محو الأمية استثمار أمثل يضمن مستقبلا مستداما

الجمعة 2014/09/05
برامج محو الأمية تساهم في إنارة العقول وتضمن الازدهار والتقدم للمجتمعات

تونس - التقدّم الذي يمكن أن يطبع البلدان، والازدهار الذي يمكن أن تحققه لمجتمعاتها وشعوبها، لا يمكن أن يمرّا سوى من بوابة التعليم والإحاطة بـ”الأميين” الذين لم تتسن لهم فرصة الدراسة وتعلّم القراءة والكتابة لا محالة. علاقة شرطيّة إلزامية أيقنت بلدان العالم المتقدّم أهميتها القصوى، فمضت تهتمّ بهذه الشرائح بغية إلحاقها بركب المتعلّمين ممّا أنتج لاحقا فرصا أكثر للتقدّم المعرفي والتكنولوجي والازدهار الإقتصادي والاجتماعي، غير أنّ العالم العربي مازال غارقا إلى الآن، رغم الجهود المبذولة، في إيهام نفسه بأولويات ثانوية أخرى، شأن التسلّح العسكري، ولم يدرك حدّ اللحظة أهمية سلاح محو الأمية الفتاك ضد الجهل والتقهقر، وما يمكن أن يعيده على المجتمعات من رفاه دائم.

طوال أكثر من أربعين عاماً، تحتفل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” باليوم الدولي لمحو الأمية، وتذكر المجتمع الدولي بأن محو الأمية إنّما يشكل حقاً من حقوق الإنسان وأساساً لكل عملية تعلم.

وفي هذا الإطار تحيي المنظمة، في الثامن من سبتمبر الجاري، يومها الدولي لهذه السنة تحت شعار “محو الأمية والتنمية المستدامة”.

ويهدف هذا اليوم – حسب بيان صادر عن المنظمة – إلى تبيان أن معرفة القراءة والكتابة هي واحدة من العناصر الأساسية اللازمة لتعزيز التنمية المستدامة، كما أنّها تمكّن الناس من اتخاذ القرارات الصائبة في مجالات النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والتكامل البيئي.

وكان قد تمّ، لأول مرة، اقتراح تخصيص يوم من كل عام لتعزيز محو الأمية إبّان “المؤتمر الدولي لوزراء التربية والتعليم حول محو الأمية” (طهران، 8 ـ 19 سبتمبر 1965). وبعد مرور عام، أعلنت اليونسكو، في نوفمبر 1966، يوم 8 سبتمبر من كلّ سنة؛ “يوما دوليا لمحو الأمية”.

وطوال أكثر من 40 عاماً، تحتفل المنظمة بهذا اليوم وتذكر المجتمع الدولي بأن محو الأمية إنّما يشكل حقاً من حقوق الإنسان وأساساً لكل عملية تعلّم.

وتشير الأرقام الصادرة عن معهد الإحصاء لليونسكو أن عدد الأميين في العالم يقدر بنحو 800 مليون أمي ، أما في العالم العربي فلا تزال المعدلات مرتفعة حيث ناهز عدد الأميين 70 مليونا بين من بلغوا سن الرشد (نسبة الثلثين من النساء).

وتُقدِّر المنظمة كذلك أنّ 84 في المئة من سكان العالم اليوم قادرون على القراءة والكتابة، مقابل 76 في المئة في عام 1990. ومع أنّ هذه النسبة قد أُحرزت تطوّرا باتجاه تحقيق أهداف محو الأمية على الصعيد الدولي، إلاّ أنّه لا يزال هنالك تحدّيات كبرى يتعيّن تخطيها في المستقبل من خلال اعتماد حل دولي قوي في إطار جدول أعمال التنمية لما بعد عام 2015.

من المتوقع أن تصبح نسبة الأمية في العالم العربي، طبقا لدراسة وضعتها منظمة الألسكو، الأولى في العالم مع نهاية سنة 2014


بلدان قدمت المثال


حفل هذه السنة الذي سيتم فيه الاحتفاء بالفائزين بإحدى جائزتي اليونسكو (جائزة الملك سيجونغ، وجائزة كونفيشيوس) المخصصتين لغرض التشجيع على برامج محو الأمية، والذي سيقام في داكا عاصمة بنغلاديش، قالت المديرة العامة للمنظمة، إيرينا بوكوفا، أنّه سيشهد تتويج كلّ من الجزائر وبوركينا فاسو والإكوادور وجنوب أفريقيا وأسبانيا بجوائز اليونسكو الدولية لمحو الأمية لعام 2014″.

