محور أنقرة - الدوحة والمشهد الأردني

الملك الراحل الحسين بن طلال استطاع أن يصنع لبلاده دورا سياسيا وازنا، لكن الأمور تغيّرت على المستوى الجيوسياسي ولم تعد السياسات المحلية ذات تأثير ملموس على مسارات الدول وتعزيز الاستقلال الناجز.
الخميس 2021/02/25
واقع متغيّر فرض توازنات جديدة

في منتصف ستينات القرن الماضي، ومن خلفية عمله السابق كمدرس استراتيجيا في الكلية العسكرية الملكية المصرية؛ قدّم جمال عبدالناصر وصفا لحركة الأردن السياسية، أو بالأحرى حركة مليكها الراحل الحسين بن طلال، فقال، باللهجة المصرية، ما معناه إن العاهل الأردني يشبه راكب الدراجة الهوائية، الذي إن لم يحرّك دواستيها ويندفع بها إلى أي وجهة، فإنه سيقع. ذلك لأن الدراجة الهوائية لا تتيح لراكبها أن يتوقف، ولكي لا يقع، يتعيّن عليه أن يندفع في أي اتجاه متاح!

هذا الوصف، سواء جاء على لسان قائله، أو أفاض في شرحه المحللون، يستند إلى حقائق اقتصادية وجغرافية، لاسيما وأن الأردن، كدولة، قد نشأ أصلا في سياق الرؤية البريطانية لمنظومة الكيانات في المنطقة، وكانت ولادته كدولة عسيرة بحكم الصلف البريطاني الذي كان يشترط على النُخب العربية، في خضم عملية تأسيس الكيانات، إذ كانت للندن اعتراضاتها الكثيرة على عبدالله بن الحسين بن علي، على الرغم من كونه رجلا ظل يُمحّضها الولاء.

كانت المملكة الأردنية، منذ تحققها، موصولة بمراكز الثروة العربية، وتتناوب على محاولات الاندماج بها بحكم كونها بلا موارد تغطي أكلاف حياتها. من جانب آخر، ظل عين الحكم فيها متعلقا بأمل العودة إلى حكم سوريا، استطرادا لتجربة فيصل بن الحسين بن علي، الذي أطاح به الفرنسيون عن حكمها قبل أن يُتوّج ملكا على العراق. وبعد التتويج على العراق، واقتراب الحكم في الأردن من الاستقلال كمملكة، يمّمت عمّان وجهها إلى العراق الزاخر بالموارد، وحافظت على ما تبقى من هوامش العون من الغرب، لكي تتقدم، وإن كان ببطء، في عملية التنمية التي ساعد الفلسطينيون بعد النكبة على حث خطاها، ثم توالت الكوارث التي حاقت بدول أخرى على رفد الكيان الأردني على مر العقود، برؤوس أموال الفارين من حمم الحروب.

وفي كل الأحوال، ظل الأردن في حاجة إلى العون، واستطاع الملك الراحل الحسين بن طلال أن يصنع لبلاده دورا سياسيا وازنا يساعد على جلب المعونة. لكن الأمور في العقود الثلاثة الأخيرة تغيّرت على المستوى الجيوسياسي ولم تعد السياسات المحلية ذات تأثير ملموس على مستوى التحكم في مسارات الدول وتعزيز الاستقلال الناجز. وكانت المحاولة الأخيرة للعاهل الأردني الراحل الحسين بن طلال لتأمين حياة اقتصادية مستقرة لبلاده، تقتضي ربط مصير الأردن بعراق صدام حسين في رد فعل طبيعي على ما تعرضت له عمّان من تجاذبات بين الميسورين. فكل منهم يشترط ويريد الأردن إلى جانبه.

لذا وقف الملك الحسين بقوة إلى جانب العراق في حربه مع إيران، وبالغ في ذلك وحرص على ارتداء زيّه العسكري في زياراته إلى بغداد، وتصوير لقطات يتفقد فيها مدفعا ثقيلا ويطلق النار.

