مخاطر سياسة دعم السينما في المغرب تتفاقم

شرعت الدولة في دعم السينما بالمغرب منذ 1980 محدثة “صندوق دعم الإنتاج السينمائي الوطني” في مرحلة أولى، وذلك بإيعاز وضغط من المهنيين الذين عانوا من عدم قدرتهم على استرجاع ما يستثمرونه في إنتاج الأفلام نتيجة كساد نشاطهم كليا أو جزئيا.
الثلاثاء 2015/06/16
إغلاق القاعات ينذر بغياب منافذ العرض السينمائي في المغرب

أحدث المغرب سنة 1980 “صندوق دعم الإنتاج السينمائي الوطني”، لتتم مراجعته سنة 1987، في مرحلة ثانية بعد الإخلالات التي أبانت عنها التجربة، وفي مرحلة ثالثة وقع تعديل ما سبق بنص تنظيمي سنة 2004 يتضمن منح تسبيق على المداخيل المحصلة بعد الإنتاج، والمساهمة المالية في كتابة وإعادة كتابة السيناريو، وتخصيص منحة للأفلام ذات الجودة، وعقد ثلاث دورات سنويا للجنة الدعم بدل دورتين، ومنح الشطر الرابع للأفلام الطويلة دون قيد.

هكذا، ارتفعت وتيرة الإنتاج من خمسة وثلاثين شريطا طويلا وثلاثين فيلما قصيرا ما بين 1980 و1987، ومن ثمانية وخمسين فيلما طويلا وثمانية وثلاثين شريطا قصيرا ما بين الفترة الممتدة من 1987 إلى 1999، وما يقارب خمسة وعشرين فيلما طويلا وستين شريطا قصيرا خلال السنوات الأخيرة.

تندرج سياسة الدعم ضمن خطة عامة للنهوض بالقطاع السينمائي بوجه عام، فبعد دعم الإنتاج قامت الدولة بإصدار قرار رقمنة وتحدیث وإنشاء القاعات السینمائیة، وآخر يهدف إلى دعم تنظیم المهرجانات السینمائیة ابتداء من سنة 2012، في وقت كان المغرب فيه لا ينتج إلاّ أفلاما محدودة بعد جلاء الاستعمار، حيث لم يتمكن المنتجون من إنجاز أفلام مغربية اعتمادا على مجهوداتهم الشخصية المنبنية من إقناع القطاع الخاص والمستشهرين للاستثمار في السينما.

ولم يتمكنوا من جلب الدعم الخارجي الذي يريد أن يجعل من الفن السابع خادما لاستمرار هيمنته الثقافية واللغوية التي لم يتخلص منها المغرب إلى اليوم. وبعد أن كان المغرب يتوفر على 247 قاعة عرض خلال سنة 1985 لم يعد يتوفر اليوم إلاّ على 31 قاعة و57 شاشة، تتمركز في عشر مدن مغربية لا تتجاوز حدودها الجغرافية مدينة أغادير.

لا يمكن الحديث الآن في المغرب إلا عن ثلاثة أفلام مقبولة من بين خمسة وعشرين فيلما تظهر في السنة

ولم يشاهد 41 فيلما مغربيا إلاّ 407267 متفرجا في الفترة الممتدة من أول يناير 2014 إلى حدود الثالث من سبتمبر من نفس السنة، فرغم غموض لغة الأرقام ووضوحها في آن، إلاّ أن الوضع متدهور للغاية إذا علمنا أن العروض شملت أفلاما يعود تاريخ إنتاجها إلى سنتين أو أكثر قبل صدور هذه الإحصائيات.

ضربات موجعة

لقد تلقى هذا القطاع ضربات موجعة خلال السنوات الأخيرة مست مختلف دواليبه، وخاصة قطاع الاستغلال، فلا يمكن أن ينتج المغرب أفلاما لا تصل إلى الجمهور، ولا يعقل أن تغلق قاعات العرض تباعا، بل وأن تختفي بعض التحف المعمارية التي كان لها بالغ التأثير في وجدان الناس؛ فمن المعروف أن دور السينما كانت فضاء لاحتضان العروض المسرحية وحفلات الطرب.

