مخاضات حكم نداء تونس

الثلاثاء 2015/01/20

لم تكن مباشرة الحكم سهلة على حزب نداء تونس لاسيما أمر الحكومة الجديدة. فبعد فوزه بأغلبية نسبية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي جرت يوم 26 نوفمبر 2014، صار هذا الحزب مطالبا دستوريا بتشكيل الحكومة. ولكنّ البروتوكول كان يقتضي أن يكون التكليف من قبل رئيس الجمهورية، وهو ما أدخل إرباكا على هذه العملية التي ينتظرها الشعب التونسي بفارغ الصبر ليطمئن على أوضاعه ومستقبله.

ومأتى الإرباك هو ذاك الجدل الذي طرح عقب المراسلة التي أجراها الرئيس المؤقت السابق منصف المرزوقي نحو رئيس الحزب نداء تونس ومنافسه في الرئاسية حينها الباجي قايد السبسي، مطالبا إياه بتعيين الشخصية التي سيتم تكليفها بتشكيل الحكومة.

رفض نداء تونس تلك المراسلة معتبرا أنّ من يكلف رئيس الحكومة هو رئيس الجمهورية المنتخب الجديد والذي لم يقع انتخابه بعد. وكان هناك غموض في النص القانوني يجيز أكثر من تأويل. وكادت تونس تدخل في أزمة حكم لولا تدخل الحوار الوطني الذي عاد إلى الانعقاد، بعد أن كان قد أعلن عن نهاية نشاطه قبيل ذلك، نظرا لخطورة المشكلة.

فتوسط الرباعي الراعي للحوار الوطني لدى الرئيس المؤقّت منصف المرزوقي ليوقف إجراءات التكليف تجنبا لأزمة خطيرة كانت ستقع فيها تونس. وتدخل أيضا رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي لدى المرزوقي الذي قبل الوساطة وأوقف المشكلة.

ولابدّ من التذكير بأن السبسي كان قد أعلن، منذ فوز حزبه بالأغلبيّة النيابيّة، بأنّ لديهم من الكفاءات ما يكفي لتشكيل ثلاث أو أربع حكومات، وأنّ أمر الحكومة سيكون سريعا ولا تعطيل فيه. ولم يكن السبسي على دراية كافية بشروط تشكيل الحكومات ولا بخطورة المرجل الذي كان يغلي داخل حزبه. فالرجل بدا أكثر من مرّة في صورة الممسك بكل أعنة حزبه، المدير لكل شؤونه.

والسبسي بدا حينها أنّه كان على وعي بصعوبة تحقيق التوليفة الضامنة لتشكيل حكومة مستقرّة، قادرة على العمل براحة كافية من أجل تنفيذ برامجها وأجنداتها.

لهذه التوليفة وجوه وعناوين داخليّة، منها ما هو سياسي، ومنها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو أيديولوجي، ومنها ما هو مدني، ومنها ما هو سوسيو سياسي على ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة وحيثيّاتها، ومنها ما هو خارجي سياسي واقتصادي.

فهناك معطيات وحسابات لا يمكن لحزب نداء تونس المقدم على الحكم أن يتناساها أو أن يلغيها، أهمّها المعطى الاجتماعي المتمثّل في ثقل الاتحاد العام التونسي للشغل، والمعطيان السياسيّان المتمثّلان في القوّة البرلمانيّة لحركة النهضة، والقوّة الاحتجاجيّة والشبابيّة للجبهة الشعبيّة. وكان على نداء تونس أن يختار من بين جملة من خيارات التحالف والتشارك وخيارات الحكم أثناء تشكيل حكومته.

ولكن، وبعد فوز السبسي بالرئاسية واستقالته من رئاسة الحزب بمقتضى الدستور، غادر إلى قصر قرطاج وترك حزبه بين يدي صديقه وذراعه اليمنى محمد الناصر رئيس مجلس نواب الشعب، والطيب البكوش الأمين العام للحزب. وأخذ السبسي معه إلى قرطاج أهم الرجال الأقوياء في نداء تونس منهم محسن مرزوق ورضا بلحاج وبدأ مرجل نداء تونس في الغليان.

إطارات نداء تونس ستتوزع بين ثلاثة هياكل؛ رئاسة الجمهوريّة والكتلة البرلمانيّة والحكومة.

المؤسسة الوحيدة التي تم تركيزها إلى حد الآن من قبل حزب نداء تونس والتي تبدو مطمئنة هي رئاسة الجمهورية التي تولاها السبسي بنفسه

فمن وقع انتدابهم في قصر قرطاج تسمّى أغلبهم برتب وزراء وكتاب دولة ولا حاجة لهم بالحكومة، بل إنّ الرئاسة أبقى وأهدأ وأكثر راحة ورفاها وأقل مشاكل لأن رئيس الجمهوريّة منتخب لخمس سنوات، بينما الحكومة رئيسا وأعضاء مكلفون، وإذا لم ينجحوا يمكن أن يتمّ إلغاء تكليفهم من الرئيس أو من البرلمان، أو بفعل عوامل أخرى كالمعارضة السياسيّة أو التحركات الاجتماعية.

