محور بلاد الفرس أوطاني

الثلاثاء 2015/04/07

دلني الكاتب المعروف، إياد أبو شقرا، على وسم (هاشتاغ) محور بلاد الفرس أوطاني على منصة تويتر. وفيما بدا أن تلك نكتة أطلقها بعض المؤيدين لعاصفة الحزم إلا أنها أصابت كبد الحقيقة. حقيقة موالاة الفرس من بعض العرب الذين يوفرون لهم الأدوات والمشارط في غرف العمليات السياسية والعسكرية التي يديرونها في أكثر من بلد عربي، من بغداد إلى صنعاء.

تتصاعد هذه النكتة السوداء لتصل حدها الأعلى في نظم أبيات على غرار تلك الأنشودة المعروفة التي نظمها الأستاذ فخري البارودي وتقول كلماتها الخالدة في ذاكرتنا العربية: بلاد العرب أوطاني.. من الشام لبغدان.. ومن نجد.. إلى يمن.. إلى مصر فتطوان.. فلا حدٌّ يباعدنا.. ولا دين يفرقنا.. لسان الضاد يجمعنا.. بقحطان وعدنان.

أنشودة محور بلاد الفرس تقول “بلاد الفرس أوطاني.. من الشام لطهران.. ومن يمنٍ إلى قُمٍّ.. إلى بغداد فلبنان”. وقد تعددت صياغاتها، بعد ذلك، تبعا لتعدد مواقف قادة المحور الفارسي في المنطقة من إبراهيم الجعفري في العراق، إلى حسن نصرالله في لبنان، وعبدالملك الحوثي في اليمن، ومن اشترك في حربهم القذرة ضد كل ما هو عربي ولصالح كل ما هو فارسي.

نصرالله، الذي أصبح منذ سنوات يكذب ويصدق كذبه، وصف العرب، في خطابه الذي تلى قيام عاصفة الحزم، بأنهم تنابلة وكسالى وفاشلين. وهذا يعني أنه استبدل دمه العربي بدم فارسي يجري الآن في شرايينه، إذ لا يمكن أن تصف أمة بكل ذلك وتكون منهم. بلفظ آخر من يسب أمته أو حكامها المتضامنين من أجل إنقاذها من براثن الاستحكام الفارسي، فهو ينزّه نفسه عنهم ويرتقي بها إلى منزلة تستحقها في طهران أو قم. وهي، في مبنى ومعنى خطابه هذا، منزلة لن يصل إليها إلا الكبار العاملين والناشطين والناجحين من أمثاله، ومن اتبعه واتبعهم كافرا بأمته ورافضا الأمل بصحوتها وتضامنها.

لا يُسعد المحسوبين على “محور بلاد الفرس أوطاني” بأي حال من الأحوال أن يروا بصيص أمل عربي في عودة الروح السياسية والعسكرية للعرب. هذا ضد أجندة الفرس وضد المخططات والمؤامرات المتضامنة معهم لقضم العواصم العربية واحدة بعد الأخرى. لذلك هم فزعون من هذا التحرك العربي المفاجئ الذي لم يكن في حسبانهم ولم يخطر لهم على بال، رغم قوة استخباراتهم ونفاذ دسائسهم في كل مكان عربي وصلت إليه اليد الفارسية والأيدي التي تواليها.

هم، أيضا، فارسيون أكثر من الفرس أنفسهم حين يدفعون عن إيران تهمة أطماعها في الوطن العربي، في الوقت الذي يمارس ساسة طهران في كل حين غرور القوة الفارسية ويعلنون على ألسنة مسؤولين حكوميين كبار، على سبيل المثال لا الحصر، أن بغداد هي عاصمة إيران حاليا، وأنه لا مانع لديهم من التفاوض حول الأوضاع في لبنان والبحرين واليمن. على ماذا يتفاوضون إذا لم يكن ذلك اعترافا منهم بالتدخل في هذه البلدان، وأن لهم أطماعا في البلدان العربية التي يحتلونها، أو يحتلون قرارها السياسي، أو يعبثون بجزء من مكونها السكاني الشيعي؟

