"محولجي" القطار كبش فداء على مذبح حوادث سكك الحديد في مصر

في مصر، غالبا ما يكون “المِحوَلجي” أو عامل التحويلة، كبش الفداء، حيث يُقدّم قربانا لتهدئة الرأي العام، وتنسب إليه تهمة الإهمال إذا خرج قطار عن مساره أو تصادم قطاران أو انقلب أحدهما، ونتجت عن ذلك خسائر بشرية مروّعة.
الخميس 2016/11/10
جهد مضن

القاهرة - سكك حديد مصر عمرها الآن أكثر من 165 عاما، وهي أول خطوط تم إنشاؤها في أفريقيا والشرق الأوسط، والثانية على مستوى العالم بعد بريطانيا، حيث بدأ إنشاء أول خط حديدي في مصر يوم 12 يوليو عام 1851، وشرع في تشغيلها خلال سنة 1854.

على مدار العشرين عاما الأخيرة، ترسخت في الأذهان، رؤية تشاؤمية عن تلك السكك، بسبب حوادث القطارات التي ناهزت الأربعين حادثا في تلك المدة، طبقا لآخر إحصاءات رسمية، وقد حصدت معها المئات من أرواح المصريين.

وعقب كل حادثة قطار في مصر، غالبا ما تصدر تصريحات للمسؤولين وشهادات للشهود بعد جمع الأدلة، لتؤكد أن “المحولجي” هو من يقع على عاتقه الإهمال الجسيم المتسبب في تلك الحوادث المفجعة، حيث أنه إما أن يكون قد أعطى إشارة خاطئة ‏لسائق القطار، وإما غادر “الكُشك" (الغرفة التي يمارس فيها عمله) ليتسبب في إرباك، ومن ثمّ في فرملة مفاجئة تقلب عربات القطار.

"المحولجي"، مسمى وظيفي قديم، تم استبداله بـ"ملاحظ البلوك" أو "عامل التحويلة"، ويعتبر من المفردات الأساسية في أهم القطاعات الحيوية بمنظومة النقل، حيث يجتاز العامل دورات في معهد وردان التابع لهيئة السكة الحديدية، بعد حصوله على الدبلوم، ليصبح بعدها مسؤولا عن حركة تسيير القطارات.

تصريحات المسؤولين عن خطط التطوير المستقبلية لقطاع السكك الحديدية لا تتضمن عامل التحويلة، أو زيادة دخله في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة

ومن بين مهامه، التأكد من سلامة السّكة (أي القضبان التي يسير فوقها القطار)، وهو من يرسل الإشارات إلى عامل المزلقان (مكان مرور المشاة عبر القضبان)، لإغلاقه أو فتحه، إلا أن أصابع الاتهام المصوبة دائما تجاهه، غالبا ما تتجاهل ما يحمله هذا المسكين على كاهله من هموم وأثقال، بسبب ظروفه المعيشية الصعبة، حيث لا يزيد دخله الشهري عن ألف جنيه (أقل من 100 دولار)، فضلا عما يعانيه من نقص في التدريب، وقلة في الخبرة والكفاءة، وضعف التعليم.

غرفة المراقبة التي يمارس من خلالها المحولجي عمله، ما زال المصريون يطلقون عليها "كُشك المحولجي"، وغالبا ما تكون متهالكة وعتيقة، وتعاني من الإهمال والتجهيزات البدائية، وتحيط بها مسحة من الكآبة والانقباض تؤشر إلى أنه لن تأتي من ورائها سوى الكوارث والمصائب.

ليس ثمة شخص أو حتى وحدات سكنية تجاور هذا الكُشك، حيث يقبع عامل التحويلة في وحدة وصمت موحشين، لا يكسرهما غير أنين قطار قديم يمرّ عبر القضبان، وأعمدة البرق والهاتف، أو صوت الرعد مصحوبا بلفحة برد تهاجمه من النوافذ المتداعية، ناهيك عن سلامته الشخصية حيث عادة ما يتعرض لاعتداءات اللصوص.

