مخاوف المعارضة البريطانية

ثمة متسع من الوقت أمام المعارضة البريطانية لتسقط الحكومة قبل انعقاد القمة الأوروبية. لكن من سيخرج خاسرا؟ جونسون الذي يفضل الموت على تمديد الخروج، أم أحزاب المعارضة التي تفضل إلغاء الخروج على السلطة؟
الثلاثاء 2019/10/01
فكرة توصل جونسون والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق خروج جديد تبدو مرعبة بالنسبة لمعسكر البقاء

يذهب النواب المحافظون إلى المؤتمر السنوي للحزب بمدينة مانشستر ويتركون خلفهم أحزاب المعارضة تصول وتجول في البرلمان لمدة خمسة أيام. يوجد الكثير من المؤامرات التي يمكن للمعارضة أن تحيكها ضد رئيس الوزراء بوريس جونسون خلال هذه الأيام، ولكن يبدو أن الحزب القومي الاسكتلندي قرر وضع أجندة مجلس العموم بمفرده، ويريد التصويت على سحب الثقة من حكومة جونسون.

الحزب الاسكتلندي برر مطلبه بأنه لا يثق بالتزام رئيس الحكومة بقانون حظر الخروج دون اتفاق الذي أقره البرلمان مطلع الشهر الجاري. إما أن يكون هذا المطلب نابعا من خشية حقيقية إزاء طلاق لندن وبروكسل دون صفقة، وبالتالي لدى جونسون خيارات حقيقية للالتفاف على ذلك القانون، وإما أن تكون لإسقاط الحكومة غاية ما في نفس الحزب القومي الاسكتلندي.

وزير الخزانة ساجد جاويد، يقول إن الحكومة ماضية في الخروج دون اتفاق إذا فشلت مفاوضاتها مع بروكسل. لم يوضح جاويد، كما لم يفعل جونسون، كيف ستتحايل الحكومة على قانون حظر الخروج دون اتفاق، ولكنه على الأقل يؤكد مخاوف الحزب الاسكتلندي من إصرار لندن على الخروج في نهاية أكتوبر 2019 مهما كان الشكل وأيا كانت النتائج.

في جميع الحالات، يتزامن قرار الحزب الاسكتلندي، وهو ثالث أكبر تكتل في البرلمان بعد العمال والمحافظين، مع تسريبات باقتراب إعلان لندن عن عرض جديد للخروج ستقدمه لبروكسل بعد انتهاء مؤتمر حزب المحافظين. وإذا وجد هذا العرض قبولا من الأوروبيين، لن يهدأ بال الاسكتلنديين وإنما ستزداد مخاوفهم ومخاوف الأحزاب التي تفضل البقاء على الخروج.

رئيسة الحزب الاسكتلندي نيكولا ستيرجن تقول إنها لا تمانع أن يتسلم زعيم حزب العمال، جيريمي كوربين، رئاسة حكومة مؤقتة تضمن تأجيل الخروج وعدم حدوثه دون اتفاق مع بروكسل نهاية شهر أكتوبر 2019. لكن ما لم تقله ستيرجن أنها تريد من الحكومة المؤقتة بعد أن تتم مهمتها، أن تدعو إلى انتخابات عامة مبكرة، وستحرص ستيرجن مع حزبها على خسارة حزبي المحافظين والعمال لهذه الانتخابات في اسكتلندا، فيعودا إلى برلمان لندن بأكثرية ضعيفة.

حزب الخضر المؤيد للبقاء أيضا، قد يقبل بهذا الخيار. حكومة عمالية مؤقتة تزيح شبح الخروج دون اتفاق، ومن ثم تفسح المجال لانتخابات عامة مبكرة يطمح الحزب في أن ينتزع عبرها مقاعد برلمانية أكثر على حساب الحزبين الكبيرين.

ساجد جاويد: الحكومة ماضية في الخروج دون اتفاق إذا فشلت مفاوضاتها مع بروكسل
ساجد جاويد: الحكومة ماضية في الخروج دون اتفاق إذا فشلت مفاوضاتها مع بروكسل

على ضفة حزب الليبراليين الديمقراطيين، الذي يتوقع له كثيرون أن يكون بيضة القبان في البرلمان المقبل، لا يقبل بكوربين رئيسا للحكومة المقبلة سواء كانت مؤقتة أو عادية. ولكن الحزب لن يمانع إسقاط حكومة جونسون من أجل الذهاب إلى انتخابات عامة مبكرة تحشد كل مؤيدي البقاء خلف الليبراليين، الذين أعلنوا صراحة نيتهم إلغاء نتائج استفتاء الخروج عام 2016.

بالنسبة لحزب العمال، فإن مطالبة الاسكتلنديين بسحب الثقة من الحكومة سوف يضعه في موقف محرج. فهو لا يثق بقدرته على تشكيل الحكومة ولا بالفوز في الانتخابات المبكرة. ومع إصرار الاسكتلنديين والليبراليين والخضر وغيرهم على زيادة حصصهم في البرلمان المقبل، يزداد خوف العمال من معركة انتخابية خاسرة، وخاصة إذا ما سبقت موعد الخروج نهاية شهر أكتوبر.

يتجنب العمال مواجهة المحافظين في انتخابات تعقد قبل موعد الخروج، فهم يدركون أن أسهم جونسون لا تزال مرتفعة، كما يدركون أيضا أن الأحزاب الأخرى في البرلمان لا تقف خلفهم على قلب رجل واحد. وباختصار شديد أي تغيير في السلطة قبل موعد الخروج لن يكون بالضرورة في صالح العمال، حتى لو استقال جونسون طواعية ورمى الكرة في ملعبهم.

في الحقيقة تبدو فكرة توصل جونسون والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق خروج جديد، مرعبة بالنسبة لمعسكر البقاء. فإذا حمل الاتفاق الجديد حلا، ولو جزئيا، لأزمة شبكة الأمان بشأن الحدود بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا، سيكون من الصعب أن يحشد “البقائيون” ضده في البرلمان كما حدث في عهد رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي. الشارع البريطاني ملّ قضية “بريكست” ولن تكون مفيدة لأي حزب المماطلة في الخروج دون مبرر مقنع فعلا.

لن يعيد جونسون اختراع العجلة في مفاوضات الخروج، وإنما سيضع الاتحاد الأوروبي أمام خيارات أسوأها طلاق لندن وبروكسل دون اتفاق. لا يريد التكتل هذا الخيار، ولا يريد أيضا أن يبقى منشغلا بقضية “بريكست” لأعوام أخرى. العبور إلى المرحلة الانتقالية في انفصال الطرفين، والتي تمتد لعامين، بات خيارا مناسبا وثمة فرصة لتجاوزهما جميع الخلافات المتبقية أمامهما في سياق تنفيذ الخروج.

قادة الاتحاد الأوروبي طالبوا جونسون بإرسال خطته الجديدة للخروج قبل انعقاد القمة الأوروبية يوم السابع عشر من أكتوبر. يريد الزعماء دراسة الخطة وفحصها قبل أن يلتقوا، فالقمم هي لاتخاذ القرارات وليس لمناقشتها، كما يقول المسؤولون الأوروبيون. ثمة متسع من الوقت أمام المعارضة البريطانية لتسقط الحكومة قبل انعقاد القمة الأوروبية. لكن من سيخرج خاسرا في مثل هذه الحالة؟ جونسون الذي يفضل الموت على تمديد الخروج، أم أحزاب المعارضة التي تفضل إلغاء الخروج على الوصول إلى السلطة؟

9