مخاطر الائتمان تزيد من إرباك الحسابات المالية والاقتصادية لتونس

تراجع قيمة السندات الصادرة بالعملة الصعبة إلى مستوى قياسي يبرز قلق المستثمرين حيال أزمة تونس فضلا عن قدرتها على تدبير التمويل اللازم لتفادي المشاكل الاقتصادية.
الثلاثاء 2021/07/27
مخاوف من اتساع دائرة المخاطر

خيّم الغموض والقلق على مستقبل الأوضاع المالية والاقتصادية في تونس بعدما حملت توقعات المحللين نظرة أكثر تشاؤما بشأن بروز مخاطر ائتمانية محتملة في ظل دخول الأزمة السياسية بالبلاد نفقا مظلما سرعان ما ظهر ذلك جليّا في تراجع قيمة السندات السيادية.

تونس- ازدادت احتمالات تزعزع الثقة في المتانة المالية لتونس وعدم قدرتها على سداد ديونها الخارجية نتيجة الرؤية الضبابية التي خلفتها التطورات السياسية المتسارعة في البلاد والتي أثرت بشكل لافت على قيمة السندات السيادية المقومة بالدولار.

وتراجعت قيمة السندات الصادرة عن البنك المركزي التونسي بالعملة الصعبة إلى مستوى قياسي الاثنين متأثرة بالقرارات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في خطوة مفاجئة مساء الأحد الماضي بإقالة الحكومة وتعليق عمل البرلمان ليواجه البلد أحد أكبر أزماته خلال العشرية الماضية.

رضا أغا: ما حصل يعكس صعوبة الأوضاع التي تعاني منها البلاد منذ 2011

وتعاني تونس أصلا من تحديات اقتصادية أذكتها جائحة كورونا بسبب السياسات الحكومية المرتبكة، مما نجم عنها تراجع الإيرادات وارتفاع النفقات، في وقت تذبذب فيه سعر صرف الدينار التونسي ضمن نطاق ضيق نزولا بنسبة 0.3 في المئة.

ومن المرجح أن تزيد الأمور غموضا في ما يتعلق بسداد ديون البلاد، خاصة وأن معظم الشعب يلقي باللوم على حكومة الترويكا، التي قادتها النهضة في 2013 حين أغرقت البلاد في حالة من الفوضى الاقتصادية واستمرت كل تلك المشاكل حتى اليوم.

ويعتبر محللو أسواق المال أن هذا الانخفاض يبرز قلق المستثمرين حيال الأزمة السياسية في تونس، فضلا عن قدرتها على تدبير التمويل اللازم لتفادي المشاكل الاقتصادية التي تفاقمت بسبب الأزمة الصحية.

وقال رضا أغا رئيس استراتيجية ائتمان الأسواق الناشئة في ليجال آند جنرال انفستمنت مانجمنت إن “هذه التطورات تشير فحسب للوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الصعب الذي تعاني منه البلاد منذ 2011”.

وبحسب بيانات تريدويب نزل إصدار السندات السيادية التي ينتهي أجلها في عامي 2024 و2027 بأكثر من خمسة سنتات لكل منها، إلى أدنى مستوى منذ ما يربو على عام. كما نزلت السندات التي ينتهي أجلها في 2027 إلى 86.57 سنت.

كما أظهرت البيانات أن إصدار السندات التي ينتهي أجلها في 2025 نزل بمقدار 4.8 سنت ليتداول عند 83.88 سنت في الدولار، وهو أدنى مستوى منذ ما يزيد على 14 شهرا. ومُنيت إصدارات عامي 2024 و2025 بأكبر هبوط على الإطلاق.

ونسبت وكالة رويترز إلى مسؤول تونسي رفض ذكر هويته لأنه ليس مخولا بالحديث بشأن المسألة قوله إنه “يتوقع تعافي أسعار السندات بعد أن يعيّن سعيد حكومة جديدة”.

