محنة سليم الجبوري مع (ربعه) وتعاطيه مع الآخرين

الخميس 2014/09/04

ليس دفاعا عن رئيس مجلس النواب سليم الجبوري وآرائه ومواقفه وأخطائه (لا توجد نجاحات له إلى حد الآن يمكن الإشارة إليها أو الدفاع عنها)، فنحن أول من حذره ونصحه بالابتعاد عن موقعه الجديد، بعد أن فرغّه محمود المشهداني وإياد السامرائي وأسامة النجيفي من أبسط مقوماته الشكلية، وحولوه إلى مقهى (طرف) لشرب الشاي والقهوة والثرثرة، والطرف هنا هو حي أو مدينة المنطقة الخضراء (العتيدة).

ومما قلناه للجبوري وهو يستعد لخوض “عركة” وليست معركة رئاسة مجلس النواب، وكان يومها نوري المالكي يستعرض عضلاته ويهدد من يقف في وجه ترشيحه لولاية ثالثة بالويل والثبور وعظائم الأمور، أن الظروف التي يمر بها العراق في ظل نظام المحاصصة الطائفية وقبول المشاركين في العملية السياسية بشروطه ومواصفاته، تستدعي أن يكون ممثل (المكون السني)، هكذا كما اصطلح عليه، ندا لنظيريه ممثل (المكون الكردي) رئيس الجمهورية الذي يتمسك بقوميته الكردية ويشدد عليها بمناسبة وغير مناسبة، وممثل (المكون الشيعي) رئيس الحكومة الذي يتهم جميع السنة العرب بأنهم من أنصار يزيد، ويتوعدهم ببحار من الدم، وأضاف إليهم لاحقا تهمة (الداعشية) رغم أنهم أكثر المتضررين منها.

وسليم الجبوري رغم أنه كادر إخواني وقيادي في الحزب الإسلامي، لا يحمل روحا طائفية ويتجنب سلوك دروبها والسير في شعابها، فهو شاب هادئ الأعصاب ومهذب وأبرد من (حمل السقاء) الذي كان يحمل المياه من النهر وينقلها إلى بيوت الناس قبل ظهور مشاريع ودوائر إسالة الماء، ومثل هكذا سمات لا تنفع حقيقة مع المالكي أو الجعفري أو هادي العامري، أو حتى مع حيدر العبادي، ولا تستقيم أيضا مع مناهج طالباني أو معصوم أو برهم صالح، فهو غير صدامي (من الصّدام)، وهذه ميزة ليست لصالحه في خضم تداعيات المشهد السياسي وارتباكاته، وهو أيضا صاحب نفس طويل وبال أطول، ومثل هذه الأخلاق لا تنسجم مع (شركاء) في العملية السياسية- هكذا يسمون-، بضاعتاهم الطائفية والعرقية تتقدمان على كل شأن أو أمر أو حال، وهذا ما شهد به وعليه العالم منذ أحد عشر عاما، واستنادا إلى كل ذلك فإنني شخصيا قلت له بالحرف الواحد وهو يتصل بي هاتفيا ويبرر سكوته على تصريحات ياسين مجيد لمّح فيها إلى أن المالكي يدعمه ضد أسامة النجيفي للوصول إلى رئاسة البرلمان، إنني أشفق عليه وهو يواجه مافيات من الطرف الأخر، وحيتانا من ربعه وجماعته، أعرف سلفا أنه لا يقدر على مواجهتهم.