يمكن القول بأن الدعم لا يحفظ البقاء فقط، وإنما قد يساهم في ظواهر سلبية إضافية، ففي الوقت الذي تدعم فيه الدولة السينما والمسرح والكتاب والأغنية والتشكيل، تغلق القاعات السينمائية ويهجرها الجمهور، ولا يذهب الناس لمشاهدة العروض المسرحية، وتتراجع نسبة القراءة ولا يستفيد المؤلف من الدعم ليغتني الناشر وتغلق المكتبات، ويتردّى مستوى الأغنية تأليفا ولحنا وأداء، ويزداد التشكيل اغترابا عن محيطه بفعل اقتصاره على النخبة والأغنياء.

ألسنا بالفعل أمام أزمة بنيوية تطال جل قطاعات الثقافة والفنون والإبداع؟ ألا يتطلب الأمر تجاوز التفكير في الدعم المالي إلى تأهيل المواطنين تربويا واقتصاديا للانخراط الفعلي في التفاعل مع المنتوجات الثقافية الوطنية؟

نلاحظ أن أزمة السينما من محيطها، وأن مستوى إبداعها مجرد مظهر من تجليات صناعها، فلن يستطيع شخص لا يقرأ وله اطلاع ورؤية خاصة أن ينجز فيلما جيدا، ولا يمكن أن تتحقق المتعة من شخص لا يتوفر على الحدّ الأدنى من المعرفة بالفنون والآداب.

تمييع المهنة

دون الدخول في تفاصيل دفتر التحملات الخاص بدعم إنتاج الأفلام، والذي لا يتضمن شروطا تحدد هوية المنتج، انسل إلى الميدان الأميون والمتطفلون وأصحاب “الشكارة” فميعوا المهنة، وصاروا ينتجون أفلاما رديئة وجدت الدولة نفسها مجبرة بقوة القانون على دعمها، ولو جزئيا، بعد الإنتاج. فارتفع عدد الشركات التي لا يتوفر بعضها على مقرات معروفة، وازداد عدد المهنيين الذين يتقن بعضهم الحرفة، ولكن لا يتوفر لديهم الحس الفني الذي من شأنه أن يرقى بالقيم الجمالية ويسمو بها.

247 قاعة عرض كانت متوفرة بالمغرب خلال سنة 1985، لكنها تراجعت اليوم إلى 31 قاعة فقط

وتداخلت مهنة الإخراج مع الإنتاج، بل ظهر “المخرج المنتج” الذي يدافع باستماتة عن “فتوة السينما المغربية” ويجابه النقاد الطامحين إلى ظهور “التحف السينمائية”، كما تفنن البعض في طرق التقشف المالي على حساب الجودة.

وها نحن نحصد العاصفة: لا يمكن الحديث إلاّ عن ثلاثة أفلام مقبولة من بين خمسة وعشرين فيلما تظهر في السنة. ومن فتوحات هؤلاء المخرجين المنتجين اجتهادهم في الدفع بالحجج والمقارنات المغلوطة، فبعضهم يقول إن كل الدول الغربية تدعم السينما، وآخرون يصرحون بأن فرنسا لا تنتج إلاّ بعض الأفلام المقبولة من بين ما يزيد عن مئات الأفلام سنويا (279 فيلما سنة 2012). والحقيقة أن هؤلاء يدافعون عن مصلحتهم في استمرار تدفق صنبور الدعم السخي، ويبررون فشلهم الإبداعي الذريع.

ساهمت سياسة الدعم في بروز جيل جديد من السينمائيين المغاربة، متفاوتون في التكوين، متباينون في المرجعيات، مختلفون في الرؤى، إلاّ أنهم قفزوا بالسينما المغربية إلى مستويات عليا على المستوى الجمالي، ونذكر منهم: فوزي بنسعيدي، نبيل عيوش، هشام عيوش، هشام العسري، محمد مفتكر، إسماعيل فروخي.

هؤلاء فهموا بأن السينما ليست مجرد تقنيات فحسب، وإنما هي تفاعل مع التاريخ، ونقد للمجتمع، واستشراف للمستقبل. وقد تمكنت أفلامهم من إحداث قطيعة مع الأجيال السابقة التي باتت منجزاتها حبيسة أسلوب واحد، وبعض الأسماء انتهت إبداعيا ولم يعد لاستمرارها من معنى إلاّ ضمان العيش.

16