وتمُنَح جوائز اليونسكو هذه إلى برامج رائدة تبرز الدور المركزي الّذي يضطلع به محو الأمية في تعزيز التنمية المستدامة، من خلال حقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين، وحل النزاعات والتنوّع الثقافي.

وتشمل (جائزة الملك سيجونغ لمحو الأمية) لهذه السنة، كلاّ من وزارة التربية في إكوادور ورابطة تعزيز التعليم غير النظامي في بوركينا فاسو؛ وفي ما يتعلّق بإكوادور، فقد استفاد فيها ما يناهز عن 325000 شخص من “مشروع توفير التعليم الأساسي للشباب والكبار”، منذ انطلاقته.

ويجري تشجيع المشاركين على الاستفادة من الخدمات المدعومة من قبل الحكومة، مثل الوظائف والرعـــاية الصحية والمنح الــزراعية.

أمّا بوركينا فاسو، فتركّز رابطة تعزيز التعليم غير النظامي فيها على النساء ومحو الأمية، إذ أنّ النساء يشكّلن أكثر من 50 في المئة من سكان بوركينا فاسو، ولسوء الحظ أغلبيتهن من الأميات مع نسبة تبلغ 82 في المئة، غير أنّ برنامج الرابطة سعى إلى تحسين حياتهنّ عن طريق تزويدهن بمهارات القراءة والكتـــابة والحساب وتدريـــبهن في مجال الصحة والتنـــمية الاقتصادية المســتدامة.

الدول العربية لا تضع مسألة محو الأمية على سلم الأوليات رغم بعض الجهود المبذولة هنا وهناك

وقد حقّق هذا البرنامج، الذي استفادت منه 18000 امرأة حتى الآن في بلد متعدد اللغات والثقافات، نجاحات عديدة على جميع الأصعدة.

من جهة أخرى، تشمل جائزة (كونفوشيوس لمحو الأمية) ثلاث منظمات، من بينها الجمعية الجزائرية لمحو الأمية “اقرأ”، التي نفّذت برنامجا بعنوان “محو الأمية والتدريب ودمج النساء”.

وقد وفّر هذا البرنامج الدعم لأكثر من 17000 شخص حتى هذا التاريخ. وبالإضافة إلى تدريس مهارات القراءة والكتابة والحساب، يقوم البرنامج بتدريب المشاركين فيه على المواطنة، والصحة، والحماية البيئية، وحقوق الإنسان.

كذلك شملت الجائزة مدرسة “التعلّم مدى الحياة من أجل التنمية المجتمعية” في بوليغونو سور بأسبانيا، على مشروعها الذي يوفّر تدريبا من أجل محو الأمية، وتعليما مهنيا، وتعليما خارج الإطار المدرسي يمكن المصادقة عليه، ويزوّد المستفيدين منه بالمهارات اللازمة للحصول على عمل وتنظيم المشاريع.

ويتوجّه هذا المشروع إلى مجموعة متنوّعة من الأشخاص الذين ينتمون إلى ثقافات مختلفة تضم مواطنين من أسبانيا ومهاجرين من شمال أفريقيا وأفرادا من جماعة الروم في منطقة يسودها الحرمان في إشبيلية.

أمّا الفائزان الأخيران بالجائزة، فهما كلّ من معهد مولتينو للغات ومحو الأمية (جنوب أفريقيا) والمعهد الدولي لمحو الأمية. فبرنامجهما الابتكاري المشترك الذي يحمل عنوان “جسور إلى المستقبل” يستخدم تكنولوجيات المعلومات والاتصال لتزويد سكان المناطق الريفية والمناطق الحضرية الأقل نموا بالمهارات اللازمة، بصرف النظر عن أعمارهم.

ويتيح البرنامج للأطفال والشباب والكبار اكتساب مهارات القراءة والكتابة والحساب باستخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصال وتعلّم استخدام الحواسيب، وذلك باللغة الإنكليزية وبثلاث لغات أفريقية.