وصار واضحا أن سليم الجبوري، لم يكن يفكر في تولي رئاسة مجلس النواب، وإنما دُفع إليها دفعا، ولم يعد سرا أن من شجعه أو حرضه (لا فرق) على منافسة أسامة النجيفي والانتصار عليه، هو زميلنا الإعلامي سعد البزاز الذي وضع جميع إمكانيات وعدسات وبرامج وأخبار قنواته الفضائية، من الشرقية إلى الغربية إلى الموصل، في خدمته، ويقال وهو صحيح جدا إن البزاز نجح في تصفية حساباته السياسية القديمة والجديدة مع ابني مدينته الأخوين النجيفيين (أسامة وأثيل)، عندما دحرج الأول من منصبه، وهمّش الثاني في وظيفته، ورد لهما الصاع صاعين عندما تعاون الاثنان في رفض ترشيحه إلى وزارة الخارجية عقب انتخابات 2010، رغم أن زعيم القائمة العراقية إياد علاوي وعرّابها، يومذاك، خميس الخنجر دعما مسعاه، إضافة إلى موافقة عدد من أقطابها، وقتئذ، في مقدمتهم صالح المطلك وجمال الكربولي ورافع العيساوي.

من هنا فإن سليم الجبوري، شاء أم أبى، سيظل مدينا للبزاز، ومنفذا لأجندته ورغباته قدر استطاعته، وسعد لمن لا يعرفه ليس من النوع البسيط في تعاطيه السياسي وحتى المهني الإعلامي، وهو أيضا ليس رئيس جمعية خيرية أو صاحب قنوات فضائية لـ”الفرفشة” والمتعة البريئة.

ومما زاد في ارتباك سليم الجبوري أن اتحاد القوى الذي يتزعمه، يضم حشدا من النواب ورؤساء الكتل كل واحد منهم يريد التهام الكعكة أو الجزء الأكبر منها، وهذه محنة، لا يستطيع الجبوري مهما بلغ من الصبر والهدوء الفكاك منها، وللمعلومات أيضا فإن اسم الكتلة من اختراع البزاز نفسه، وكان تفسيره أن مفردة (الاتحاد) أكبر وأوسع من كلمة (متحدون) برئاسة أسامة النجيفي ورافع العيساوي، فالأولى تعني أن الاتحاد قوة، بينما تعطي الثانية انطباعا بأن عددا من الأشخاص تآلفوا في ما بينهم، وباتوا متحدين.

وقد وقع الجبوري وهو (يكافح) في تثبيت موقعه الجديد تحت ضغوط أربعة اطراف في كتلته، كل طرف يسعى لتأمين مصالحه، طرف يمثله (عراب) اتحاد القوى سعد البزاز الذي يتمنى على سليم أن يقدم وجوها جديدة غير (محروقة) بالفشل والفساد سابقا، وطرف تمثله (متحدون) وأقطابها أسامة النجيفي ورافع العيساوي وسلمان الجميلي وظافر العاني، وهم يسعون إلى البقاء في دائرة الأضواء بلا استبعاد أو تهميش، وطرف يمثله جمال الكربولي صاحب أكبر عدد من النواب في الاتحاد الذي يريد حصة تناسب حجم كتلة (الحل) التي يتزعمها، وطرف (الطامعين) في الوزارات وأبرزهم (جبوريان) أحمد الجبوري، محافظ صلاح الدين السابق، الذي يتطلع إلى تولي وزارة الدفاع، وقتيبة الجبوري، النائب عن المحافظة ذاتها، الذي يطمح في إشغال وزارة الصحة، حتى وصل الأمر بهما إلى الاعتداء بالشد والجذب على النائب السابق سلمان الجميلي في اجتماع بمنزل سليم الجبوري، لأن الجميلي اعترض على تولي ثلاثة جبوريين مواقع سيادية ووزارية بينما عشيرة (جميلة) لا موقع لها!

من جانبها فإن السفارة الأميركية في بغداد لها شروط واشتراطات على سليم الجبوري في ترشيح وزراء (المكون السني) إلى حكومة العبادي الموعودة، وينقل عنه في آخر زيارة له للعاصمة الأردنية، أن نائب الرئيس الأميركي جو بايدن حذره من تقديم مرشحين غير مؤثرين في مناطقهم ومحافظاتهم السنية أو (مقطوعين) عن بيئاتهم، وهذه محنة أخرى يعيشها الجبوري الذي يدرك، تماما، أن أكبر رأس في كتلته لا يستطيع الذهاب إلى بيته أو منطقته بعد أحداث التاسع من يونيو الماضي، خوفا من داعش وجرافاتها التي لا تفرق بين الصالح والطالح.

