محور مصر- السعودية- الإمارات

الاثنين 2013/08/19

الأحداث التي تمر بها مصر في الوقت الراهن، يبدو أنها ستكون نواة لظهور محور جديد في المنطقة، يضم مصر والسعودية والإمارات. فمن يقرأ بدقة بيان خادم الحرمين الشريفين يوم الجمعة الماضي، سيكتشف أنه تضمن الكثير من الرسائل والإشارات السياسية، وجميعها تصب في خندق عدم التفريط في مصر، والدفاع عنها في مواجهة المؤامرات التي يحيكها البعض الآن. ومن يقرأ المواقف المبدئية وعبارات وخطوات الدعم المختلفة التي جاءت من قيادة دولة الإمارات سيصل بسهولة إلى النتيجة السابقة. ويتأكد أن تفويت الفرصة على مخططات انهيار الدولة المصرية بمعرفة جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها في الداخل والخارج، مصلحة لهاتين الدولتين، وسيحقق تطوير هذا المحور جملة من الفوائد الاستراتيجية لدوله الثلاث.

أعلم أن الحديث عن المحاور والأحلاف السياسية والعسكرية، يثير هواجس البعض ولا يلقى هوى في نفوسهم، وربما يذكرهم بمرارات سابقة، وأن هذا الخطاب قد يكون في نظر آخرين من الماضي وعفا عليه الزمن، لكن أعلم أيضا أنه عقب الأحداث الكبرى التي تمر بها الأمم والشعوب تتغير التحالفات القديمة وتظهر أخرى جديدة، وتتشكل خرائط جغرافية وتتبدل معالم سياسية، لذلك فما يدور في مصر وما يجري في المنطقة من الممكن أن يفتح المجال لحديث كبير في هذا الفضاء. ومع أن التصرفات السعودية والإماراتية، هناك من يريد حصرها في نطاق الروابط الإنسانية والعفوية القومية، إلا أنها لا تفتقد الأسباب السياسية، وقابلة لأن تتمدد في مجالات متنوعة، لأنها ترتكز على مجموعة من الركائز.

فالعنف الذي ترتكبه جماعة الإخوان وأصدقاؤها من المتطرفون والجهاديون لن يقتصر على مصر فقط، بل هو قابل للانتشار في المنطقة برمتها، التي تحفل بعدد كبير من التنظيمات الإسلامية المتعاطفة والمحسوبة على الإخوان. من ثم فتغول هؤلاء في مصر سوف يفضي حتما إلى نتيجة مماثلة في دول أخرى، ربما تكون من بينها السعودية والإمارات، أو على الأقل تصل إليهما الأصداء السياسية بأية طريقة، لذلك يمثل توفير الدعم للسلطات المصرية في هذه اللحظات الحرجة، دفاعا مبكرا عن النفس، وكابحا لمنع التوسع في انتشار الإرهاب ورموزه، وقطع الطريق على من يستثمرونه لتحقيق أغراض دنيئة، مثل توظيفه في ممارسة درجات عالية من الضغوط على بعض الدول العربية لإجبارها على تنفيذ سياساتها، ناهيك عن المخاطر التي تنطوي عليها المخططات الإجرامية للإخوان، ليس لأن مشروعهم الخيالي غير قابل للتطبيق، لكن لأن الخطط البديلة لفشله مدمرة، فسقوط الإخوان أدى إلى الانتقام والسعي إلى تدمير الدولة المصرية، الأمر الذي يقود إلى نشر الفوضى، وعدم استبعاد أن تنسحب تداعياتها السلبية على منطقة الخليج الحيوية.

الحاصل أن أهم نتائج الدعم السعودي- الإماراتي لمصر، هي تشجيع دول عربية أخرى على المضي قدما في الطريق ذاته، وقد رأينا دعما مماثلا أو قريبا، من الأردن والبحرين والكويت وغيرها، كما أنه منح السلطات المصرية ثقة أعلى في قدراتها لمجابهة الضغوط الدولية، فالرياض وأبو ظبى، لهما وزن اقتصادي كبير في الولايات المتحدة والكثير من الدول الأوروبية، وتأثير قوي على عدد من الدول الآسيوية، وأكد أن الأمن القومي المصري يمتد فعلا إلى منطقة الخليج، وهو ما حظي بجدل واسع عقب الغزو الأميركي الأول للعراق، ورأينا على إثره عملية إفشال لتحالف دول ما يسمى بـ «إعلان دمشق».

كذلك أكد الاتجاه الجديد العكس، أي أن أمن الخليج يمتد حتى مصر، وأن الروابط الأميركية لن تقف حائلا دون مساندة القاهرة، وهي نقطة محورية، حيث تسرب لأذهان البعض أن هذه العلاقة يمكن أن تكبل كلا من السعودية والإمارات، وتمنعهما من اتخاذ مواقف من هذا النوع، ولعل دحض هذه «الفرية»، يقلل من شكوك البعض في أطراف المحور الثلاثي، ويمنحه الفرصة للثبات والاستمرار والتوسع، وإعادة الاعتبار لفكرة الدفاع المشترك عن الأمن القومي العربي، وعودة التنسيق والتعاون لإحياء مضمونه وفكرته، وتكون قاعدته دول هذا المحور، لإيجاد مخرج سياسي مناسب للأزمة في سوريا، والدول الثلاث تملك من المقومات والمؤهلات والأوراق ما يمكنها من ذلك، لقطع الطريق على سيناريوهات وتصورات التفتيت.

أتمنى أن تلتقط القيادة الوطنية الحالية في مصر هذا الخيط، وتسعى إلى مزيد من التعاون مع الدولتين الشقيقتين، السعودية والإمارات، وتصحح أخطاء الماضي، ونتطلع لمستقبل عربي تكون قاطرته السياسية الدول الثلاث، لأن التحديات التي تواجهنا سوف تتعاظم، بحكم الإحباط الذي يعاني منه الإخوان وحلفاؤهم المتطرفون وهو ما يدفعهم للانتقام، أو بسبب المؤامرات الخارجية التي تريد زيادة نشر الفتنة في المنطقة العربية.

وفي كل الأحوال، وصلت رسالتا الدعم والتحذير لمن يهمه الأمر، ويبقى أن نشهد المردودات الإيجابية لهما، في فرملة الضغوط على الدولة المصرية، والخطوات العملية لترسيخ أركان المحور في وجدان الشعوب العربية.

9