغة، وسيجد المشرقيّ نفسه في دوّامة قاهرة تعطّل حياته في انتظار موت وشيك، أو ارتهان مكبّل لكلّ شيء وعادم للحياة نفسها.


كاتب من سوريا

17