الشارات معطلة

أصبح من المعتاد أن يستيقظ الشعب المصري، بين الحين والآخر، على حادثة قطار مفجعة، يتسبب فيها قطار يصطدم بآخر أو قطار مجنون دهس العشرات على المزلقان فأرداهم، وربما أطيح في الحادث بكشك عامل التحويلة نفسه، والذي حتما سيكون المتهم الوحيد في مثل تلك الحوادث.

فتحي محمد، عامل تحويلة بلوك المرازيق، على محطة القطار بمدينة البدرشين في محافظة الجيزة، أوضح لـ"العرب"، أن مسؤوليته هي فتح الطريق أمام القطار وتأمين مساره، من خلال تجهيز السكة وإعداد التحويلات وفتح وغلق "السيمافورات" (الشارات الضوئية على السكك الحديدية).

مسؤولية كبيرة على عاتقه

ولا تنتهي مهمته قبل أن يتحرك القطار من محطته، ثم يبلغ زميله، ملاحظ البلوك في المحطة التالية بأن يستعد، من خلال دقتين متتاليتين على جهاز الإرسال الموجود بالكشك، ثم دقة واحدة، وهي الإشارة المتبعة، ليعلم الآخر أن القطار غادر محطته، وهو الآن في طريقه إلى المحطة الموالية.

فتحي (الخمسيني في العمر)، يقوم أيضا بتفقد الفانوس المثبت في العربة الأخيرة من القطار، فإذا لم يكن موجودا، فهذا يعني أن العربة الأخيرة قد انفصلت عن القطار أثناء سيره، وهنا يكون عليه أن يخبر ملاحظ البلوك في المحطة التالية، ليقوم بحجز القطار.

أكد فتحي أن التطور التكنولوجي لم يصل بعد إلى عالم القطارات، فمعظم السيمافورات، مازالت تعمل بالكيروسين وليس بالكهرباء، حيث يقوم ملاحظ البلوك بالصعود فوق السيمافور لملئه بالكيروسين ثم إشعاله، ليكون لهبا ثابتا فى حيز ضيق، أما تغيير لون الإشارة، فيتم من خلال جذب سلك يصل بين البلوك والسيمافور، ونظرا لبعد المسافة بينهما فإن الملاحظ يبذل جهدا عضليا شاقا، حتى يستطيع جذب السلك المذكور، وشد الذراع الثقيلة للتحويلة قصد تغيير مسار القطار.

ولا تتوقف المشقة عند هذا الحد، إذ سيكون على المحولجي أيضا، أن يقوم بتحريك مجموعة من الأذرع الطويلة المتصلة بغرفة في أسفل الكشك، ومن ثم بقضبان السكة الحديدية، وهذا هو الفرق بين البلوكات التي تعمل يدويا و النظام الآلي (الكهربائي) الذي استبدل الأذرع الحديدية بمجموعة من المفاتيح، لكن حتى الآن يظل النظام اليدوي هو الغالب على معظم محطات السكة الحديدية في مصر.

صوت الجرس هو الدليل الدامغ لعامل التحويلة، على أن القطار تحرك من مكانه، وبالتالي يقوم بمهاتفة عامل المزلقان ليغلقه، ثم يسجل ما حدث بالساعة والدقيقة، في دفتر كبير يتم الرجوع إليه في حالة وقوع أي حادث.

بالرغم من العمل المتواصل والجهد المضني، اللذين يقوم بهما عامل التحويلة على مدار اليوم، إلا أنه -ومعه الكثيرون من زملائه- يعيش حياة غير آدمية، فدورات المياه (إن وجدت) تكون متهالكة، وليست هناك مراوح للتخفيف من حرارة الصيف، والشبابيك أغلبيتها محطمة ومتهالكة، فلا تحميهم من برد الشتاء القارس.