وفي هذا السياق، يُظهر الفائزون بجوائز اليونسكو، من خلال مشاريعهم الاستثنائية، الدور المحوري الذي يضطلع به محو الأمية في مساعدة الأفراد على تنمية طاقاتهم الكامنة كاملة، وفي إرساء مجتمعات أكثر استدامة، وعادلة وسلمية.

ويزوّدوننا بالأمل في أنّه بإمكاننا أن نضع معا حدا لحلقة الاستبعاد التي تفضي إليها الأمية.

الحاصلون على جوائز اليونسكو لمحو الأمية لسنة 2014:
◄ وزارة التربية في إكوادور

◄ رابطة تعزيز التعليم غيرالنظامي في بوركينا فاسو

◄ الجمعية الجزائرية لمحو الأمية "اقرأ"

◄ مدرسة التعلم مدى الحياة من أجل التنمية المجتمعية بأسبانيا

◄ معهد مولتينو للغات ومحو الأمية بجنوب أفريقيا

◄ المعهد الدولي لمحو الأمية


العالم العربي عكس التيار


في الوقت الذي قدّمت فيه هذه البلدان سالفة الذكر مثالا يحتذى، رغم ضيق إمكانياتها المادية أحيانا، تسعى العديد من بلدان العالم العربي إلى التسلّح العسكري وفضّ النزاعات التي تبدو في مجملها نابعة عن قلّة وعي الشباب العربي بمتطلّبات العصر وانزاوئه وتسليمه لأيديولوجيات أكل عليها الدهر وشرب، نتيجة لتفشي الجهل وغياب التأطير وضعف الحلول التنموية (المنوطة بعهدة الدول) التي تسببت بدورها في حالة مزمنة من الفقر القاسي دفعت بأصحابها نحو تيار من التطرف والحقد ينبئ بكوارث جمّة.

فلقد أعلنت تقارير صادرة عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألسكو) أنّ عدد الأميين في المنطقة العربية في عام 2013، بلغ 97.2 مليون شخص من أصل حوالي 340 مليون نسمة، أي نسبة 27.9 بالمئة من مجموع السكان.

ودقت المنظمة ناقوس الخطر مشيرة إلى أن الدول العربية لم تحقق تقدماً حقيقياً على طريق محو الأمية على مدى السنة الماضية. وأضافت الألسكو التي تتخذ من تونس مقراً لها ، إن نسبة النساء من الأميين العرب الذين تتراوح أعمارهن بين 15 و45 عاماً تبلغ 60 بالمئة.

وكشف تقرير المنظمة أن أكثر من 6 ملايين طفل في العالم العربي ممن هم في سن الدراسة غير منخرطين في سلك التعليم، كما أن نسبة 20 بالمئة من الأطفال الذين يلتحقون بالتعليم الأساسي يتخلفون عنه خلال المرحلة الدراسية الأولى بل وتبلغ هذه النسبة 30 بالمئة في بعض الدول العربية، رغم بذل العديد من هذه الدول لجهود كبيرة في مجال مكافحة الأمية خلال العقد الماضي، وسعيها إلى تقديم تعليم قوي ونوعي ومتميز، ما أدى إلى انخفاض نسبة الأميين من إجمـــالي عدد سكان الوطن العربي من 73 بالمئة عـــام 1970 إلى 28 بالمــئة العام الــجاري. لكن ورغم تلك الجهود، ظلت أعداد الأميين تتزايد بشكل مفزع، بفعل الزيادة السريعة في عدد السكان، فقد ارتفع عددهم من 50 مليوناً عام 1970 إلى 61 مليوناً عام 1990 ثم 75 مليوناً بحلول عام 2008 ليستقر عند 97 مليونا في عام 2013. ممّا دفع منظمة اليونسكو إلى تصنيف المنطقة العربية كأضعف مناطق العالم في مكافحة الأمية.

ويتوقع أن تصبح نسبة الأمية في العالم العربي (طبقا لدراسة وضعتها منظمة الألسكو) الأولى في العالم خلال السنة الجارية 2014، بعد أن كانت الثانية بعد أفريقيا.

واستنتج تقرير الألسكو، أنه في حال استمرار النسق التعليمي الحالي في مكافحة الأمية فإن العالم العربي لن يكون قادرا على تحقيق المساواة بين الجنسين قبل عام 2020 أو تحقيق التعليم الأساسي للجميع قبل عام 2050.

