مخاوف السراج من مؤتمر ألمانيا لحل الأزمة الليبية

تركيا تحاول الاقتراب من فرنسا وإيطاليا على قاعدة الامتعاض من تنامي الدور الألماني في الأزمة الليبية، لكنها لم تستطع التفاهم معهما حول قواسم مشتركة في هذه المسألة، ويظل الدفاع عن التيار الإسلامي وحماية العصابات المسلحة من نقاط الخلاف.
الاثنين 2019/10/14
البحث عن حيلة للعودة إلى نقطة الصفر

ينطوي خطاب بعض القادة الليبيين على راحة كبيرة لاستمرار انسداد أزمة بلدهم. ويشعر هؤلاء بالتوتر من أي مبادرة أو خطوة أو مشروع يقربهم من التسوية السياسية. ويعملون على وضع العصي بين العجلات بشتى الطرق، كي لا يقترب أحد من الحل العادل المطلوب، بل يتفننون في اختراع الحجج الواهية لعدم الوصول إليه.

أجادت طغمة سياسية البقاء في بحر السياسة الواسع عبر النهل من الأزمات المتعاظمة. ويؤدي الاقتراب من فك عقدة في مشكلة إلى انزعاجها، ويدفعها للبحث عن أي حيلة أو وسيلة للعودة إلى نقطة الصفر، لأنها تضمن لها الحفاظ على المكاسب التي حققتها من خلال الدوران في حلقات الفوضى، وإن لم تجدها لاخترعتها ليستمر الفوران السياسي والأمني.

أتيحت العديد من الفرص، أو بمعنى أدق بوادر أمل، ولم تشأ بعض القوى استثمارها والبناء عليها وتحويلها إلى واقع حقيقي، خشية من المحاسبة والمساءلة القانونية لاحقا، لأن من رفضوها أو امتنعوا عن التجاوب معها أدمنوا الحياة وسط المياه الراكدة سياسيا والساخنة عسكريا. وعندما تتبدل التوازنات وتوشك المعادلات على التغير وتلوح في الأفق بارقة للحل ينفعل أنصار هذا الفريق للدرجة التي يخرجون فيها عن صوابهم وتفضحهم كلماتهم.

يبدو القلق واضحا في جميع التصريحات التي أدلى بها مؤخرا فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، رئيس حكومة الوفاق الليبية، من المؤتمر المتوقع أن تستضيفه ألمانيا. وكلّما عقدت جولة من الجولات التحضيرية واقترب موعده يشعر الرجل بالهلع، خوفا من أي مخرجات ينجم عنها فصل جديد يذهب بسلطته أدراج الرياح.

ظهرت معالم القلق في محطات كثيرة، أبرزها محاولة تمتين تحالفه مع المتطرفين والإرهابيين والكتائب المسلحة، أملا في إحراز تقدم على المستوى العسكري يضبط الدفة نسبيا أمام العمليات التي يقوم بها الجيش الليبي منذ أبريل الماضي.

وتمت عرقلة كل توجهات من جانب بعثة الأمم المتحدة في ليبيا لعقد ملتقى وطني يفرز أجساما سياسية قد تضرب حكومته في مقتل، ومع ذلك لم يتخل السراج عن بذل محاولات دؤوبة لتصويب العلاقة مع غسان سلامة المبعوث الأممي وفريقه المعاون، عقب اهتزازها على وقع تلميحات وضعت على كاهله مسؤولية استمرار نفوذ تنظيمات إرهابية في ليبيا.

تشير تحضيرات مؤتمر ألمانيا إلى السعي لتقويض دور الميلشيات والقوى الداعمة لها داخل ليبيا وخارجها، والترتيب لعقد اجتماعات على مستوى القمة تغيب عنها القوى الليبية، بما فيها رئيس حكومة الوفاق، الأمر الذي يجعله بعيدا عن أي خطوات عملية سوف تتخذ لتحديد مصير البلاد، ويؤكد عدم وجود دور شخصي له عند ترسيم الخارطة النهائية لمشروع الدولة.

يتصور السراج أن إشارته المتكررة إلى مشاركة الدول المعنية كافية لرفع العتب عنه والتغاضي عن تصوراته وتصرفاته الخاطئة، أو ضامنة لمواصلة دوره السياسي، واستمرار تحالفه مع القوى المؤدلجة، وتخفيف الضغوط الواقعة عليه من جهات متباينة، ويكون له مكان في المرحلة التالية، بعد أن استنزف جملة من الفرص، وضرب عرض الحائط بكثير من المطالب التي حضته على توزيع عادل للسلطة والثروة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف إهدار المال العام.