إجراءات الأمان والسلامة المتبعة عالميا لا تتوفر لدى عامل التحويلة

المعداوي والأسطوانة

رغم التقدم التكنولوجي وأجهزة الـ"جي بي إس" الحديثة للمراقبة والأقمار الصناعية في مجال المواصلات، إلا أن “العرب” رصدت أن طبيعة الاتصالات بين المحطات في الخطوط الفرعية سيئة للغاية، إذ الهواتف في الأكشاك مازالت تعمل بـ”المانافيلّا” (مثل التليفونات القديمة التي نراها في أفلام السينما) من خلال كابلات أرضية، وبطاريات تقوية، وجرس معلق بالحائط في كل مزلقان، ليصدر صوتا عند لف يد الهاتف (المانافيلّا).

إن عامل التحويلة، كثيرا ما يفاجأ بأن عمال المحطات الأخرى يردون معه على نفس الهاتف، في نفس الوقت، مما يشوش على الاتصالات بين المحطات المعنية، التي يخرج منها القطار أو المقرر وصوله إليها، ما يؤدي إلى وقوع حوادث.

أما تشغيل الخطوط الفرعية، فيتمّ من خلال ما يعرف بالأسطوانة، وهي عبارة عن طوق حديدي، يسلم لسائق القطار، الذي سيسلمه بدوره إلى البلوك (الكشك) في المحطة التالية، بما يعني أن الطريق آمن.

في حالة تعطل الأجهزة الكهربائية، التي تُختم منها الأسطوانة، أو في حالة عدم وجود اتصالات، فإنه يتم تشغيل حركة القطارات بما يسمى “المَعدّاوي”، وهو شخص يصطحب القطار ويلازم السائق من محطته إلى المحطة التالية، ثم يعود مع القطار المقابل إلى المحطة الأولى التي يعمل بها.

باهر عبدالمطلب، فني اتصالات، أشار إلى أن البعض من وسائل الاتصالات داخل أبراج المراقبة، كان يستخدمها الإنكليز أثناء احتلالهم لمصر، وبالتالي فقد تهالكت شبكاتها تماما، وأوضح لـ”العرب”، أنه حتى ما تمّ تطويره يعاني العديد من السلبيات، بسبب عدم صيانته بشكل دوري، ولكي تكون الصيانة بشكل سليم فإنه يجب أن يكون هناك عشرة عمال مدربين على الأقل، بينما الآن لا يوجد سوى فرد أو اثنين.

وهناك مشكلة أخرى، تتمثل في تعذر خروج الأسطوانة من جهاز “الإسطاف” أثناء ختمها، وبالتالي فإن أي خلل في الاتصالات يسبب أزمة، وحتى عندما ينجح العمال في الاتصال بمركز عمل كهربائي الإسطاف، فإنه لا يكون موجودا غالبا، حيث يكون منشغلا بإصلاح جهاز آخر في محطة أخرى، نظرا لعدم وجود بديل له على الخط.

غرفة المراقبة تحيط بها الكآبة والانقباض

واستنكر عبدالمطلب إلقاء المسؤولية كاملة على عامل التحويلة في حوادث القطارات، مشيرا إلى أن هناك لصوصا يسرقون كابلات الإشارات، ما يؤدي إلى تعطلها، وعندئذ تصبح الشبكة ولوحة التحكم عاجزتين عن تحديد حالة القضبان، ولو قام أحد بسرقتها فلن يظهر عند عامل التحويلة أن هناك مشكلة.

“القطارات لا تنقلب من تلقاء نفسها، ولا تحرق نفسها بنفسها”، هكذا قالت مي سامي، مهندسة واستشارية تطوير الطرق والكباري، وأن العامل الرئيسي في تلك الحوادث بشري أكثر من أن يكون فنيا، حيث أن موظفي صيانة القطارات بالهيئة يتأكدون من سلامة القطار والكشف عليه وتجهيزه قبل الرحلة، إضافة إلى وجود الملاحظين المتابعين لحركة السير.