المؤسسة الوحيدة التي تم تركيزها إلى حد الآن من قبل حزب نداء تونس والتي تبدو مطمئنة هي رئاسة الجمهورية التي تولاها السبسي بنفسه وهو من اختار أعوانه ومساعديه من داخل الحزب ولكن دون تدخل الحزب. طبعا أعاد السبسي ما فعله سلفه المرزوقي وما كان يلام عليه أي أنه حصر من انتدبهم في قرطاج في حزب نداء تونس، وقصر الخطط والوظائف عليهم دون سواهم من التونسيين.

ولكن رئاسة الجمهورية أخفقت في تنظيم أول نشاط كبير في قصر قرطاج ألا وهو الذكرى الرابعة لثورة 14 يناير، حيث قاطع الرئيس السبسي مراسم الاحتفال كاشفا عن ضيق صدر بجرحى الثورة وعائلات الشهداء.

بقيت معضلة الحكومة التي لم تمر على نداء تونس دون مشاكل كما صرّح السبسي إبان الكشف عن نتائج الانتخابات قبل ثلاثة أشهر. فلقد خاض الحزب نقاشات طويلة حول مسألتين؛ شخص رئيس الحكومة، أولا، واختيار الوزراء من خارج الكتلة النيابية. وظهر في نداء تونس انقسام حول المسألتين.

فحول مسألة شخص رئيس الحكومة كان هناك موقفان؛ الأوّل أن يكون رئيس الحكومة من داخل الحزب، وهذا رأي الكتلة النيابية للحركة، والثاني أن يكون من خارج الحزب وهو رأي السبسي ودائرته الضيقة في الرئاسة.

وحول المسألة الثانية كان هناك اعتراض كبير من قبل نسبة كبيرة من النوّاب يرون ضرورة تشريك النواب في الحكومة وتسليمهم حقائب وزارية. بينما يرى السبسي ومن معه أنّ النواب انتخبوا لينوبوا الشعب ويكونوا عينه وأذنه وضميره. ولذلك عليهم أن يلتزموا بما انتخبوا من أجله.

وبعد أن فرض السبسي رأيه وتم تكليف حبيب الصيد بتشكيل الحكومة، بدت ملامح تصدّع على الكتلة النيابية التي تعد قوة الحكم الفعلية لنداء تونس. ولم يتمكّن نداء تونس من السيطرة على احتجاجات نوابه الذين اجتمعوا على انفراد في جهة الحمامات، ولم يخف الكثير منهم رفضه لخيار الصيد.

لم يكن اختيار شخص رئيس الحكومة محل توافق داخل الحزب الحاكم. فالصيد لم يشارك في الانتخابات ولم يساهم في صياغة البرنامج الانتخابي الذي يفترض أن التونسيين قد انتخبوا على أساسه نداء تونس. فأي برنامج سينفذ الصيد الذي يبدو أنه لن يشكل حكومة حزبية؟

إذا كانت حكومة الصيد غير حزبية فهل يعني ذلك أنه سيشرع في وضع برنامج لحكومته بعد تشكيلها، أم أنه سينفذ برنامج نداء تونس بأعضاء من خارجه؟ وكيف يمكن لوزير من حزب ما أن يطبق برنامج حزب آخر؟ والسؤال المولّد لكل الأسئلة السابقة هو؛ لماذا اختار السبسي حبيب الصيد لتكليفه بتشكيل الحكومة رغم هذه المشاكل والمتناقضات التي أشرنا إليها؟ وما هي مخاطر اختياره؟

أعتقد أن اختيار الصيد كان لسببين رئيسين. الأول هو أنه رجل دولة كما يحب السبسي باعتبار أنه كان قد شغل وظائف عليا في نظام بن علي وفي حكومة حمادي الجبالي في عهد الترويكا، وتولى حقيبة الداخلية في حكومة السبسي الانتقالية سنة 2011. والثاني أنه الشخصية التي تحظى برضاء النهضة التي كانت أكبر مهلل لهذا الاختيار. فالرجل كان مستشارا أمنيا في ديوان رئيس الحكومة الأسبق النهضوي حمادي الجبالي. وهو بعيد عن الأضواء ولم يعبر عن ميل أو اقتراب من أي حزب. ولم يظهر أبدا أي نقد لحكم الترويكا ولا للمشاكل المتعلقة بحركة النهضة.

فاختيار الصيد كان أساسا لاستمالة النهضة وطمأنتها بعد استرضائها بانتخاب عبدالفتاح مورو نائبا أول لرئيس مجلس نواب الشعب. ومن أكبر المخاطر التي يمكن أن تنجر عن هذا الاختيار تصدع الكتلة النيابية لنداء تونس وخروجها عن السيطرة بما سيعطل عمل حكومة الصيد، بل وحتى سحب الثقة منها مما قد يجبر السبسي على أحد خيارين مرين؛ إمّا أن يعدل عن اختياره ويكلف شخصا من داخل نداء تونس بتشكيل حكومة يكون عمودها الفقري من داخل النداء، وإمّا أن يدخل في لعبة لي ذراع مع نوابه فيلتجئ إلى التعويل على كتلة حركة النهضة ومن معها لإسناد حكومة الصيد.

وهذا ما سيؤثر حتما في استقرار تونس. فالأوضاع التونسية، كلها، الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والتربوية وغيرها تحتاج إلى حد أقصى من الاستقرار، ولا تحتمل أي اضطراب جديد قد ينتج عن الفراغ.


كاتب وباحث سياسي تونسي

9