محنة مثقفي اليسار في تونس أشبه بمحنة البرامكة مع هارون الرشيد

"ماذا فعلت بشبابك؟".. سؤال جلبار نقاش الذي لم يطرحه على نفسه.
الخميس 2021/04/29
رمز ثقافي تونسي خالد

لم تعرف تونس مناضلا وطنيا ومثقفا لا يولي للانتماء الديني أهمية على انتمائه الوطني مثل الكاتب والمفكر التونسي اليهودي جلبار نقاش الذي فقدته تونس مؤخرا. لكنه خلّد ما عاشه ورآه من أهوال الاستبداد في كتاب شهير عند التونسيين عنوانه "كريستال". ونعود إلى هذا المناضل والمثقف اليساري بعد أن استثار فيديو له محبيه وهو يغني واحدة من أشهر أغاني السجون الشعبية في تونس.

 تداول تونسيون، أغلبهم من المهتمين بالشأن الثقافي، فيديو نادر يظهر فيه المناضل اليساري التونسي جلبار نقاش (1939 ـ 2020)، الذي يحلو لمحبيه تلقيبه بـ“الجد”، وهو يغني ويعزف على البيانو واحدة من أشهر الأغاني الشعبية، وأرق ما قُدّم في أدب السجون على آلتي الطبلة والمزود (آلة نفخية تشبه القربة)، وكان قد غناها الفنان الشعبي صالح الفرزيط، من خلف القضبان، حين طالت به أيام السجن.

كان الفرزيط (وتعني بالتونسي الصرصار المغني) نزيلا مع جلبار في نفس ذلك المعتقل الرهيب المعروف بـ“الزندالي” في سبعينات القرن الماضي (وهو نفس الاسم الذي أطلق على الموسيقى الشعبية التي أنتجت داخله) مع فارق يبدو غير ذي أهمية في تفكير شيخ المناضلين السياسيين التونسيين وقيدوم المثقفين اليساريين، وهو أن “الفرزيط” من سجناء الحق العام أي أنه محكوم بقضية جنائية، أما جلبار فسجين رأي.

محنة اليسار

تقول كلمات الأغنية التي لا يزال التونسيون يغنّونها في أفراحهم، وبشجن كبير مخاطبة الأم “اِرضي علينا يا الأمّيمة رانا مضامين.. نستنى في العفو يجينا عام ستة وسبعين”.

نعم، فالعفو الذي كان ينتظره جميع السجناء، وعلى مختلف قضاياهم المدنية والسياسية، يصدر عادة على شكل مرسوم رئاسي في الأعياد والمناسبات الوطنية، أي أنه يشمل سجين الرأي وسجين الحق العام، كما أن “رضاء الأم” أمر يرجوه السجين المثقف كما يرجوه السجين العادي.

الأبعد من ذلك كله، هو أن المثقفين اليساريين والعلمانيين في ذلك المعتقل الرهيب، كانوا يصومون رمضان تعاطفا مع عامة المساجين وسعيا لكسب ودّهم فيما يُعرف بالسلوك الذي ينبغي أن يكون عليه “المثقف العضوي” وفق مفهوم المنظّر اليساري الإيطالي أنطونيو غرامشي.

وكانت السلطات التونسية قد اعتقلت جلبار نقاش في سبتمبر 1968 وحكمت عليه بـ14 سنة سجنا لنشاطاته السياسية مع حركة “آفاق” اليسارية المعارضة، وتعرض لشتى أنواع التعذيب، إلى أن أفرج عنه بعد 10 سنوات، وبقي بعدها تحت الإقامة الجبرية والمراقبة الإدارية، وذلك في أبشع أنواع الظلم الذي سلطه نظام بورقيبة على مناضلي اليسار الذين تشتّت شملهم، مما سمح بعدها للتيارات الإسلامية بالبروز والنشاط العلني، ظنا من مستشاري بورقيبة أنهم بذلك سوف “يعدّلون الكفّةّ” نحو التوازن السياسي والاجتماعي.

