مخاطر الخارج تتآمر مع فوضى الداخل والنزاعات العرقية أساس الأزمة

الجمعة 2013/11/01
الحرب الأهلية استغلت ثغرة الطائفية ليشتعل هشيمها في العراق وسوريا

شهد العالم العربي بدءا من الغزو الأميركي للعراق، في عام 2003، ومرورا بثورات ما يطلق عليها بـ»الربيع العربي»، أو كما يحلو للبعض تسميتها بثورات الصحوة الإسلامية، خدمة لمصالحه، وتوظيفا لها في تدخلاته، وليس انتهاء بتبعات هذه الثورات، شهد العالم العربي حالة من الفرز والاستقطاب الديني والمذهبي والعرقي.

والحقيقة أن هذه الأحداث، لم تأت بوصفها نتيجة مباشرة لإفرازات البعد الديني والمذهبي والعرقي، فالعامل الخارجي، والوضع الداخلي كان له الأثر الجلي في ذلك. ولكن في المقابل، يمكن القول إن تلك الأحداث، قد هيأت الأرضية لتندفع معها هذه الأبعاد إلى السطح بصورة أكثر وضوحا. هذا الأمر بدوره يقودنا إلى نتيجة مفادها، أن البيئة الداخلية في تلك الدول، كانت وبلا شك بيئة طاردة وغير قادرة على احتواء مثل تلك الأبعاد، وبالتالي يأتي العامل الخارجي، ليوظف تلك العوامل لتفتيت أسس التكامل الوطني لهذه الدولة أو تلك.


خطورة البعد الديني والمذهبي والعرقي


النقطة الجديرة بالإشارة هنا قبل الخوض في غمار هذا الموضوع، هي أنه لا يجب أن ينظر لمثل هذه الأبعاد من منظور كونها عوامل تدفع على الدوام إلى تأزيم الموقف في الدول، وتحُول دون ظهور وحدة وطنية قوية. فالعالم العربي في السابق، لم يكن أقل تعددية طائفية ومذهبية وقومية عمّا هو عليه اليوم، غير أنه لم يقع ضحية ذلك التوظيف والتناحر الطائفي، بل على العكس من ذلك، أنجب أقوى الحركات الوطنية والدول المستقلة التي نشأت عنها في مصر وسوريا والعراق وبقية البلدان المتعددة الطوائف، في لحظةِ ترفُعٍ من قبل جميع الطوائف، والطبقات، والأقوام على الحساسيات التقليدية كلها، وأشكال التعصب والانغلاق الماضية، لإقامة جمهورية تعددية ديمقراطية مفتوحة بالتساوي لجميع أبنائها. ونشأت الدولة الحديثة وتكونت منذ البداية بوصفها دولا وطنية لا تميّز بين أبنائها. ولكن وجود مثل هذا التنوع في دولة ما يلقي، بلا شك على عاتق الحكومة جهودا مضاعفة عن دول أخرى لا تتباين فيها الأعراق والأديان والمذاهب داخل مجتمعاتها، وذلك في سبيل تحقيق الموائمة، والتوافق، والانسجام بين مختلف الأعراق والطوائف.

التنوع الطائفي والعرقي في العراق
80 في المئة من سكان العراق من العرب

33 في المئة نسبة السنة

60 في المئة نسبة الشيعة

15 في المئة نسبة الأكراد

تعتبر ظاهرة التعددية المجتمعية ظاهرة عالمية، تعرفها المجتمعات المتقدّمة والنامية على حد سواء. لكن الفارق بينهما، أن أغلب الدول المتقدمة، نجحت في إرساء قواعد لحل هذه المشكلة، وتحويلها إلى عناصر قوة وثراء، بينما لا تزال بلدان العالم الثالث متعثّرة في هذا المجال.

وبالنظر إلى بعض النماذج المشرقة في الغرب، يمكن أن تكون سويسرا خير دليل على ذلك. فبالرغم من التباين العرقي (الألماني، الفرنسي، الإيطالي، الخ..) ، والتباين الديني (الكاثوليك، البروتستانت، العلمانيين، الخ..)، استطاعت سويسرا أن تحتوي ذلك التنوع في اتحاد فيدرالي دفع بهذه الدولة، إلى أن تكون في مصاف الدول المتقدمة في العديد من المجالات. وفي المقابل هناك نماذج مروعة لخطورة البعد الديني والمذهبي والعرقي في حال الفشل في احتواء تلك الأبعاد، وصهرها في بوتقة الوحدة الوطنية. فالتطهير العرقي في يوغوسلافيا السابقة، ورواندا، وما يشهده المسلمون في ميانمار، خير دليل على خطورة هذه الأبعاد.

