مخاوف تونسية من اختراق وزارة الشؤون الدينية

خالد الكريشي: الخطاب التكفيري تسلل إلى كلّ مفاصل الدولة.
الأربعاء 2020/12/02
بعض المساجد لازالت خارج سيطرة الوزارة

أثار ارتفاع منسوب الخطاب التكفيري الداعي للعنف والكراهية والمتسلل إلى مختلف مفاصل الدولة التونسية، جدلا واسعا، وسط مخاوف متكررة من اختراق وزارة الشؤون الدينية من قبل أطراف أجنبيّة، وفي مقدمتها الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، عبر التمويلات المالية وتكوين الإطارات الدينية "التكفيرية" المهددة لمقومات الدولة المدنية.

تونس - انتقدت أوساط سياسية تونسية ضعف ميزانية وزارة الشؤون الدينية بالبلاد، ما يفسح المجال لإمكانية اختراقها والتحكم فيها، لتكون عرضة للاستقطاب الأجنبي خصوصا من قبل ما يعرف بـ”اتحاد القرضاوي”، فضلا عن  نشر خطاب الكراهية والتطرف، في وقت تكثف فيه السلطات جهودها لمكافحة الإرهاب.

وعبّر النائب عن الكتلة الديمقراطية خالد الكريشي الثلاثاء، عن استغرابه من “الحجم الضئيل” لميزانية وزارة الشؤون الدينية، مؤكّدا أنّه يجب اعتبارها وزارة “سيادية بامتياز” في ظلّ “الحرب على الإرهاب والهجمة التكفيرية”.

وقال الكريشي خلال مداخلته في الجلسة العامة المنعقدة للنظر في مشروع ميزانية وزارة الشؤون الدينية “هذه الوزارة تعاني من نقص في الميزانية والتجأت لذلك إلى أطراف أخرى أجنبيّة أوّلها الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين لتغطية هذا النقص وكان من الأولى أن تتكفّل الدولة بتكوين الإطار الديني دون حاجة إلى الأطراف الأجنبيّة”.

وأضاف موجّها الخطاب إلى الوزير أحمد عظّوم “هناك تقهقر في الخطاب التكفيري والتطرف ولكن للأسف الشديد لم يضمحلّ تماما وما زال هذا الخطاب موجودا بل إنّ الأدهى والأخطر أنّه تسلل إلى أعلى مؤسسات الدولة ومن ضمنها هذا المجلس… الخطاب التكفيري والعنف ونبذ الآخر تسلل إلى كلّ مفاصل الدولة”.

وتساءل “كيف لا ومن أبرمت معه عقدا لتكوين الإطار الديني هو نفسه رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، الذي أفتى بالجهاد في سوريا وفي ليبيا وفي مصر وفتح الباب عريضا أمام استعمال العنف للإطاحة بأنظمة شرعية وكان سباقا في تبرير إسالة الدماء وكنتم قد قلتم نعم نحن نتعامل مع الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين… وأعلمكم سيد الوزير أنّ رئيسه يوسف القرضاوي أفتى بالجهاد وبالعنف وحرّض على المسلمين وأباح إسالة الدماء”.

باسل الترجمان: هناك اختراق في العمق من خلال وجود مؤسسة دون أن يعلم أحد بنشاطها
باسل الترجمان: هناك اختراق في العمق من خلال وجود مؤسسة دون أن يعلم أحد بنشاطها

وتطرق الكريشي إلى ما أسماه بـ”السياحة الدينية” متسائلا “أين وصلت إجراءات السياحة الدينية خاصة أنّه لدينا في تونس االعاصمة الإسلامية القيروان.. يجب تحويلها إلى قبلة للسياحة الدينية السنية مثلما حدث في قم الإيرانية؟”.

ويرى مراقبون أن وضع ميزانية وزارة الشؤون الدينية المخصصة أساسا لأجور الموظفين والعملة، تجعل المؤسسة التي تضطلع بتكوين إطارات دينية معتدلة ومنسجمة مع مقومات الدولة المدنية، عرضة للاختراق ونشر أجندات جديدة تؤسس للعنف والتطرف.