يراهن هؤلاء “المتأيْرونون” باستمرار على استغباء الشارع العربي الذي تُقَدَّمُ له إيران، في الخطابات والإعلام الفارسي المستعرب، على طبق المقاومة والممانعة والتصدي للمخططات الإسرائيلية التوسعية. وقد نجحوا في ذلك على مدى أكثر من عقدين من الزمان لكون العرب تركوا الساحة خالية للعبث الإيراني الذي تنامى بقوة وعنجهية منذ الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 ودخول الأميركان معهم في مساومات كان ثمنها أحيانا بضائع نفيسة من الوجود والجغرافيا العربية ذاتها، خاصة بعد قيام ما يسمى الربيع العربي وحدوث فوضى عربية عارمة جراء ذلك.

على مستوى المكون الشيعي الشعبي في البلدان العربية حدث، جراء هذا الاستغباء، غسيل مخ أوصل جزءا كبيرا من هذا المكون إلى اليقين بأن لإيران الحق فيما تفعل في بلدانهم وبلدان أخرى بحكم حق الدور الإقليمي وبحكم كونها دولة مسلمة وجارة، فضلا عن كونها الدولة المقاومة الكبرى للصلف الصهيوني في فلسطين. وهذا يعني أن هذا الجزء من المكون الشيعي العربي، الموالي لإيران، أصبح بمثابة “خازوق” محلي يهدد مكونات قوميته العربية ويهدد تماسك دولته الوطنية قبل أي شيء.

وهو، أي هذا المكون الشيعي الشعبي، أخطر على الدول العربية من إيران نفسها التي توظفه كميليشيات، بعد أن تنأى بحدودها ووضعها الداخلي، ليفجر الوضع الداخلي في الدول التي ينشط فيها، مستغلا ارتعاش اليد العربية ومستخدما مشانق ومشاجب الطائفية التي تستفز مقابله السني الحذِر وتدفعه إلى موقع الخصومة، بل والعداء والتقاتل أحيانا كما حدث ويحدث في العراق وفي سوريا.

إيران إذن بهداياها التفجيرية التي ترسلها للدول العربية، ليست جارة مسلمة مسالمة أو لاعبا إقليميا إيجابيا يبحث عن مصالح مشتركة مع الدول العربية لكي تُفتح لها الأبواب ويرحب بها في هذه الدول، وإنما هي شيطان إقليمي أكبر يتدخل تدخلا سافرا في شؤون الدول العربية الداخلية ويؤلب جزءا من شعوب هذه الدول على مواطنيهم وأنظمتهم السياسية. وقد أدى هذا، في كثير من الدول، إلى هدم اللحمة الوطنية وقوّض الاستقرار الذي عاشته شعوب هذه الدول لقرون طويلة قبل قيام ثورة الخميني وما تلاها من نوايا ومشاريع تصدير هذه الثورة إلى الدول المجاورة، وإلى ما هو أبعد من هذه الدول.

هذه هي حقيقة إيران ومشاريعها في الوطن العربي الذي تطوقه أجندتها الآن. وهي، أيضا، أجندة العرب من المحسوبين على المحور الفارسي. وإذا كانت عاصفة الحزم، التي أخذت فيها دول الخليج ودول عربية أخرى زمام المبادرة الذاتية، قد أقلقت الأحلام الفارسية والأحلام العربية المحسوبة عليها، فإنها ليست سوى البداية. ولا بد أن يتواصل الفعل العربي ويؤسس لمشاريع تقوم على استراتيجيتين كبيرتين: استراتيجية بناء الدولة الوطنية التي تستوعب كل أبنائها وتكسب ولاءهم بعد تخليصهم من ربقة النفاق الفارسي، واستراتيجية بناء القوة العسكرية العربية المؤثرة في المنطقة. تلك القوة التي ستحدث توازنا إقليميا مع إيران وتعيد حسابات الشيعية السياسية، المحسوبة عليها، مع العرب ومعها.

كاتب سعودي

8