وطبقا لإحصائيات الألكسو فإن مصر تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد الأميين بحكم حجمها السكاني في الوطن العربي، تليها السودان فالجزائر والمغرب ثم اليمن.

وتضمُ هذه الدول الخمس مجتمعة نسبة 78 بالمئة من الأميين في البلاد العربية.

أما الدول الأوفر حظاً من الدول العربية الأعضاء في الألكسو، والتي تسجل نسبا متدنية من الأمية فهي البلدان الصغيرة الخليجية ذات الموارد النفطية ، تقودها الإمارات العربية المتحدة وتليها كل من قطر والبحرين والكويت، إضافة إلى الفلسطينيين، وتأتي بعدها وبدرجة أقل كل من تونس والأردن وسوريا وليبيا، والتي تبلغ نسبة الأمية فيها مجتمعة نسبة 13 بالمئة.

وإذا ما استمرت المعدلات على حالها تشير الإحصاءات إلى أن 7 دولٍ عربية قد تتخلَص تماماً من الأمية بحلول عام 2015، وهي الإمارات وقطر والبحرين والكويت والأردن وفلسطين ولبنان.

وتسير بعدها في الاتجاه نفسه ولكن بوتيرة أبطأ كل من عمان والسعودية وسوريا ومصر وتونس، وتبقى السودان واليمن أكثر الدول العربية معاناة من الأمية.


أسباب التقهقر والحلول المتاحة


800 مليون عدد الأميين في العالم

يعزو العديد من المحللين استمرار ظاهرة الأمية في الدول العربية لمعوقات كثيرة من بينها غياب إرادة سياسية حقيقية في مكافحتها وتخصيص ميزانية محدودة لقطاع التعليم وعدم تدريب القائمين عليه أو تجديد المناهج الدراسية حتى تتماشى ومتطلبات سوق العمل، وتدني الرغبة في التعلم وانتشار الفقر خصوصا في المناطق الريفية.

وفي هذا السياق، حذّرت الألكسو من خطورة عدم الاهتمام الجدي من قبل الدول العربية بمكافحة الأمية ووضعها كأولوية مطلقـــة في برامجها ومشروعاتـــها التنــموية.

كما شدّدت على أنّ تحقيق أهداف خطة تطوير التعليم في الوطن العربي التي اعتمدتها القمة العربية التي احتضنتها دمشق في مارس 2008، يمثل حلا ناجعا وفرصة مناسبة للقضاء على الأمية وتعزيز برامج تعليم الكبار في الوطن العربي.

من جهة أخرى، وفي ما يتعلّق بالحلول، لطالما جددت الألكسو دعوتها لجميع المهتمين بالتنمية العربية من أفراد ومؤسسات ومنظمات مجتمع مدني وقطاع اقتصادي وجمعيات أهلية إلى المساهمة الفاعلة والعمل الدؤوب من أجل دعم جهود محو الأمية في الدول العربية والعمل على تعميم التعليم الأساسي وتوفير فرص حصول جميع الأطفال عليه، مؤكّدة التزامها بالعمل على تنفيذ خطة تطوير التعليم في الوطن العربي في مجال محو الأمية وتعزيز برامج تعليم الكبار، والتعاون مع المؤسسات المعنية في الدول العربية من أجل توفير تعليم مستمر للجميع، والعمل على ترسيخ تعليم الكبار ونشره حتى يصبح جزءًا من النظام التعليمي العربي.

كما أكدت مرارا على ضرورة تطوير برامج تعليم الكبار في الدول العربية وتجديدها لمواجهة الاحتياجات الفعلية للشباب العربي من خلال بناء منظومة تعليمية لتعزيز البرامج التي من شأنها توفير فرص العمل والإدماج الاجتماعي وحمايته من الأفكار المغلوطة والتطرف والانزياح نحو الإرهاب الذي يهدّد المنطقة، داعية إلى وضع خطط وطنية لمكافحة الأمية في أوساط الشباب، والكبار باعتبار أن إنهاء أميتهم يمثل أولى الخطوات لإشراكهم فعليا في التنمية الشاملة.

وكذلك التركيز على محو أمية المرأة وخاصة الفتاة الريفية، على اعتبار أن هذه الفئة هي من أكثر الفئات حرمانا من التعليم، إضافة إلى الفئات التي تعيش على هوامش المدن.

6