ونبهت شخصيات أكاديمية وسياسية من خطورة التنظيم على تونس، حيث ساهم في نشر الفكر التكفيري وغسل أدمغة الآلاف من الشباب ودفع بهم إلى بؤر التوتر في الشرق الأوسط.

وأكد المحلل السياسي باسل الترجمان، “أن الأمر ليس بجديد أو مفاجئ، فضعف ميزانية وزارة الشؤون الدينية وتحولها إلى وزارة تقوم فقط بصرف أجور الأئمة والوعاظ وتترك كل ما تبقى للمنظمات تتكفل به، وبالتالي تتخلى عن دورها في إقامة الشعائر الدينية الوسطية والمالكية”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “عندما يتم تكليف جمعية مثل الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين التي صنفت إرهابية للإشراف على تكوين  الأئمة والوعاظ فهذا خطير، تعاليم الإسلام في تونس بأياد خارجية ليست لها علاقة بالإسلام، جمعية القرضاوي تتبنى الفكر المتطرف، وعندما يكون هناك جمعية مؤسسها يشجع على تنفيذ العمليات الإرهابية، لا يمكن أن يكون لها دور في تونس”.

 وتابع “المطلوب الآن إعادة ترتيب الأولويات وأن تتكفل الوزارة بالإشراف على تكوين الأئمة والوعاظ ومراقبة الجمعيات والروضات القرآنية التي أصبحت مرتعا للتطرف، وهناك اختراق في العمق من خلال وجود مؤسسة دون أن يعلم أحد بنشاطها وتسند الشهادات، والتعليم في تونس يخضع لكراس شروط لم تلتزم به هذه الجمعية”.

ودعا متابعون إلى ضرورة مراجعة اهتمام الدولة بالمساجد، حيث إنه لا زال بعضها يخرج عن سيطرة الوزارة، وتعمل طبقا لخطابها الخاص دون التقيد بالخطب الرسمية، ما يحول دون حماية الشباب من التطرف والإرهاب وغسيل الدماغ.

وطالب الجامعي والباحث في العلوم السياسية محمد الصحبي الخلفاوي، في تصريح لـ”العرب”، “بضرورة مراجعة الدولة لوضعية المساجد التي تتعرض لمخاطر الخوصصة من قبل التيارات الإسلامية المتطرفة”.

وأشار إلى ” أن المشكلة في  الدولة التونسية التي لم تستعد لمناخ علمي ينتج الإرهاب، بل فسحت المجال لذلك عبر مناهج التكوين التي تستدعي مراجعة، والرد على هؤلاء لا يكون بالاحتجاجات بل بخطاب ديني وسياسي واضح يبين مخاطر هذا التيار”.

وسبق أن دعا المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة رئاسة الحكومة إلى غلق فرع تونس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في أسرع وقت، توقّيا من المزيد من انتشار العنف والإرهاب في تونس.

وجاء في بلاغ للمرصد أن “هذا الاتحاد الذي يرأسه المدعو يوسف القرضاوي زعيم الحركة الإخوانية العالمية يسعى لزرع الفكر الجهادي التكفيري والعنيف أينما يُسْمح له بذلك، وأن تونس هي من الدول التي فسحت المجال لفتح مكتب لهذا الاتحاد ليقوم بدورات للجهاديين لتدريبهم على وسائل نشر الفكر الإخواني وضرب مدنية الدولة والنظام الجمهوري في بلادنا”.

وأصدر القضاء قرارا برفض دعوى تقدم بها الحزب الدستوري الحر، بهدف إيقاف نشاط الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في البلاد.

ونقلت وكالة تونس أفرقيا للأنباء، عن نائب وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بالعاصمة تونس محسن الدالي، قوله إن “المحكمة قررت رفض الطلب الذي تقدم به الحزب الدستوري الحر والمتعلق بتوقيف نشاط (ندوات أو مؤتمرات) الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالبلاد”.

4