العالم العربي أيضا لا يخلو من هذا التنوع العرقي والديني والمذهبي، وأثبتت الثورات الأخيرة، فشل حكومات بعض الدول العربية في احتواء ذلك التنوع الذي ولد بدوره احتقانا داخليا، دفع إلى ظهور تلك الصراعات على الملإ. فتأتي الطائفية كما يراها برهان غليون، بوصفها السوق السوداء، أو الموازية للسياسة، التي تظهر بمقدار ما تفسد سوق السياسة الطبيعية، أو يتم التلاعب بها أو تُلغى، فهي ممارسة سياسية ملتوية في ميدان الصراع على السلطة بالمعنى الواسع للكلمة، إذن يصبح التوظيف السياسي للطائفية، خطرا حقيقيا في تفكيك البنية الاجتماعية تُغلب معها الطائفية على الوحدة الوطنية. ويتمثل دور القوة السياسية هنا، في قدرتها

على الارتقاء فوق المصالح الجزئية، والعصبيات الخاصة، لتصبح في مستوى المسؤولية الوطنية.


التنوع الديني والعرقي في العالم العربي


بالنظر إلى العالم العربي، يلاحظ وجود التباين العرقي، والديني، والمذهبي، في العديد من دوله. ففي العراق مثلا، يشكل العرب ما نسبته 80 في المئة من السكان، في حين يأتي الكرد ليشكلوا 15 في المئة. أما على مستوى التنوع الديني والمذهبي، ففي حين يشكل الشيعة ما يقارب 60 في المئة، فإن نسبة السنة في العراق تناهز الـ33 في المئة. وبالنظر إلى لبنان، فإن 60 في المئة تقريبا من السكان، هم من المسلمين بتنوع مذاهبهم السنية، والشيعية، والدروز، وغيرها، أما المسيحيون فنسبتهم 39 في المئة. ويشكل الأكراد السوريون 9,7 في المئة من سكان سوريا، أما الأغلبية فهم العرب الذين يشكلون 90,3 في المئة من السوريين. أما في ما يتعلق بالتنوع الديني، ففي الوقت الذي يشكل المسيحيون 10 في المئة من السكان، يتعدد المسلمون في مذاهبهم بسوريا حيث يشكل السُنة 74 في المئة، في حين يشكل العلويون والدروز 16 في المئة من السكان.

يصبح إذن التنوع الطائفي، والعرقي، والمذهبي، أمرا واقعا لا سبيل إلى تجاهله، بل يجب الإقرار به، سعيا لاحتوائه وتوظيفه بالصورة التي تعود بالنفع إلى الوطن والوحدة الوطنية. وحين نتحدث عن ذلك الاحتواء، فإننا لا نقصد بعض النماذج التي في ظاهرها حلول، وفي باطنها تأكيد على تقسيم المجتمع وفق أبعاده الطائفية والمذهبية والعرقية، ليعيش المجتمع في كينونات افتراضية، فرضتها حلول لذلك التنوع عن طريق اختيار المحاصصة سبيلا لتحقيق التوافق بين ذلك التنوع.

1000 قتيل تقديرات ضحايا تصاعد أعمال العنف الطائفية خلال شهر أيلول في العراق

وإذا كان هذا الأمر يعتبر في شكله الخارجي حلا، فإنه وبالنظر إلى نماذج في عالمنا العربي كلبنان مثلا، نرى أن هذا النوع من المحاصصة قد دفع بكل فريق أن ينكفئ على نفسه متحالفا مع غيره في سبيل تحقيق مصالحه بالدرجة الأولى، ولو كانت على حساب المصلحة الوطنية. ويأتي هذا الأمر لاحقا لينسحب على العراق وليأتي معه اتحاد طائفي وإثني فيدرالي. وجاءت النتيجة الطبيعية لاعتماد القسمة على الأسس الطائفية، والإثنية، غياب العنصر «التوحيدي»، وغياب فكرة «الوطن الواحد».

ونحن لسنا هنا لنحكم على ما إذا كان هذا النظام أو ذلك هو الأنسب لتطبيقه؛ فقد يأتي أسلوب المحاصصة ليتناسب مع دولة تشترك في نفس التنوع العرقي مع دولة أخرى، غير أن هذه الأخيرة، لا يناسبها ذلك، بل يزيد من الفجوة، والجفاء بين الأعراق والطوائف فيها. ولدرء خطورة الأبعاد الدينية والمذهبية والعرقية، ترى هذه الورقة التي بين أيدينا أن هناك عاملين رئيسيين في هذه المسألة، يأتي العامل الأول في دور السلطة والحكومة بوصفه إما معالجا لتلك الأخطار، وإما مؤججا لها. ويظهر ذلك جليا في مدى اهتمام السلطة بهذه الأبعاد عن طريق الاعتراف بها كخطوة أولى، ومن ثم انتقاء الوسائل المناسبة لتحويلها من معضلة، إلى عامل مساعد في بناء النسيج الاجتماعي القوي الذي يدفع بدوره إلى وحدة وطنية قوية. وتلعب الإرادة التي تلف الأطياف والأعراق في الدولة الواحدة، دورها للوصول إلى تفاهمات تعزز الوحدة الوطنية، وتعلو بمصلحة الوطن على ما سواه.

أما العامل الثاني، فهو العامل الخارجي، والذي يأتي على الدوام بوصفه عاملا سلبيا، وخطرا يسعى إلى توظيف مثل هذه التباينات خدمة لمصالحه، ولذا يصبح العامل الداخلي، الوسيلة المثلى لدرء خطر العامل الخارجي في تأجيج تلك الأبعاد.