المثقفون اليساريون والعلمانيون في تونس كانوا مثالا على "المثقف العضوي" في سلوكهم مع غيرهم خارج المعتقلات وداخلها

بعد تحصيله التعليمي ونهله من منابع الفكر اليساري الفرنسي، ومرافقته لأهم رموزه في مقاهي ومنتديات باريس، عاد جلبار إلى بلده الأم ليعمل كمهندس زراعي وأيضا كخبير في منظمة “الفاو” بين عامي 1962 و1967، لكن الأهم من ذلك أنه انضم إلى “مجموعة الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس” المعروفة بحركة “برسبكتيف”، وتعني بالعربية “آفاق”. وكان قد أسس هذه الحركة التي أنجبت خيرة الكتاب والفنانين، جمع من الطلبة والمثقفين التونسيين في باريس سنة 1963 وتضم تيارات فكرية ماركسية وقومية متنوعة.

عمل نقاش ورفاقه في ظروف معتّمة اتسمت بالانغلاق السياسي والتشدد الأمني، خاصة بعد حظر عمل الحزب الشيوعي التونسي، وملاحقة مناصري الزعيم المعارض لسياسة الحبيب بورقيبة، صالح بن يوسف، والذي اغتيل في فرانكفورت صيف عام 1963.

بعد هذه المحنة التي حلت باليسار التونسي ورموزه الثقافية والفكرية، وشبهها نقاد ومراقبون بـ“محنة البرامكة مع هارون الرشيد”، في مقاربة لتنكيل الرشيد وبورقيبة بجماعة آزروا مشروع كل منهما السياسي.. مع بعض النقد والكثير من الطموح الثقافي.

اختار جلبار نقاش فرنسا كمنفى اختياري، ولم يفكر في دولة إسرائيل كوجهة محتمة للكثير من اليهود في البلاد العربية، خصوصا فترة ما بعد حرب الأيام الستة عام 1967.

كان نقاش “تونسيا جدا” وأحب البلاد التي تمتد فيها جذوره بل وذاق الأمرّين في سبيل حبها، حتى أنه دائم الإصرار على تونسيته في الملبس والمأكل والمشرب، ويحييه التونسيون بكبارهم وصغارهم وينادونه بـ“الجد” أو “عم جلبار” بعد عودته من فرنسا إثر الثورة التونسية سنة 2011.

الشباب والسجن

تمسك نقاش بحلمه اليساري ووطنيته التي لم يحد عنها لصالح أي نزعة دينية أو فئوية، شأنه في ذلك شأن رفاقه وأبناء الديانة التي نشأ عليها من أمثال سيرج وجورج عدّة وبقية اليهود التونسيين العلمانيين الذين يفرقون كثيرا بين الانتماء الديني والانتماء الوطني والفكري.

مثل نقاش، في أول جلسة استماع نظمتها “هيئة الحقيقة والكرامة” في 16 نوفمبر 2016 وتحدث فيها عن شتى أنواع التعذيب والمضايقات التي تعرض لها أثناء نظامي بورقيبة وبن علي.

لم يغب الرجل الثمانيني ذو الابتسامة الدائمة رغم الجراح، واللكنة التونسية المطبوعة بعد سنوات الغربة واعتياده على الكتابة بالفرنسية، كمنفى لغوي وقسري أمام جمع من رفاقه المثقفين الذين كان قسم كبير منهم يكتب بالعامية التونسية، الأمر الذي فهمه العروبيون آنذاك، بأنه تنكّر للدولة القومية رغم أن حركة “آفاق” اليسارية كانت تحوي بعثيين وناصريين.

