محنة النقد في موجة السرد

الخميس 2016/09/22

بعد أن أُغرِقت سوق الرواية العراقية بعشرات المئات من العناوين والتقت الأجيال الأدبية على مصطبة السرد المفتوح حتى آخره، سيكون من الصعب الفرز النقدي والمتابعة التفصيلية لتوطيد رؤية تحليلية لكل هذا الكم الهائل من السرود الروائية التي لا تزال تتدفق من دون انقطاع، وسيكون من المستحيل توطين حالة نقدية مثابرة تتقصى فنية تلك النتاجات المتعددة وتؤشر إلى حلقات إضافية نوعية على صعيد الممارسة الإبداعية بشكلها الأوسع.

محنة النقد حقيقية إزاء هذه الأهوال الروائية لا سيما وأن النقد العراقي أساسا يعاني من مشكلات جسيمة منذ أكثر من ثلاثة عقود بسبب غياب أركانه الأساسية، وانحسار الحالة الثقافية عامة تحت رقابة سلطة أجهضت الكثير من حلمها ونهضتها.

وبالتالي ظلت ممارسة الكتابة فردية غير واثقة مما تحققه من منجزات إبداعية وبقي النقد بعيدا عن تلك المحاولات حتى هذا اليوم الذي يشهد ولادات جيلية متعاقبة تطمح إلى أن تؤسس لها موطئ قدم في الساحة الثقافية كفاعلية أدبية أنتجتها سنوات ما بعد 2003.

لا نريد الإنابة عن النقد في موجة السرد التي تواصل اندفاعها الكبير ولكن يمكن تلخيص ثلاث عشرة سنة سردية في أربع نقاط نعتقدها صالحة لتوفير الكثير من الجهد النقدي المستقبلي الذي سينشأ مع جيل جديد ربما له قابلية الفرز العلمي والأكاديمي ليشكل ركيزة جديدة في بناء علاقة متضامنة مع المشروع الإبداعي بوصفه السردي العام.

أولا: مجمل الروايات تمثل “الرائي” الخارجي الذي يعود إلى الوطن بعد غربة طويلة فيرى بغداد (أو المحافظات) بشكلها الجديد، وهو شكل مأساوي بلا شك بوجود المارينز الغرباء، أو خروج قاع المجتمع المحبوس ثلاثة عقود وهو يمارس أدواره الشاذة الغريبة في فضائح اجتماعية وطائفية تعكس صورة الحالة الجديدة التي تسبب فيها الاحتلال الأميركي.

ثانيا: إدانة النظام السابق وجرائمه الكثيرة بطريقة مباشرة والوقوف على أطلال الفترة الحاكمة السابقة بتشف، وعرض أهواله بطريقة واقعية استعراضية أو خيالية مصممة لإدانته، وهذا ممكن في الخيال السردي وطبيعي جدا في وضع ثقافي مفتوح من دون رقابة سابقة، وثأرا لتعرية حالة سياسية ماضية أطبقت على الجميع بشروطها القاسية ولا سيما من جانبها الثقافي والأدبي.

ثالثا: شيوع ظاهرة الكتابة عن الأقليات الدينية والعرقية والانتصار لها وهذه ثيمة بدأت تتكرر بطريقة استذكارية وتداعيات متعددة وبدت كما لو أنها قصدية من خلال التركيز عليها، الأمر الذي تطلّب مراجعات ومصادر وسِيَر تاريخية لجماعات كانت مهمشة في المجتمع العراقي كالصابئة واليهود والإيزيدية والشبك وسواها.

رابعا: توفير مساحات سردية لاستدراج ثيمة (المخطوطة) أو ما يوازيها من مذكرات أو كتابات مركونة أو أي حيلة من شأنها أن ترتقي لمثل هذا الميتا- سرد وهذا شكل بات قديماً ولم يعد مجدياً كبناء فني راصد لأعمدة روائية معيارية.

هذه أربع إشارات إن لم تكن موصولة بالنقد فهي موصولة بالقراءة الشخصية، لكن انتظمت فيها المئات من السرديات الروائية بطريقة نحسبها عشوائية ومتشابهة إلى حدّ واضح، ربما يغني في الكثير من الأحيان عن قراءة التلال الروائية المتبقية كما لو كان هناك مَن يُملي على الجميع ثيمة واحدة ورؤية واحدة وطريقة واحدة في الكتابة، وهذا أمر نظنه نقديا ضاربا في عمق الحالة التي نشير إليها كلما توفرت فرصة الإشارة الصريحة.

سنرى في هذا الفيض الروائي محنة النقد العاجز عن متابعة هذا السلوك الروائي المتسلسل في نقاطه الأربع، التي لم تشذّ عنها سوى روايات قليلة جدا تشكّل نسبة 1 بالمئة وهي نسبة تكاد لا تُذكر في هذا الاندفاع السردي اللافت للأنظار.

كاتب من العراق

14