محيط الأسرة أول مكان يتعرض فيه أطفال تونس للتهديد

صور صادمة توثقها يوميا مواقع التواصل الاجتماعي تعرض حجم التهديدات النفسية والجسدية التي تواجه الأطفال في تونس نتيجة للبيئة التي يعيشون فيها والتي تسلط عليهم شتى أنواع الإساءة.
السبت 2016/08/27
انتهاكات لا تنتهي

تونس - لا يمكن القول إن الصور، التي تم تداولها مؤخرا على موقع فيسبوك لرجل يحمل طفلا ويسقيه من قارورة جعة وبيده سيجارة والتي جاءت بعد فترة وجيزة عرضت خلالها صورة رضيعة لم تتجاوز سنتها الأولى رفقة والدها تحتسي الجعة، بأنها شاذة، حيث أن مثل هذه المشاهد تتكرر في العديد من الأسر التي تجهل أبسط قواعد التربية وتعتبر الطفل ملكية شخصية يجوز انتهاك حقوقه، وهي بذلك تعرضه إلى مشاكل نفسية وسلوكية وجسدية واجتماعية تهدد مستقبله وصحته دون وعي منها أو مسؤولية.

وفي هذا السياق أكد المندوب العام لحماية الطفولة مهيار حمادي، أن الصور التي تم تداولها مؤخرا ترفضها تقاليد المجتمع التونسي، متسائلا عن دور الأب في حماية أطفاله وعدم تعريضهم للمخاطر، مضيفا أن مثل هذه التصرفات اللامسؤولة قد لا تعرض الطفل فقط إلى أضرار جسدية بل أيضا اجتماعية ونفسية في محيطه المدرسي والعائلي.

وأشار مندوب حماية الطفولة إلى أن المندوبية تقوم بواجبها تجاه هذه الانتهاكات التي ترتكب في حق الطفل، موضحا أن أكثر من 60 بالمئة من التهديدات المتربصة بالأطفال متأتية من العائلة ومن الأولياء بصفة خاصة، وهو ما يجعل وضعيات الأطفال في خطر، حيث يتعرضون إلى الضرب وسوء المعاملة المعنوية والبدنية والإهمال.

وأوضح قائلا “أصبحنا في تونس نشرّع للممنوعات”، معبّرا عن استغرابه وتساؤله “كيف لأب أن يقوم بمثل تلك الأفعال؟”. وأضاف أن أكبر خطر يهدد الطفل يتمثل في اعتباره أن كل شيء مسموح جراء ترويج أولياء الأمور للممنوعات والمحظورات على أنها مشروعة”.

كما أكد أن إشعارا ورد على المندوبية مفاده أن هنالك طفلة تبلغ من العمر ست سنوات كانت تتهجم وتسب بألفاظ نابية ووالدها كان هو من يلقنها تلك الألفاظ، مؤكدا أن عدة إشعارات بلغت إلى المندوبية عن الانتهاكات التي ترتكب في حق الأطفال.

وقال إن المندوبة تتعهد بالموضوع وتقوم بالتحري وتحديد هوية كل شخص يعرض حياة الطفل للخطر سواء كان نفسيا أو جسديا، وأشار إلى أن هناك تتبعات جزائية وأحكاما تصدر وأن أهم شيء بالنسبة إلى المندوبية التعهد بالطفل الضحية.

أبرز حالات التهديد تعود إلى عجز الأبوين أو من يسهر على رعاية الطفل والتقصير البين في التربية والرعاية وتعريض الطفل للإهمال

وشدد على ضرورة أن يبلّغ كل مواطن عن الانتهاكات التي يتعرض إليها الطفل مثل ظاهرة التسول، معتبرا أن المشكلة تبقى في تطبيق القوانين.

كما قال إنه يجد صعوبات في تنفيذ بعض القرارت واعتبر أن المسؤولية ليست مسؤولية مندوب حماية الطفولة فقط بل مسؤولية الأجهزة الأمنية والقضائية أيضا، مشيرا إلى أن الإشكال يتمثل في أنه عندما يقع التعهد بوضعيات وإعلام النيابة يتم إطلاق سراح الأب وعدم تحميله المسؤولية.