وأضاف “أعتقد أنه أمر طبيعي بالنسبة لتلك الظروف وسرعان ما ستعود مع الإعلان عن رئيس وزراء جديدة وحكومة جديدة”.

تيم أش: السوق قلقة بشأن مستقبل تونس ومشاركة صندوق النقد

وكتب المحللان في بنك باركليز إبراهيم رزق الله ومايكل كافي في مذكرة بحثية الاثنين “أدى قرار الرئيس سعيد بتجميد العمل التشريعي بتونس إلى أزمة دستورية جديدة أكثر حدة من وجهة نظرنا، مما أضاف مخاطر متزايدة إلى التقلبات السياسية والاجتماعية في الأسابيع المقبلة”.

وأظهرت بيانات آي.أتش.أس ماركت أن عقود مبادلة مخاطر الائتمان التي أجلها خمس سنوات المركزي التونسي بلغت 751 نقطة أساس، بزيادة نقطة أساس واحدة عن إغلاق الجمعة الماضي. وزاد المستوى إلى مثليه تقريبا مقارنة به قبل عام.

وتعتمد النظرة المستقبلية لتونس جزئيا على قدرتها على تدبير تمويل جديد من صندوق النقد الدولي، لكن المسار يبدو صعبا خاصة وأن لديها سابقتين منذ 2011 ولم تتمكن الحكومات في ذلك الوقت على استكمال الإصلاحات من أجل الحصول على الشرائح المتبقية من التمويلات.

وتسعى تونس للحصول على قرض مدته ثلاث سنوات بقيمة أربعة مليارات دولار للمساعدة في استقرار وضع ميزان المدفوعات بعد اتساع عجز ميزان المعاملات الجارية إلى 7.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي.

وقال تيم أش كبير خبراء الديون السيادية للأسواق الناشئة في بلو باي آست مانجمنت لرويترز إن “السوق قلقة بشأن النظرة المستقبلية ومشاركة صندوق النقد الدولي”. وتابع “كان الحديث عن إجراء حوار في الصيف على أمل التوصل لاتفاق في سبتمبر أو أكتوبر. ولكن الآن ثمة علامة استفهام بشأن هوية من سيكون رئيس الوزراء الجديد ومن سيكون لدية سلطة التعامل مع صندوق النقد”؟

تترسخ حقيقة أن تونس تحتاج إلى معجزة للخروج من دائرة النظرة الدولية السلبية في تصنيف أوضاعها الاقتصادية، والتي تتفاقم بفعل مخاطر انحسار السيولة النقدية بعد أن وضعتها وكالة فيتش للتصنيف الائتماني في قائمة المراقبة السلبية.

ويؤكد خبراء أن خفض فيتش في وقت سابق هذا الشهر تصنيف تونس طويل الأجل لمصدر العملات الأجنبية من بي إلى بي سالب مع نظرة مستقبلية سلبية لم يكن مفاجئا.

تسعى تونس للحصول على قرض مدته ثلاث سنوات بقيمة أربعة مليارات دولار للمساعدة في استقرار وضع ميزان المدفوعات بعد اتساع عجز ميزان المعاملات الجارية

وذكرت وكالة فيتش في تقرير حديث أن خفض التصنيف والتوقعات السلبية لتونس يعكس زيادة مخاطر السيولة المالية في ظل الضبابية التي ترافق عملية الإصلاح الاقتصادي، مع المزيد من التأخير في الاتفاق على برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي.

وقبل ذلك، قالت وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني في مايو الماضي إن التخلف عن سداد ديون سيادية ربما يكلف البنوك التونسية ما بين 4.3 مليار دولار و7.9 مليار
دولار. وهذا الرقم يعادل نسبة تتراوح بين 55 في المئة و102 في المئة من إجمالي رأسمال النظام المصرفي أو 9.3 في المئة إلى 17.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2021

11