ولما كانت تلك الخطوات جميعها تصب في ظهور وحدة وطنية، نستعرض في السطور القادمة مفهوم الوحدة الوطنية، ومن ثمّ السبل لإبعاد شبح خطورة الأبعاد الدينية والمذهبية والعرقية.


مفهوم الوحدة الوطنية


ظهر مع مفهوم الدولة الحديثة بحدودها السياسية والتي استوعبت معها تنوعا عرقيا ودينيا ومذهبيا، مفهوم الوحدة الوطنية لاستيعاب ذلك في بوتقة واحدة. فالوطنية كما يراها سليمان الطماوي في كتابه الوحدة الوطنية، هي انتماء الإنسان إلى دولة معينة يحمل جنسيتها ويدين بالولاء إليها، على اعتبار أن «الدولة ما هي سوى جماعة من الناس تستقر في إقليم محدد وتخضع لحكومة منظمة». وبذلك تصبح الدولة بحدودها وكيانها هي العنصر الرئيس ليكون ذلك الشعب تحت مظلة واحدة، بغض النظر عن التباين العرقي والمذهبي. فحين يأتي معنى الوحدة الوطنية كما يرى «ماركس» بوصفها القضاء على الصراع والانقسام بين أفراد المجتمع، معتبرا أن وجود تفاوت طبقي اقتصادي في المجتمع، هو الذي يؤجّج مثل هذه الصراعات فإنها تصبح البوتقة التي انصهرت فيها القوميات والجماعات الثقافية ذات اللغات المتعدّدة والأديان المختلفة.

وهذا بلا شك، لا يعني بأي حال من الأحوال، طمس ذلك التنوع العرقي والمذهبي والديني، بل إن هذا الأمر ينصهر في داخل المظلة الوطنية، ومحتفظا في الوقت ذاته بخصائص ذلك التنوع. وما يساعد على هذا الأمر إلا أهمية وجود التجانس والتناغم بين الحاكم والمحكوم وتعزيز دعائم الوحدة الوطنية لتصهر معها مختلف التنوعات، فالوحدة الوطنية كما يراها «جان جاك روسو»، هي قيام عقد اجتماعي بين الشعب والنظام السياسي القائم بحيث يتوحد الشعب في وحدة قومية مصيرية. إذن فالوطنية لن تأتي على حساب البعد القومي والمذهبي والعرقي، بل على العكس تماما، تعاضد المجتمع بكل مكوناته في خلق بيئة من المواءمة والتعاون.


عوامل درء مخاطر الأبعاد الدينية


1 - العوامل الداخلية

دور السلطة: هناك العديد من الجوانب التي من شأنها أن تسهل من دور السلطة في تدعيم أسس الوحدة الوطنية، من بينها:

• الاعتراف بوجود التنوع الطائفي والمذهبي والعرقي داخل المجتمع

• الضمانات الدستورية للتعددية

• تحقيق تكافؤ الفرص

• التوزيع العادل للثروة والتنمية الشاملة

• التأكيد على الوسطية في المجتمع

• تنمية الروح الوطنية

• التوظيف الصحيح لوسائل الإعلام

• توظيف المناهج التعليمية لدعم الوحدة

2 - العامل الخارجي

تسعى الدول في سبيل تحقيق مصالحها، إلى تبني العديد من الإستراتيجيات، منها ما يأتي حتى على حساب دول أخرى واستقرارها.

ويعتبر البعد الديني أو المذهبي أو العرقي، من أخطر الوسائل التي تسعى الدول لتوظيفها. فقد شهد العالم العربي في الفترة الأخيرة، تصاعدا للاستقطاب المذهبي لم يكن العامل الخارجي ببعيد عن ذلك المشهد، بل أصبح عنصرا فعالا في تأجيج مثل تلك النعرات التي دفعت بدورها إلى إحداث أضرار جسيمة بالنسيج الاجتماعي.

ولا تزال الشواهد حاضرة حتى يومنا هذا ومرشحة للتصعيد في حال انكشاف تلك الدول على العامل الخارجي الذي لن يتوانى في استغلال هذا الأمر لخدمة مصالحه.

إن تعزيز الهُوية الوطنية، وظهورها بوصفها مظلة لجميع أطياف الشعب على اختلاف أديانه ومذاهبه وأعراقه، هو الحل الأنجع لوأد مثل هذه التوجهات. كما أن القضاء على الطائفية، وتفكيك وتفويت الفرصة لتأجيجها يعتبر حائط صدّ لانكفاء المجتمع على نفسه في سبيل خلق النسيج الاجتماعي الموحد له، والانفتاح بعدها على المجتمع لتحقيق التكامل ليعود بالنفع للمجتمع بجميع فسيفسائه.

ولن يتحقق هذا الأمر سوى بتكاتف النسيج المجتمعي وخلق المواءمة بينه وبين سلطته الحاكمة وفق الاحترام وتغليب المصالح الوطنية.

7