جدير بالذكر أن نتائج التقرير الإحصائي السنوي لنشاط مكاتب مندوبي حماية الطفولة لسنة 2015 سجّلت أرفع معدل في عدد الإشعارات منذ سنة 2009، إذ بلغ 8722 إشعارا مقابل 6096 إشعارا سنة 2014.

كما تعهّد مندوبو حماية الطفولة بـ7021 إشعارا لوجود ما يهدّد صحة الطفل أو سلامته البدنية أو المعنوية، لتناهز بذلك النسبة العامة للإشعارات الجدية 85.6 بالمئة من مجموع الإشعارات مع غلق وحفظ 1178 إشعارا لعدم استيفاء شروط التعهد.

وبيّن التقرير أنّ الأم تحتل المرتبة الأولى من حيث مصدر الإشعار (2756 إشعارا) يليها الأب بـ1681 إشعارا، واحتلّ الأب المرتبة الأولى من حيث المتسبّب في التهديد بـ1583 إشعارا.

وأكد التقرير أن الإطار الأسري (المنزل) لا يزال الإطار الأول الذي يتعرض فيه الأطفال للتهديد بنسبة تصل إلى 61.2 بالمئة، يليه الشارع 13.4 بالمئـة والمؤسـسة التعليمية 13.3 بالمئة.

كما نبه إلى أن أبرز حالات التهديد تعود إلى عجز الأبوين أو من يسهر على رعاية الطفل والتقصير البين والمتواصل في التربية والرعاية وتعريض الطفل للإهمال.

وكشف أنه في إطار تطويق ظاهرة العنف المسلط على الأطفال، تعهد مندوبو حماية الطفولة بـ4554 حالة خلال سنة 2015 تمت ممارسة شكل من أشكال العنف على أصحابها 48.9 بالمئة منها في صفوف الإناث لتناهز بذلك نسبة الوضعيات المعنفة 64.9 بالمئة من مجموع التعهدات.

وصدرت أغلب الحالات المعنفة خلال سنة 2015 عن محافظات صفاقس ونابل وبنزرت حيث تم رصد 16.1 بالمئة و8.8 بالمئة و7.8 بالمئة على التوالي من مجموع الحالات المعنفة.

الأم تحتل المرتبة الأولى من حيث مصدر الإشعار (2756 إشعارا) يليها الأب بـ1681 إشعارا، واحتلّ الأب المرتبة الأولى من حيث المتسبّب في التهديد بـ1583 إشعارا

ومن جهة أخرى بين معز الشريف رئيس الجمعية التونسية لحماية حقوق الطفل، وجود تراخ من قبل السلطات التونسية والسلطات الأمنية في توفير الحماية والأمن للأطفال، مشيرا إلى أن مندوبية حماية الطفولة تعتمد في مثل هذه الحوادث على وزارة الداخلية لتحديد الهويات، لكن الوزارة تمنح أولوياتها إلى قضايا الارهاب ثم الإجرام لتأتي القضايا الاجتماعية والخاصة بالأطفال في مرتبة ثالثة.

كما قال معز الشريف إن مندوبية حماية الطفولة تنتظر عادة الإشعار بالحالات رغم أن المبادئ الأساسية لمجلة حماية الطفولة تضم قانونا يخول لها تقديم الإشعار بذاتها أي التفاعل مع ما ينشر بصفحات التواصل الاجتماعي والإعلام دون الحاجة إلى إشعار خارجي، منبها إلى أن مهمة المندوبية في تقاريرها السنوية هي نشر عدد الإشعارات دون ذكر نتائج تلك الإشعارات.

وفي تعليقه على الحوادث الأخيرة ذكر أن الدولة تخلت عن مسؤوليتها لصالح الجمعيات والمنظمات، مشيرا إلى أنها مطالبة بالتصدي لهذه الظواهر ولهذا الانحطاط الأخلاقي وللتهديدات التي تطال الطفولة، وأوضح أن تونس تمتلك قوانين صارمة لكن دون تطبيق.

وأكد خبراء في علم النفس أن مثل هذه التصرفات غريبة عن المجتمع التونسي وغير مقبولة لأن الآباء مطالبون بتوفير تربية سليمة للأبناء. وأبرزوا أن هذه السلوكيات الصادمة تدل على خلل داخل الأسرة التونسية التي تعرض أطفالها إلى مخاطر تؤثر عليهم وتهدد المجتمع.

21