وعندما حلّت كارثة حرب الخليج الثانية، كانت محاولة عمان ترميم العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي شاقة ومضنية، وحتى بعد الترميم الشكلي أو الدبلوماسي، ظلت الأعطيات شحيحة في غالبيتها، بينما الأردن لا يزال في حاجة إلى العون. وكان نظام صدام حسين بعد حصاره وقبل إطاحته، يخصّ الأردن بالمعونة التي يستطيعها أثناء الحصار، وهو توريد البترول إلى الأردن بأسعار مخففة، لكي يستفيد ماليا من الصادرات. لكن ذلك لم يكن يكفي. وبعد إطاحة صدام حسين، بدأ راكب الدراجة يفتش عن وجهة جديدة، لكي لا يقع!

في هذا السياق يمكن الإشارة إلى الكثير من التفصيلات، غير أن المنحى العام بدا معبّرا عن رغبة الأردن في إحراز حليف مقتدر ودائم. وأسلم الرجل الروح بعد أن أوصى ابنه، ومن قبل ابنه أوصى وليّ عهده السابق، شقيقه الحسن بن طلال، بأن يحافظ على الود مع “الكرماء” في الخليج، وجاء ذلك في رسائل منشورة!

بعدئذ جاءت موجة التسوية في المنطقة، وانتظر الحسين الفلسطينيين لكي يدخل بكل ثقله في مشروعها. ولما تم اتفاق “أوسلو” لإعلان مبادئ التسوية، وكان حزب العمل هو الذي يحكم، لعب الرجل دورا مساندا لذلك المسار، ووثق علاقته بإسرائيل، وأبرم معها “اتفاق وادي عربة” ولم يكن يتوقع أن إسرائيل نفسها ستشهد تغيرات جذرية، وأن الطيف اليميني المتطرف سيصعد إلى الحكم وسينقلب على التسوية وعلى التزامات الدولة، فعاد الأردن إلى الحال الأولى، واضطرت الدراجة إلى البحث عن وجهة جديدة.

في هذا المشهد، وبحكم بعض الاختلاف في السياسات على مستوى دول الوفرة في الخليج، وجد الأردن نفسه في ضائقة لا يخفف منها النذر اليسير من المساعدات، علما وأن الأردن يمكن أن يوفر بيئة استثمارية في بلاده، لا يوفرها العديد من الدول الأفريقية. ولما انتكست العلاقة مع إسرائيل واستشعرت كل دول الخليج صعوبة احتواء الأردن المتقاطع مع اتجاهات كثيرة، والمتحسب من عوامل كثيرة، كالرأي العام في البلاد وصعوبة تبني سياسات راضخة من شأنها إثارة الغضب الشعبي؛ وجدت عمان نفسها مضطرة إلى قياس الأمور بميزان الذهب، وقد كلفها ذلك صدود الأشقاء عن طلب العون المُجزي.

وهنا، جاء مؤخرا دور محور قطر وتركيا، الناشطتين في البحث عن نقاط ارتكاز، بصرف النظر عن أماكنها والمساعدين على إحرازها ومواقفهم السابقة من الدوحة وأنقرة. فقد كانت الحكومة الأردنية قد استهدفت الحلقة الأردنية من تنظيم “الإخوان” ودفعت إلى شقها وتهميشها، وهي إحدى أهم الحلقات في الإقليم. وقد ظنت أنها بذلك، تستحث العون من الآخرين. وحدها مصر التي ساعدت على استمرار العلاقة الوثقى مع الأردن، لكن مصر ليست قادرة على الدعم المادي وأعطياته. وفي هذه الحال، وجدت الدوحة وأنقرة الفرصة مواتية، لن تؤدي المصالحة الخليجية إلى صرف النظر عنها، لأن كل صيغ المصالحات لا تشمل تخلي الأطراف عن نقاط ارتكازها.

ولعلّ القطريين والأتراك قرأوا المشهد الأردني جيدا، وعلموا أن الرأي العام فيه لديه الكثير من أسباب النقمة على السياسات التي طالت بلادهم. وهنا يكمن أحد أهم المحفزات على انتهاز الفرصة.

8