لا يعني ذلك أن المسؤولية بأكملها تقع على كاهل عامل التحويلة، فهناك أيضا سائق القطار، بالإضافة إلى أن وضع منظومة السكة الحديدية في مصر سيء للغاية، ولا بدّ من تطويره، وأشارت مي لـ”العرب” إلى أن إجراءات الأمان والسلامة المتبعة عالميا لا تتوفر لدى عامل التحويلة، ولا يستطيع الكثيرون منهم التصرف إلا بطرق بدائية عقيمة.

وقدمت مثالا على ذلك، بأنه في حال تعطل سيارة ما فوق القضبان أثناء قدوم القطار، فإن عامل التحويلة لا يحسن التصرف؛ إذ يجب أن توضع كبسولة الخطر على القضبان على بعد 500 متر من الحادث، وتنفجر بمجرد مرور القطار عليها، لحجز القطار، وليفهم السائق أنها إنذار له بوجود خطر على مسافة قريبة، وأن عليه التوقف فورا، إلى حين إخلاء المكان من العوائق الموجودة به، وفي حالة عدم انفجار تلك الكبسولة، أو عدم سماع سائق القطار لصوت انفجارها، يقع ما لا تحمد عقباه.

وقال خبراء لـ”العرب”، إن مسؤولية تطوير أكشاك التحويلات، لا تخص هيئة السكك الحديدية وحدها، بل يجب أن تشارك فيها، وزارات التنمية المحلية والداخلية والأوقاف والري وغيرها من الإدارات، وشددوا على أن الإجراءات الروتينية وراء تأخر التطوير.

وأكد محمود فتحي، أستاذ الإدارة المحلية، لـ”العرب” وجود خطة لتجديد الأرصفة والمحطات، وهدم وإعادة بناء أرصفة المحطات التي تحتاج إلى تطوير على مستوى كامل الجمهورية، وأنه سيتم تحديث نظم الإشارات في الفترة المقبلة، وقد بدأ بالفعل تحويلها من يدوية إلى إشارات إلكترونية، لكن كل ذلك سيحتاج إلى البعض من الوقت.

وسوف يستفيد من خطة تطوير المزلقانات القانونية 1337 مزلقانا على خطوط السكك الحديدية من إجمالي 4500 مزلقان، وذلك على طول أكثر من 7 آلاف كيلومتر من خطوط السكك الحديدية، من أقصى الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب.

لكن بالرغم مما صرح به المسؤولون عن خطط التطوير المستقبلية لهذا القطاع الحيوي، إلا أنه لا يتضمن عامل التحويلة، أو زيادة دخله في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

هؤلاء العمال يتجاوزون ساعات العمل الرسمية دائما، إلا أن مسؤولي هيئة السكك الحديدية لا يطبقون عليهم إلا الحدّ الأدنى للأجور وهو 1200 جنيه (ما يقارب 120 دولارا)، بالإضافة إلى أن إصابتهم بأيّ مرض مزمن تعني فقدان أكثر من 50 بالمئة من الدخل.

وردّ على ذلك مسؤولو الهيئة لـ”العرب”، بأنهم ينفذون أي مطالب مشروعة للعاملين، لكن على ضوء الموارد المتاحة لهم، ويسعون إلى تدريب العمال والفنيين للارتقاء بأدائهم، لكن المشكلة أن سكك حديد مصر ذات بنية كبيرة تحتاج إلى أموال طائلة من أجل تطويرها فنيا وبشريا، والميزانية السنوية المقررة للهيئة 3.6 مليار جنيه (نحو 300 مليون دولار)، لا تكفي للتطوير المأمول مرة واحدة، فالهيئة تتحمل أعباء إضافية لضعف العائد من المداخيل، مقارنة بتكلفة التشغيل.

وأضاف المسؤولون في الختام أن هناك اقتراحات متعددة للتركيز على التدريب المهني لعمال التحويلة، وإعطائهم الأولوية عن سواهم، لأنهم القنطرة التي تمرّ فوقها أرواح الآلاف من البشر، الذين يجب أن نحافظ عليهم ونؤمّن تنقلاتهم.

20