مخاطر تقاطع الميليشيات والمقاتلين الأجانب في ليبيا

الصحراء الأفريقية بيئة حاضنة للتنظيمات الإرهابية التي تشكل خطرا أمنيا كبيرا على المنطقة.
الجمعة 2019/08/30
المقاتلون الأجانب قنابل موقوتة

يمكن وصف الفترة الحالية في دول الساحل والصحراء الأفريقية بأنها الأكثر اضطرابا في التاريخ الحديث للمنطقة، ويتجلى مكمن هذا الاختلال في التغيرات العميقة التي أصابت المنطقة منذ ظهور الميليشيات الإسلامية المسلحة على المسرح الليبي، بالإضافة إلى توطين شبكات من المقاتلين الأجانب على حدود دول الساحل والصحراء، حيث التحق جزء كبير منهم بالصراع الليبي لأسباب ظرفية أو استراتيجية.

 مهما تكن طبيعة إفرازات التطورات الأخيرة في الأزمة الليبية، فإن التسوية السياسية لا يمكن أن تجد سبيلها والبلد لا يزال متشابكا مع تصاعد أخطار وتهديدات الميليشيات المتحالفة مع شبكات المقاتلين الأجانب داخل دول الساحل والصحراء. وهو ما يشير إلى حجم أخطار التعقيدات والتهديدات الذي يرافق نمو ظاهرة شبكات المقاتلين الأجانب التي أصبحت جهات فاعلة، ولها روابط، وقنوات تنتظم فيها تفاعلاتها وعلاقاتها الميدانية الداخلية والخارجية بالرغم من كون أغلب أعضائها لا يحملون الجنسية الليبية.

من الواضح جدا أن الكثير من الشبكات التي أقامها المقاتلون الأجانب القادمون من مالي، وتشاد، والنيجر أو السودان التحقت بالميليشيات المسلحة الليبية سواء بتجنيدها كمرتزقة، تقدم لها هذه الأخيرة نظير خدماتها دعما مدفوع الأجر بأشكال شتى، أو يتم توظيفها غالبا في الجنوب الليبي بسبب الخلل الديمغرافي في هذه المنطقة لخلط أوراق النزاع بين مكوناته الإثنية والقبلية.

وتشير الاعتداءات في الجنوب الليبي من طرف ميليشيات تشادية مدعومة بحركات جهادية إلى أن ازدياد تجنيد المقاتلين الأجانب، يمكن أن يلعب دورا كبيرا تصعب السيطرة عليه في المستقبل القريب عبر المحاور التالية: محور الجنوب الغربي الذي أصبح دائرة تحرك للفارين من مالي عبر النيجر إلى ليبيا، ومحور الجنوب الذي يمكن أن يضم عناصر من قبائل “التبو” من شمال تشاد، وعناصر من حركة بوكو حرام عبر شمال الكاميرون إلى تشاد جارة جنوب ليبيا، فضلا عن محور الغرب حيث القادمون من تونس إلى منطقة سرت، أو من الجزائر بخاصة الذين يستهدفون منطقة غات والقطرون، بالإضافة إلى محور الجنوب الشرقي حيث القادمون من شمال غرب السودان عبر مثلث العوينات المصري- الليبي- السوداني، ثم المحور الشرقي المفتوح على تسرب القادمين من غزة عبر الأنفاق، والهاربين من مصر عبر واحات الصحراء الغربية إلى الشمال الشرقي الليبي، بخاصة إلى درنة وطبرق، وبنغازي (الحدود المصرية – الليبية ممتدة إلى 1150 كم).

إرهاب في ست دول

استغلال الفوضى
استغلال الفوضى

إزاء هذا السياق وتطوراته في محاور تسريب تعد الأضعف في جغرافية ليبيا، والتي تطل على حدود ست دول، تبقى أغلب هذه المحاور غير مؤمنة بدرجات كافية، وبعضها يعاني من ثغرات كبيرة نظرا لكبر مساحة ليبيا وقلة سكانها.