المؤكد أن تركيا لم تتخلف عن الاجتماعين السابقين في برلين على مستوى السفراء، وتستعد للمشاركة بعد أيام (21 أكتوبر) في الاجتماع الثالث، وكانت حاضرة في اللقاء الذي دعت إليه فرنسا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أواخر الشهر الماضي، بمعنى أن أنقرة كحليف للسراج لم تتخلف عن مسايرة الدول المعنية في محطتي برلين ونيويورك.

لذلك فدعوته إلى مشاركة الدول المعنية تكاد تكون محصورة في الحليف الثاني قطر، وحث ألمانيا على قبول انخراطها في اجتماعات برلين المقبلة وصولا إلى القمة المنتظرة. وهو ما يضمن للسراج قدرا أكبر من الضغط السياسي على المؤتمر الذي يتمنى ألا تتجاوز نتائجه مؤتمري باريس وباليرمو العام الماضي في أحسن الأحوال.

إذا فشل هذا الخيار، فهو يريد تعديل مساراته بما يفضي إلى دعوة أطراف ليبية للحضور، يكون هو في مقدمتها، ليقلل من أهميته التي تكمن أصلا في عقده على مستوى الرؤساء ورؤساء الحكومات وفرض رؤية محددة للحل قابلة للتطبيق عمليا، وعدم الوقوع في فخ التناقضات الفاضحة بين القوى الليبية.

تحاول تركيا الاقتراب من فرنسا وإيطاليا على قاعدة الامتعاض من تنامي الدور الألماني في الأزمة الليبية، لكنها لم تستطع التفاهم معهما حول قواسم مشتركة في هذه المسألة، ويظل الدفاع عن التيار الإسلامي بلا هوادة وحماية العصابات المسلحة ومواصلة تهريب المعدات العسكرية والعناصر الإرهابية، واحدة من نقاط الخلاف، لأن هذه الأوراق بدأت تستنزف أغراضها، وتثير المزيد من الحرج للقوى التي تتستر عليها، أو تقف صامتة حيال جرائمها في ليبيا وغيرها.

يحاول السراج استدعاء قطر سريعا إلى مؤتمر برلين ليس لسد فراغ في جبهته التي أصيبت بتصدعات سياسية وعسكرية في الآونة الأخيرة، لكن خوفا من انشغال تركيا بهمومها الداخلية، ومنح أولوية لغزوها للأراضي السورية الذي بدأ الأربعاء الماضي، بالتالي لا يجد بوقا يدافع عن مصالحه ويتحدث باسم فريقه.

باتت القوى المتحالفة مع أنقرة تشعر بالقلق، لأن الأزمة السورية مفتوحة وقد تحتل مساحة كبيرة في الحسابات التركية، تنعكس سلبا على درجة اهتمامها بالأزمة الليبية والمؤتمر الدولي. من هنا ربما يمثل الدفع بالدوحة ضمن العواصم المعنية، من دون إشارة لطبيعة دورها، حاجة للسراج كصوت يثق في أنه سيكون محاميا له ولكل الشياطين الإرهابية التي تدور في فلكه.

يتجاهل رئيس حكومة الوفاق أن ميزان القوى على الصعيدين السياسي والعسكري لا يميل لصالحه أبدا حاليا، والشكوك في نواياه تكبر كل يوم لعلاقاته المشبوهة بالميليشيات والمتطرفين والمرتزقة وعدم قدرته على تحريك ساكن في ملف هدر الثروات الاقتصادية.

علاوة على تنصله الدائم من الالتزامات السياسية، فعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أدلى السراج بتصريحات أنكر فيها توقيعه على تفاهمات أبوظبي في فبراير الماضي مع المشير خليفة حفتر، والتي لو جرى تطبيقها لتم حل جزء كبير من الأزمة.

لجأ السراج إلى نكران الجميل كمحاولة لتخفيف وطأة اللوم الذي يلاحقه من قوى متعددة حملته مسؤولية اتخاذ الجيش الليبي قراره بتحرير طرابلس بالقوة من قبضة الإرهابيين، لكنه تناسى أن إقراره بالتفاهمات عليه شهود عيان أحياء ويرزقون، ويقدم دليلا قاطعا على رغبته في نقض الوعود والعهود، ووجوب تنحيته من المشاركة في أي عملية للتسوية السياسية، لأنه أكد من حيث لا يدري ضرورة إزاحته عن ترتيبات المرحلة المقبلة.

مرجح أن يضطلع البرلمان بدور رئيسي، كجهة دستورية ومنتخبة مباشرة من الشعب الليبي، وسيصدر خلال الأيام القادمة توصيات مهمة قبل انعقاد مؤتمر برلين، يمكن الاسترشاد بها عند رسم الصورة التي يلتئم عليها والصيغة التي يرمي للوصول إليها.

9