ولا ننسى هنا أن سليم الجبوري قيادي في الحزب الإسلامي، وهذا يعني أن لحزبه اهتمامات ورغبات لابد من الاستجابة لها أو التعاطي معها إيجابيا، وربما تتقاطع هذه الاهتمامات والرغبات، أو تتعارض، مع توجهات الطرف الشيعي أو مطالبات الطرف الأميركي، وأيضا قد لا تتوافق مع طروحات الأطراف الداخلة في كتلته، وهذه محنة أخرى تضاف إلى محنه السابقة.

ولأن هناك رغبة أميركية معلنة، سواء كانت مسرحية أو أنها لتصحيح مسار العملية السياسية العرجاء، أو لحشد السنة العرب في مواجهة داعش مستقبلا، بضرورة إشراك ممثلين حقيقيين للمكون السني في الحكومة الجديدة، فإن من الصعب على سليم الجبوري أن يُوفّق في اختيار هؤلاء (الممثلين الحقيقيين) ليس لأنهم غير موجودين، وإنما لأنهم ما زالوا على مواقفهم الثابتة في رفض العملية السياسية السائدة وما تفرع أو يتفرع عنها، ونقصد بهؤلاء فصائل المقاومة وقوى المعارضة وحزب البعث وهيئة علماء المسلمين والعلامة عبدالملك السعدي وقيادات عشائرية ومناطقية أخرى.

ومشكلة هذه الأطراف أنها متفقة على رفض العملية السياسية وعدم التعامل معها، ولكنها مختلفة ومتنازعة في ما بينها على كثير من المبادئ والأهداف، فمثلا يطالب الشيخ علي حاتم السليمان وناجح الميزان، وهما أبرز قادة الحراك الشعبي (المغدور) في الأنبار وسامراء، بإقامة الأقاليم بينما يرفض حزب البعث والضاري والسعدي وبعض فصائل المقاومة هذه الفكرة من أساسها، وتتهم هذه الأطراف السليمان والميزان وهما من ائتلاف (كرامة) الذي يقوده رجل الأعمال المعروف وممول القائمة العراقية السابق خميس الخنجر، بأنهما يعارضان العملية السياسية الحالية ويدعوان إلى الإقليم السني، ليس من منطلقات وطنية وإنما لاعتبارات مالية وتجارية ومناطقية، ومن المفارقات أيضا أن حزب سليم الجبوري (الإسلامي) يدعم قضية الأقاليم، ولكنه، في الوقت نفسه، يقف ضد دعوات الأقلمة، التي ينادي بها خميس الخنجر ومساعداه الشيخ علي الحاتم والميزان، ويستخف بها.

وهكذا وفي ضوء ما عرضناه فإن ممثل المكون السني في العملية السياسية سليم الجبوري، وهذه صفته الرسمية، يكاد يكون الوحيد بين ممثلي المكونين الشيعي والكردي حيدر العبادي وفؤاد معصوم الذي يواجه أوقاتا صعبة وظروفا أصعب، وليست له القدرة على التوفيق بين (ربعه) في اتحاد القوى، وبين القيادات والأطراف السنية المعارضة والمقاومة، ولا طاقة على في تلبية شروط التحالف الوطني (الشيعي)، ولا إمكانية عنده على رفض الإملاءات الأميركية، وبالتالي فإنه يعيش محنة بل محنا اجتمعت عليه مرة واحدة، كانت مقدماتها نوبة قلبية أصيب بها الأسبوع الماضي- لم يعلن عنها- وأمكن السيطرة عليها، والآتي أخطر.


كاتب سياسي عراقي

8