محن غير قابلة للتسويق

الاثنين 2016/04/04

من نافلة القول إنّ اللجوء إلى تضخيم صورة المحنة وتسويقها، كما تفعل بعض المجموعات السياسية والجماعات الدينية، سلوك سهل وأسلوب مبتذل؛ فهو لا يتطلب ميزة ولا مزية، لا يستدعي دربة ولا دراية، لا يشترط سوى إفراغ القلب من الشهامة، وإخلاء النفس من المروءة، والتفرّغ الكامل للبكائيات والنواحيات. لا شك أن هذا الأسلوب تتقنه بعض الفضائيات العربية ووسائل الإعلام الدعائية بنحو يبعث القرف في بعض الأحيان.

ثمة مسألة جديرة بالرّصد والتحليل، لعل المحافظين والأصوليين داخل معظم المجتمعات هم أكثر الناس قدرة على استثمار المحنة لغاية إثارة الانفعالات وتجييش نفوس الناس، ومن ثمة التحكم أحيانا في بعض مآلات التاريخ. وليس هناك ما يدعو إلى الاستغراب إذا علمنا بأنّ الإنسان المحافظ لا يكون محافظا إلا بالقدر الذي يكون فيه كائنا انفعاليا يتقافز مع الغوغاء، حتى وإن كان في عمقه يمقت الناس البسطاء الطيبين. وهذه هي الحقيقة المكتومة في كل الأحوال. ينطبق هذا الاستنتاج على كل خطباء الجموع والمنابر التهييجية بلا استثناء. والواقع، أن ثمة من يملك قدرات عالية على الاستثمار السياسي للمحن في سبيل الدعاية والتحريض، وبالفعل، هناك محن معروفة تم تضخيمها واستثمارها بنحو غوغائي مذهل لغاية التأثير الانفعالي على مسار التاريخ ومجرى الأحداث، على طريقة قميص عثمان، ودم الحسين، وما شابه ذلك. غير أنّ الكلفة تكون باهظة في الحساب الأخير.

تصدقُ تلك المعادلة على عدد من طوائف الشيعة منذ مقتل الحسين وظهور مجالس العزاء الحسيني، وتصدقُ على عدد من الطوائف المسيحية منذ صلب المسيح وظهور ما يسمى بمبحث الشهادة (مارتيرولوجيا)، وتصدق كذلك على بعض طوائف اليهود منذ المحرقة (الهولوكوست)، لكنها تصدق أيضا على غير قليل من طوائف عالمنا السني. وهذا ما ننوي مناقشته عملا بمبدأ أن النقد مثل الصدقة في الأقربين أَوْلى.

الأمثلة كثيرة ويصعب حصرها، لكن إذا تفحصنا تراثنا القديم يمكننا القول إن هناك مثالا واضحا: ثمة الكثير من البكاء حول ما يسمى بـ”محنة ابن حنبل”، وهي المحنة التي تتخذ لها شعارا مضخما تحت مسمى “محنة خلق القرآن” (هكذا!)، غير أن الحس السليم يضعنا أمام أسئلة واضحة من قبيل: أين ذاك من محنة السهروردي المقتول غدرا وتنكيلا؟ أين ذاك من محنة الحلاج المصلوب ثلاثة أيام قبل حرقه؟ أين ذاك من محنة ابن المقفع الذي أخذ جلادوه في تقطيع لحمه وشيه أمام عينيه وهو يحتضر وينظر ويشم رائحة لحمه يشوى؟ أين ذاك من محنة الجعد بن درهم الذي ذبحه والي الكوفة في المسجد عقب صلاة عيد الأضحى بعد أن قال للمصلين اذهبوا وضحوا تقبل الله أضحياتكم أما أنا فإني مضح بالجعد بن درهم؟ أين ذاك من محنة غيلان الدمشقي الذي صلبه الخليفة على أحد أبواب دمشق بعد أن قطع أطرافه؟ أين ذاك من محنة ابن أبي بكر الصديق الذي وضعوه في جلد حمار وأحرقوه؟ أين كل ذلك من الإعدام الوحشي الذي تعرض له صحابة وتابعون مشهورون أمثال حجر بن عديّ وسعيد بن جُبير على يد مسلمين عقائديين لا تعرف قلوبهم إلا القسوة؟ بكل تأكيد، أمام محن كل هؤلاء من المغدورين، ستبدو “محنة” ابن حنبل الذي جُلد لأيام معدودة كأنها لا شيء.. كأنها لا شيء على الإطلاق.

رغم كل هذا ارتبطت كلمة المحنة في تراثنا الديني الفقهي الرسمي بابن حنبل ولم ترتبط بأي واحد من أولئك الذين لاقوا من صنوف التعذيب الهمجي والإعدام الوحشي ما لا يخطر على بال ولا يتصوره خيال. لذلك، طبيعي أن يستبد بنا السؤال، ما سبب هذا الإجحاف؟ السبب، بكل بساطة، أن جلاد أولئك “المغدورين” ينتمي إلى التيار الرّسمي لأهل السنة والجماعة، وقد تم إعدامهم بفتاوى أصدرها فقهاء المذهب الرّسمي. أما في حالة ابن حنبل، فلمجرّد أن جلاده لا ينتمي إلى التيار الرسمي لأهل السنة والجماعة، بل المعتزلة، فقد تم تسويق القضية كمحنة كبرى في تاريخ الإسلام، لا محنة قبلها ولا محنة بعدها. وعلى هذا الأساس بوسعنا القياس: أعدم سيد قطب في مصر، وأعدم المصلح الديني محمود محمد طه في السودان، ودون أن نذكر شهامة الشهيد طه وهو يتقدم بشموخ نحو حبل المشنقة، وهذا فارق أخلاقي كبير، فالفارق الأهم بالنسبة إلى الحسابات السياسوية أن قطب أعدمه نظام ناصري لذلك تصلح محنته للتسويق! وأما طه فقد أعدمه نظام إسلامي بإشراف وزير العدل، ساعتها، شيخ الإخوان حسن الترابي، ولذلك لا تصلح محنته للتسويق! واليوم، إذ يسقط يوميا العشرات من المسلمين على يد تنظيم الدولة والقاعدة وبوكو حرام، وهي مآس ومحن تدمي القلب وتفلق الحجر، لكن من سوء حظ الضحايا أن محنهم غير قابلة للتسويق طالما أن المعتدين يقدمون أنفسهم كوارثين للموروث الديني الرّسمي نفسه.. وما بدّلوا تبديلا.

كاتب مغربي

9