ورغم الأرقام المتضاربة حول أعداد المقاتلين الأجانب، تشير إحصاءات الجيش الأميركي في 2016 إلى 4000 و6000 مقاتل، أغلبهم كان في مدينة سرت معقل داعش السابق.

شكَل التونسيون في ما مضى حصة الأسد من المنتمين إلى داعش، بالإضافة إلى حضور مقاتلين من مصر، والجزائر، والمغرب، والسودان، والصومال. لكن الجديد في الأمر لا يكمن في حضور هذه الجنسيات بل في حضور أعداد لا يستهان بها من دول الساحل والصحراء، خاصة من السنغال، وغامبيا، وغانا، ومالي، والنيجر، وتشاد، وإريتريا، ونيجيريا، التي تقدر حصة كل منها بين 100 و150 مقاتلا داخل كل من الميليشيات والجماعات الجهادية الليبية على حدة.

لا شك في أن كل هذه التهديدات مجتمعة، يمكن أن تدفع المسرح الإقليمي إلى استمرار الحرب الأهلية التي تمزق ليبيا، واستفحال الصراع المستمر في منطقة الأزواد شمال مالي، واتساع دائرة نشاط بوكو حرام في بحيرة تشاد، بالإضافة إلى اتساع نطاق الهجمات المتكررة لتنظيم داعش في الصحراء الكبرى، وخاصة على حدود النيجر في منطقة تونغو- تونغو كما وقع مؤخرا، ثم الهجوم الدامي الذي وقع في منطقة إيناتس الحدودي وما تلاه من اغتيال عمدة المدينة، ومقتل أكثر من 27 جنديا في منطقة كوتوغو شمال بوركينا فاسو.

كما أبرمت تحالفات عقدتها الميليشيات في ليبيا مؤخرا مع مقاتلين من التبو وتنظيمات تشادية متمردة بغية فتح جبهة أخرى مع الجيش الليبي في الجنوب.

إن ميليشيات بهانغا الانفصالية في مالي هي تحت إمرة إبراهيم أغ بهانغا توسع من دائرة تحالفها مع حركة الأزواد الوطنية، كما أن انخراط حركات دارفورية مسلحة ومرتزقة من تشاد في صراع الفرقاء الليبيين، جعل من شمال شرق غرب السودان جسرا لعبور الإرهاب من ليبيا إلى السودان ومصر، وذلك باستغلال الوضع السوداني الداخلي الحالي. أما في الجنوب الليبي، فظهر الصراع جليا بين ميليشيات طوارق وفروع قبيلة التبو ومرتزقة من تشاد تسعى كلها إلى التحكم في مسالك تجارة التهريب الحدودية.

إن تأثير الصراع الليبي في مجمل بلدان المنطقة بدا كبيرا جدا، فالأزمة التي تعرفها بلدان الساحل والصحراء تؤثر هي أيضا في ليبيا، حيث خسرت مالي كليا مراقبة الجزء الشمالي من الوطن الأم لصالح جماعات الطوارق المسلحة (الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، وأنصار الدين) والجماعات الإسلامية (القاعدة، موجاو)، التي سيطرت كليا على معابر التهريب (عين خليل، بر، تبانكرت).

مآلات الأزمة الليبية

Thumbnail

أسهمت المعارك الرئيسية على المسرح الليبي في اتساع دائرة التهديد وظهور فاعلين جدد، حيث نجم عن معركة تحرير سرت من التنظيمات الإرهابية تشتت وهروب الداعشيين إلى الحدود التونسية على شكل بؤر ومجموعات صغيرة عدديا، لكنها تظل منتشرة ومتناثرة على نطاق واسع جغرافيا.

إن معركة تحرير طرابلس إن جاءت لاستكمال تحرير الهلال النفطي وحقول الجنوب، وتطهير بنغازي من جماعات الإرهاب، وتحرير درنة وصولا إلى مرزق، وحيازة عدة نقاط استراتيجية في كل من ترهونة، وغريان، وصرمان، وصبراته، والهيرة جنوب طرابلس مؤخرا، فإنها كشفت أن وجود العاصمة الليبية في حماية الميليشيات، لن يساعد على لتي عقدت في باريس وباليرمو (نوفمبر 2018) وصولا إلى أبوظبي (فبراير 2019)، بل أصبح يعقد أي تسوية داخلية بفعل ضعف حكومة الوفاق وفي ظل تنافس ونزاع أربع ميليشيات حول مراكز النفوذ في العاصمة.

