محيط بوتفليقة ينفرد بورقة تصفية الحسابات

يعمل المحيطون بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة على غلق ملفات الفساد الكبرى المتورط بعضهم فيها، وذلك بعد نجاحهم في قصقصة أجنحة جهاز الاستخبارات عبر إقالة أو إحالة عدد من مسؤولي هذا الجهاز على التقاعد.
الأحد 2016/01/03
نظرة تائهة لمعرفة وجهة الطريق

الجزائر - تتجه كبرى ملفات الفساد في الجزائر والمتورط فيها محسوبون على محيط الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى الطيّ نهائيا، في خطوة قرأها كثيرون على أنها محاولة لتصفية تركة جهاز الاستخبارات.

ومن بين قضايا الفساد الكبرى التي يُعمل على غلقها قضية “سونطراك 1” التي ضجت بها الساحة الجزائرية وكشفت حجم تورط مسؤولين نافذين في الفساد.

ويستند الساعون لطيّ هذا الملف إلى التعديلات التي أجريت على القانون الجزائي والتي نصت في أحد بنودها على رفع التجريم عن فعل التسيير.

ويقول متابعون إن مثل هذه التعديلات الهدف الرئيسي منها هو وضع ملفات الفساد التي أثارت جدلا حادا في الجزائر، بسبب ضلوع محسوبين على محيط الرئيس بوتفليقة، في خانة الأرشيف.

وكان دفاع المتهمين في قضية “سوناطراك 1”، وعلى رأسهم مسؤولون وكوادر في المجمع النفطي الحكومي “سوناطراك” قد تمسكوا بانتفاء الدعوى العمومية في حق كلّ من موكليهم، وذلك بموجب التعديلات الأخيرة لقانون الإجراءات الجزائية، واعتمدت هيئة الدفاع على النص القانوني القائل بانتفاء وجه الدعوى في حال غياب طرف مشتكٍ، وبما أن شركة سوناطراك لم تقدم أيّ شكوى ضد هؤلاء، فإن القضية تصبح في حكم “غير المؤسسة”.

ومنذ العام 2010 فتح جهاز الاستخبارات سلسلة من التحقيقات في عدد من الملفات، أظهرت فسادا كبيرا ينخر عددا من المؤسسات والمشروعات الاستراتيجية، وقادت إلى ضلوع مقربين من محيط الرئيس الجزائري فيه، على غرار وزير الطاقة السابق الفار إلى الولايات المتحدة الأميركية شكيب خليل، وطفا على سطح الرأي العام العديد من الفضائح منها “سوناطراك 1 و2”، الطريق السيار شرق غرب”، “محطات الطاقة الكهربائية “.. وغيرها.

وذكر مقربون من المدير السابق لجهاز الاستخبارات الجنرال محمد مدين (توفيق)، بأن الجهاز فتح عدة تحقيقات في عدد من الملفات لم يعد بالإمكان السكوت عنها بعد وصول العمولات والرشاوى إلى سقف 200 مليون دولار، لصالح كوادر تشغل مناصب حساسة في مؤسسات الدولة، وأنه قد تم تحويل التقارير النهائية للتحقيقات إلى مصالح رئاسة الجمهورية للحسم فيها.

في حين اعتبر مقربون من الرئيس بوتفليقة، أن الملفات المثارة حول استشراء الفساد وضلوع شخصيات محسوبة على الرئيس، هي “تصفية حسابات”، و”محاولات يائسة لثني الرئيس عبر تشويه صورته أمام الرأي العام، من خلال توريط مقربيه في ملفات فساد تم تضخيمها وتهويلها”.

غياب الشفافية في التعامل مع قضايا الفساد التي تنخر الاقتصاد المنهك في الجزائر، من شأنه أن يدفع بالبلاد نحو المجهول ويزيد من حالة الاحتقان الشعبي، ما ينبئ بسنة جديدة صعبة على النظام

ويرى مراقبون أن محيط الرئاسة يفكك تباعا كل الألغام التي زرعها جهاز الاستخبارات في السابق، ويتم مسح طيفه من كل المؤسسات ومفاصل الدولة، في إطار مشروع ” تمدين الدولة”، الذي يروّج له منذ أشهر الرجل الأول في حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم عمار سعداني، وعليه تجري تصفية تركة جهاز الاستخبارات وجنرالاته السابقين، بما فيها القضايا المطروحة على جهاز القضاء، في إطار ما يعرف بملفات الفساد.

وصرح المحامي والخبير القانوني مصطفى بوشاشي في اتصال لـ”العرب”، بأن هيئة دفاع المتهمين تضغط لأجل تطبيق القانون بأجل فوري، في حين هناك من يذهب إلى المطالبة بتطبيق القانون بأثر رجعي، أما السلوك الجزائي والأضرار المترتبة عن معاملات الأطراف المتورطة، فهي قرائن ثابتة يتوجب إنصافها من طرف القضاء.

ووجهت للمتهمين تهم جناية تكوين جمعية أشرار، وجنحة إبرام صفقات مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري العمل بها، بغرض إعطاء امتيازات غير مبررة للغير، وتبييض الأموال وتضخيم الأسعار في عقود مع مؤسسة عمومية، واختلاس أموال عمومية والرشوة.

وفي خطوة لإفراغ الملف من محتواه، التمست هيئة الدفاع من هيئة المحكمة، استبعاد الخزينة العمومية من التأسيس كطرف مدني، كونها لم تتضرر بالخسائر التي لحقت بمؤسسة سوناطراك، انطلاقا من أحقيتها في التأسيس كطرف مدني في حق المؤسسات العمومية الإدارية، وليس في حق المؤسسات التجارية والاقتصادية وهو الحال بالنسبة إلى شركة سوناطراك.

وحسب قرار الإحالة، فإن وقائع القضية تنصبّ على خمس صفقات مشبوهة بقيمة تقارب 110 مليون دولار، منحها الرئيس المدير العام السابق لشركة سوناطراك مزيان محمد لمجمع الشركة الألمانية ” كونتال ألجيريا فانك فارك بليتارك” في إطار مشروع إنشاء نظام المراقبة البصرية والحماية الإلكترونية لجميع مركّبات المجمّع.

إلى جانب إبرام صفقة مشبوهة مع المجمع الايطالي “سيبام” في إطار مشروع إنجاز أنبوب الغاز الرابط بين الجزائر وإيطاليا. وسجل حضور مسؤولين وعدة كوادر من الإدارة الحالية للشركة النفطية، على غرار الرئيس المدير العام الأسبق لسوناطراك عبدالمجيد زرقين، والرئيس المدير العام الحالي بالنيابة للمجمّع سعيد سحنون، إلى جانب أكثر من ثمانين شاهدا، من ضمن 111 شاهدا، وجهت لهم محكمة مجلس القضاء بالعاصمة، استدعاءات المثول أمامها لتقديم إفادتهم في الملف.

ويرى محللون أن مسلك النظام الجزائري وغياب الشفافية في التعامل مع قضايا الفساد خاصة والتي تنخر الاقتصاد المنهك بطبعه في هذا البلد، من شأنهما أن يدفعا بالبلاد نحو المجهول ويزيدا من حالة الاحتقان الشعبي، ما ينبئ بسنة جديدة صعبة على النظام.

2