مخاوف الاقتصاد التركي من فرض قيود رأسمالية

الخميس 2018/01/25

أصبح الاستقرار الاقتصادي حلما بعيد المنال للكثير من الأتراك الذين نعموا في السابق بفترة نمو اقتصادي قوي بفضل توافر التمويل الرخيص من الخارج منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

لكن الخلافات السياسية وطمـوح الرئيس رجب طيب أردوغان في تعزيز سلطته وما صاحب ذلك من تدهور اقتصادي، أدى لنمو عجز الموازنة وارتفاع التضخم إلى خانة العشرات، وهي عوامل ستواصل تصدر عناوين الأخبار التركية طوال عام 2018.

وتشير البيانات الأخيرة التي أظهرت ارتفاع العجز في ميزان المعاملات الجارية في نوفمبر الماضي إلى تراجع قدرة تركيا على اجتـذاب تمويل خارجي بشـروط مقبولة خاصة في ظـل ارتفـاع العجز إلى 5.5 بالمئـة مـن الناتج المحلي الإجمـالي، وهو معـدل أعلى كثيرا من المتـوسط المسجل في الأسواق الناشئة والبالغ 0.5 بالمئة.

وتؤكد حقيقة أن 60 بالمئة من العجز يتم تمويله من خلال استثمارات محافظ الأموال الساخنة، أن تركيا منكشفة بشدة على التقلبات المالية نتيجة تدهور توازناتها المالية حيث تتسارع فيه وتيرة رفع أسعار الفـائدة الأميركية وتتزايد السياسات التركية توترا قبل الانتخابات في العام المقبل.

فما حدث من ضخ سيولة ضخمة في الاقتصادات المتقدمة انتشل تلك الاقتصادات من الركود لكنه صار الآن تهديدا للأسواق المالية العالمية حيث يرتفع العائد على السندات بالفعل.

ومن المتوقع أن يؤدي رفـع أسعـار الفائدة الأميركية وتشديد السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي إلى فترة تتسم بالمزيد من الصعوبات في الفترة المقبلة للكثير من الاقتصادات الناشئة وخاصة تركيا.

وسيكون من السذاجة افتراض أن سحب نحو 15 تريليون دولار من السيولة الفائضة التي وفرتها البنوك المركزية على مدار السنوات العشر الماضية سيمضي بسلاسة من دون صدمات كبيرة للأسواق الناشئة.

ومن بين الأسواق الناشئة، تتسم تركيا بمؤشرات هشة للاقتصاد الكلي واعتمادها الشديد على الاقتراض من الخارج من أجل المحافظة على قـوة الاقتصاد والسيطرة على التضخم وقيمة الليرة التي فقدت أكثر من نصف قيمتها في السنوات الثلاث الماضية.

ومن شأن التغيرات في الأسواق المالية العالمية وضعف السياسة المحلية أن يؤديا إلى اضطرابات اقتصادية ومالية لا مناص منها في تركيا خلال الفترة المقبلة.

وقد تنتهي القضية المنظورة في المحاكم الأميركية ضد الرئيس التنفيذي لبنك خلق التركي والتي خلصت إلى أن مسؤولي بنك خلق خرقوا العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، بفرض غرامة على البنك من قبل وزارة الخزانة الأميركية.

وفي حالة رفض حكومة حزب العدالة والتنمية الدفع، قد تواجه تركيا عقوبات ستؤثر على النظام المصرفي برمته. وقد تفرض واشنطن أيضا عقوبات على تركيا بسبب إبرام اتفاق مع شركات سلاح روسية تديرها الدولة ومدرجة على القائمة السوداء لوزارة الخارجية الأميركية.

في هذه الأيام بدأ يتوقف تدفق الأموال السهلة من الأسواق المالية المتقدمة على الأسواق الناشئة. ومن شأن تدهور علاقات تركيا مع الغرب، الممول الرئيسي للاقتصاد، أن يزيد تعقيدات الموقف.

وإذا تم فرض عقوبات على تركيا لعدم احترامها للقانون الدولي، هل سيكون أردوغان قادرا على التطرف وفرض نمط مخفف من القيود الرأسمالية من أجل “حماية” الاقتصاد التركي؟

ويكشف سجل أردوغان وحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أنهما مستعدان دائما للتحرك في اتجاهات جديدة وغير متوقعة من خلال نمط إدارة يستكشف ما لم يكتشف بعد.

