محور فرنسي خليجي ناشئ يكسر طوق الارتهان للشريك الاستراتيجي الواحد

الشراكة الخليجية الفرنسية المتنامية بسرعة على أرضية من الوفاق السياسي والمصالح الاقتصادية تنحو منحى استراتيجيا لجهة ما هو مطروح في نطاقها من ملفات حيوية، ولما يمكن أن تحدثه من تعديل في ميزان التحالف الخليجي مع الولايات المتحدة.
الخميس 2015/05/07
فتح أبواب الخليج أمام فرنسا لا يعني ضرورة إغلاقها بوجه الولايات المتحدة

الرياض - اعتبر مراقبون حضور الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند القمّة الخليجية التشاورية الأخيرة في الرياض بمثابة إعلان رسمي عن ميلاد محور خليجي فرنسي ذي أهمية استراتيجية للطرفين، حيث يمثّل لباريس إعادة ترسيخ موقعها كلاعب رئيسي في منطقة الشرق الأوسط بعد سنوات من التركيز على الفضاء الأوروبي، فيما يؤشر من جهة مقابلة إلى مسعى جماعي خليجي إلى تجاوز الارتهان لشريك استراتيجي واحد هو الولايات المتحدة، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي بشكل كامل عن تلك الشراكة التي ترسخت عبر عقود من الزمن.

وترافق حضور هولاند القمّة الخليجية مع الإعلان عن صفقة بقيمة تجاوزت 6 مليار يورو تبيع بموجبها فرنسا لقطر طائرات رافال، وأيضا مع حديث وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس عن وجود 20 مشروعا فرنسيا سعوديا مشتركا بقيمة عشرات مليارات اليورو.

ورأى محللّون سياسيون في ذلك تأسيسا للمحور الفرنسي الخليجي على أساس من المصالح الاقتصادية والمنافع المتبادلة، الأمر الذي يحمي علاقة الطرفين من التأثر بالمتغيرات السياسية، إذ يجعل من الصعب على حكومة فرنسية يمينية مثلا يمكن أن تأتي بعد حكومة هولاند الاشتراكية أن تلغي مشاريع بالمليارات أو تعرّض مصالح فرنسا في الخليج للخطر عبر مواقف وسياسات غير ملائمة لبلدان الخليج.

واعتبر هؤلاء اعتماد دول الخليج على قوّتها المالية والاقتصادية في توثيق العلاقة من شركاء استراتيجيين عبر العالم أمرا طبيعيا كون التحالفات الصلبة في عالم اليوم تبنى على المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.

اعتماد دول الخليج على قوتها المالية لبناء تحالفاتها أمر طبيعي لأن التحالفات الصلبة تبنى على المصالح المشتركة

وازدادت أهمية حدث حضور هولاند قمّة الرياض التشاورية، كون القمة سبقت بأيام قمّة ثانية خليجية أميركية من المقرّر أن يحتضنها منتجع كامب ديفيد في ولاية ميرلاند أواسط الشهر الجاري، ما يجعل الحضور الفرنسي البارز في المنطقة الخليجية بمثابة رسالة قوية من بلدان مجلس التعاون لواشنطن بشأن امتلاكها بدائل قوية عن التحالف التقليدي مع الولايات المتّحدة في حال أصرّت الأخيرة على اتباع سياسة لا تخدم مصالح الخليجيين.

وما يعطي المحور الفرنسي الخليجي أهمية استراتيجية كونه ينبني على أرضية من الوفاق بشأن ملف تراه دول الخليج “مصيريا” وهو الملف النووي الإيراني، إضافة إلى ملفات فرعية لا تنفصل عن دور إيران في المنطقة على غرار الملفين السوري واليمني.

ففي الوقت الذي يمثل فيه امتلاك إيران لسلاح نووي –في حال حدوث ذلك- انقلابا في ميزان القوى بالمنطقة ترفضه الدول الخليجية بشكل قطعي وتحاول التصدي له بكل ما تملك من قوّة، لاحت ظلال من الشك والغموض، وحتى التذبذب، على الموقف الأميركي من الملف ذاته، إذ خالفت واشنطن ما تعلنه في خطابها السياسي المعهود من حزم وصرامة إزاء ذلك الملف، ودفعت باتجاه إبرام اتفاق مع إيران، ما تزال بنوده غامضة، وكذلك ضمانات نجاعته في منع إيران من التسلّح نوويا.

وعلى عكس ما تلمسه عواصم الخليج من تساهل أميركي إزاء طهران، تجد في باريس حليفا صلبا في وجه أي مسعى إيراني ممكن نحو الحصول على سلاح نووي، حيث كان لفرنسا كعضو في مجموعة خمسة زائد واحد دور فاعل في التمهل والتدقيق قبل الوصول إلى اتفاق بشأن برنامج إيران النووي.

شراكة واسعة تشمل الاقتصاد والسياسة والأمن

والرئيس الفرنسي هو أول قائد غـربي يحضر قمة خليجية منذ قيام مجلس التعاون عام 1981، ما يعتبر دليلا رمزيا على استثنائية العلاقة الخليجية الفرنسية الناشئة. وتعبيرا عن خصوصية تلك العلاقة وصف الرئيس الفرنسي زيارته الثلاثاء للسعودية والتي حضر خلالها القمة التشاورية الخليجية بأنها “اكتسبت طابعا استثنائيا من كل الجوانب، في ظل الظروف والأحداث التي تمر بها المنطقة حاليا، مشيرا إلى أن المنطقة منذ فترة تشهد نزاعات تزعزع استقرارها وأمنها، كما يحدث في سوريا والعراق وما يحدثه تنظيم داعش والقاعدة من عمليات إرهابية فيهما، بالإضافة إلى ما يحصل حاليا في اليمن، وتدخل الدول التي استجابت لنداء ومناشدة رئيس الجمهورية اليمنية عبدربه منصور هادي نظرا للوضع المأساوي الذي آلت إليه بلاده، وكل ذلك يبرر لأن تكون فرنسا إلى جانب دول المنطقة لضمان أمنها واستقرارها، بالإضافة إلى الإسهام معها في إيجاد حلول بالنسبة لسوريا أو العراق أو اليمن”.

ويُقرَأ في ذكر الرئيس هولاند لمختلف تلك الملفات التي تمثل شواغل رئيسية لبلدان الخليج أنّ شراكة بلاده مع تلك الدول تتجاوز بكثير الطابع الاقتصادي النفعي المباشر إلى شراكة سياسية ذات تأثير ملموس في الجانب الأمني ومردود إيجابي على جهود حفظ استقرار المنطقة.

ويأتي توجّه دول خليجية نحو إنشاء تحالف صلب مع فرنسا في سياق تغييرات أشمل على سياسات تلك الدول في منطقتها وعلى استراتيجيتها في حفظ أمنها واستقرارها والحفاظ على مصالحها. وتنويع الشركاء الدوليين والإقليميين أحد أضلع المعادلة الخليجية الجديدة التي من سماتها الأخرى التعويل على الذات في مواجهة المخاطر والتهديدات والتصدي لها بشكل جماعي، وأخذ زمام المبادرة في التعاطي مع بعض الملفات العاجلة على غرار الملف اليمني الذي يجزم مراقبون بأن المرور إلى الخيار العسكري في معالجته فاجأ الحليف التقليدي للخليجيين الولايات المتحدة بحد ذاتها، واضطرها لمباركة ما أقدم عليه التحالف العربي بقيادة السعودية ودعمه.

3