جلبار نقاش لم يجد من ورق يسكب عليه أوجاعه سوى ورق سجائر الماركة التونسية المعروفة بـ"كريستال"

كان نقاش متحمسا لكل ما من شأنه أن يحصّن البلاد ضد الظلم والتشدد وانتهاك المال العام، الأمر الذي جعله يساند عند عودته “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي” رغم انتقاده لسير أعمالها في ما بعد، ويعارض الزعيم الإخواني راشد الغنوشي وحكومة الإسلاميين، وذلك بنفس السوية التي انتقد فيها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، ولامه على تحالفه مع الإسلاميين، كما كان للنقاش رأي حاسم في قانون “تحصين الثورة”، ورأى أن الأمور يجب أن تدار في إطار العدالة الانتقالية، وهو الرجل الذي عانى عذابات السجون والمعتقلات لسنوات عديدة.

من نزل في معتقل وسجن “الزندالي” ثم “برج الرومي” التونسيين، لا يمكن له أن يتخيّل بعدها، أنه سوف ينعم بالحياة مرة ثانية، وأنه سوف يعيش ليروي هول ما عاشه لأبناء بلاده والأحفاد.

لم يجد جلبار نقاش من ورق يسكب عليه أوجاعه سوى ورق سجائر الماركة التونسية المعروفة بـ“كريستال”، وتعني هذه الكلمة في ما تعنيه، الشفافية والصلابة. نعم، هاتان العبارتان هما سر صمود هذا الرجل الخارق في وجه كلمة النطق بالحكم: 14 سنة سجنا مع الأشغال الشاقة.

رفعت الجلسة وسيق نقاش مع رفاقه إلى أبشع معتقل تعرفه البلاد التونسية، حيث تتجوّل العقارب بين أقدام السجناء الذين يحاصرهم العطش، وتكويهم حرارة شمس لا يرونها إلا من خلال شق صغير في شباك زنزانة.

كتب نقاش في كتابه “كريستال” الذي جمع أوراقه وهرّبها من سجنه عند خروجه في سبعينات القرن الماضي “لقد مرّت علينا حتّى الآن ثلاث سنوات، كانت معظم أيامها كئيبة”.

ويتابع هذا المثقف الاستثنائي في كتابه “كريستال”، “تَعيش في عزلة، دون كُتب، تُشاهد أشعة الشمس تتسلّل عبر النافذة المرتفعة جدا وهي تسلك مسارها، فتقع أولا على حصير الحلفاء المُلقى على الأرض والذي تُطلق عليه في السجن تسمية “بيّاص”.

يذهب نقاش بعيدا في حالات التأمل التي تسمح بها وحشة الصحراء وعتمة السجن، فيركن إلى تفاصيل يتأملها بدقة، ولا تخطر على بال إنسان عادي فيروي في كتابه الأعجوبة، وبلغة أقرب إلى السينما “تُشاهد أحيانا حُبيْبات الغبار تتراقص في شعاع الشمس. ومن المدهش، أنّكَ تستعيد ردود فعل الطفل الذي كُنته، فالغبار منتشر في كل مكان من الغرفة، وأنت تتنفّسه باستمرار، ولكنّك لا تراه إلاّ عندما يمرّ عبر الأشعّة التي تتسلّل عبر النافذة”.

وكما قال محمود درويش، في وصف حالات السأم بقوله “نفعل ما يفعل السجناء والعاطلون عن العمل.. نربّي الأمل” فإن نقاش، يوغل في هذه العوالم العبثية حتى يلامس التجريد التشكيلي بقوله “تلهو لبضع دقائق أو لبضع ساعات، بتوجيه دخان سيجارتك نحو شعاع الشمس، والنظر إلى الدوّامات التي يُحدثها وتسعى إلى فكّ تلك الأشكال، ومحاولة خلق أشكال أخرى…”.

علينا أن نتذكر بأن جلبار له كتاب اعترافات آخر تحت عنوان “ماذا فعلت بشبابك”. فماذا فعلت بشبابك يا جلبار، ألم تندم؟ ألم تراجع ما ذهبت إليه وتعيد تقييمه.. هل يستحق الحلم كل هذه التضحيات أيها “التونسي جدا”.. علما أن عنوان الكتاب هو خبري النزعة وليس استفهاميا أو استنكاريا.

15