لم يسبق أن شهدت تركيا أي محاولات للجوء إلى تجميد ودائع البنوك على نمط ما حدث في أميركا اللاتينية أو في دول مثل مصر واليونان. بل إن الحكومة نأت بنفسها عن مثل تلك الخطوات حتى بين عامي 1999 و2001 عندما دخـل القطاع المصـرفي في أزمـة وجرى إنقاذه بتمويل بنحو 60 مليار دولار.

يمكن للأفراد والشركات حيازة العملات الأجنبية بحرية في تركيا. ويبلغ إجمالي حجم الودائع في الحسابات المصرفية المقوّمة بالعملة الأجنبية نحو 160 مليار دولار. لكن الدولرة ظلت طويلا مشكلة تؤثر على السياسة النقدية.

وكما بدأت الليرة تتراجع اعتبارا من منتصف عام 2013، ارتفعت قيمة الودائع الدولارية إلى 41 بالمئة من إجمالي حجم الودائع مقارنة مع مستويات منخفضة بلغت 30 بالمئة في عام 2012 عندما كانت التدفقات الرأسمالية مبعث القلق الرئيسي.

وبحسب صندوق النقد الدولي، فإن صناع السياسات في اقتصادات الأسواق الناشئة لديهم خمس أدوات محتملة لإدارة التدفقات الرأسمالية، وهي السياسة النقدية والسياسة المالية وسياسة سعر الصرف وإجراءات التحوط الكلي والقيود الرأسمالية.

ويمكن للحكومات أن تلجأ إلى القيود الرأسمالية في أحلك اللحظات بعدما تكون قد استنفدت الجهود على الأصعدة المالية والنقدية وأسعار الصرف.

وفي ظل احتمال فرض عقوبات على بنوك تركية، ما الذي يثني أردوغان عن إصدار قرار رئاسي جديد يهدف لعدم المساس باحتياطيات النقد الأجنبي؟ ما الذي سيمنع صدور قرار جديد بموجب قانون الطوارئ يحظر على حائزي النقد الأجنبي سحب العملة الصعبة من حساباتهم؟

يمكن أن يتم استثناء تدفق العملات لأغراض تتعلق بالتجارة الخارجية من تلك الخطة، وهو ما يعني أن تدفقات رأس المال “لن تكون محظورة” لكن قد يتم منع السكان المحليين من سحب العملات الأجنبية. وقد يسمح لهم بسحب ما يعادل قيمة المبلغ لكن بالعملة المحلية الليرة كبديل إذا كانوا بحاجة للسيولة.

هل سيعتبر هذا نوعا من “التعليق المؤقت”؟ ربما نعم. لكن ليس بالمعنى الحرفي للكلمة. فمثل هذا الموقف هو بالطبع مبني على نظرية فرضية.

وبينما كان ينظر إلى السيطرة على تدفقات رأس المال على أنها أداة مشروعة للحيلولة دون احتدام الوضع في الأسواق الناشئة منذ الأزمة المالية في عام 2008، ما زال يُنظر إلى الدول التي تفرض قيودا على تدفقات رأس المال على أنها غير محببة للنظام المالي الحر.

فضلا عن ذلك، فإن أي قيود رأسمالية تفرضها تركيا ستكون لها تداعيات مؤلمة كثيرا في السنوات القادمة تجعل العملية غير مجدية التطبيق في الأجل القصير.وحتى ذكر مثل تلك الفكرة سيجعل عملاء القطاع المصرفي من الأفـراد أكثر توترا وهو ما من شأنه أن يجعل البنوك أكثر هشاشة ومن ثم ينعكس على قيمة الليرة التركية.

في هذه الأثناء تواصل تركيا تمدد لأحكام حالة الطوارئ في وقت تقترب فيه الانتخابات الرئاسية، التي لا بد لأردوغان أن يفوز فيها، بينما تتدهور الأساسيات الاقتصادية والعلاقات مع الحلفاء في الغرب من جديد.

وقد يكون هذا أيضا أمرا يستدعي أن تقدح الحكومة زناد فكرها فيه.

كاتبة في موقع أحوال تركية

10