إن الحدث الأهم اليوم، هو قدوم مقاتلين، ينتمون إلى قبائل التبو (تيدا) ودازا (غران) من النيجر وتشاد (يتحدثون التيدية، وهم فرع من فرعين من شعوب التبو)، إلى الجنوب لدعم ميليشيات الوفاق، حيث بدأ مقاتلون من قبيلة تيدا من البلدين يلتحقون بجماعات التبو المسلحة في ليبيا، وهنا لا يمكن الفصل بين مسار التبو في ليبيا، والتبو في تشاد والنيجر، فالعلاقات العائلية قوية في الحدود بين مختلف هذه القبائل والجماعات. لكن الملاحظ أن تحرك البعض من شباب تيدا في تشاد والنيجر نحو ليبيا وقتالهم المشترك في الزاوية وصولا إلى الكفرة، ومن أولاد سليمان وصولا إلى سبها والطوارق في أوباري، قد يعقد أوضاع الجنوب الليبي إذا نجح المتطرفون في بث الفتنة، لكن تجدر الإشارة إلى أن مكون التبو الليبي الوطني يرفض تحالف الميليشيات الإسلامية مع المرتزقة التشادية والسودانية، ويرفض العبث بالمكون الاجتماعي للجنوب، وبث المتطرفين للفتنة بين قبائل التبو (5 بالمئة) والطوارق (20 بالمئة) والعرب (غالبية السكان).

الاعتداءات في ليبيا من طرف الميليشيات تشير إلى أن ازدياد تجنيد المقاتلين الأجانب، يمكن أن يلعب دورا كبيرا تصعب السيطرة عليه

تشير تقارير دولية إلى أن عدد المقاتلين الأجانب القادمين من تشاد بلغ في “القوة الثالثة” في عام 2015 حوالي 1200 مقاتل، ينتمي جزء منهم إلى جماعة متمردة يتزعمها محمت نوري الذي كان آنذاك لاجئا في فرنسا، والذي بعث إلى مصراتة قريبا له يدعى محمت مهدي علي للإشراف عليهم هؤلاء، لكن هذا الأخير استغل غياب الأول ليثبت نفسه قائدا عسكريا على جزء من هذه القوات، وما لبث أن قام بتكوين جماعة متمردة جديدة انفصلت عن القوات التي ظلت وفية لمحمت نوري. ثم ما لبث أن انشق التنظيم الثاني بدوره في منتصف عام 2016، وأعلن الفريق الجديد رغبته في الإطاحة بنظام ادريس دبي من ليبيا، وأطلق على نفسه اسم “مجلس القيادة العسكري من أجل خلاص الجمهورية”.

توجد علاقة تأثير متبادل بين مقاتلي جماعة دازا التشادية وفي النيجر، حيث جرت محاولة استقطاب هؤلاء المقاتلين من طرف إبراهيم الجذران سابقا في المثلث النفطي منذ 2014، وعملت الجماعات المسلحة في الزنتان على إغرائهم بالالتحاق بصفوفها، حيث ظهر واضحا ذلك في تجنيد ميليشيات مصراتة المسلحة وحكومة طرابلس في نهاية 2014 لمقاتلين تشاديين من خلال تجميعهم في قاعدة قريبة من منطقة الجفرة، وإلحاقهم بالقوة العسكرية الثالثة التي أوكلت إليها مهمة مراقبة جزء هام من فزان قبل انسحابها مضطرة. وبالتالي، يجد المقاتلون الأجانب من تشاد في ليبيا مآو ووظائف عديدة بحسب الطلب (مرتزقة، تسهيل عبور الهجرة غير الشرعية، تجارة المخدرات، تهريب الأسلحة…).

7