مخاوف عربية-أميركية من وجود قاعدة صينية في جيبوتي

الأربعاء 2017/08/09
الصين تختار أفريقيا منفذا جديدا لها

لندن- أثارت جيبوتي، البلد الصغير الواقع على الطرف الشرقي للقارة الأفريقية الكثير من الجدل، بعد أن فتحت أراضيها لاستقبال قاعدة عسكرية بحرية صينية، هي الأولى من نوعها للصين، لتنضم إلى نظيرتها الولايات المتحدة وفرنسا في حماية مصالحها البحرية في أهم بقاع التجارة البحرية في العالم.

ولم تكن الخطوة الصينية مفاجئة للمهتمين بالشأن الأفريقي، إذ بدأت الصين منذ العام الماضي في تجسيد فكرة إقامة قاعدة لوجستية في جيبوتي، التي تحتل موقعا استراتيجيا للتجارة العالمية بسبب موقعها عند مضيق باب المندب المدخل الرئيسي لقناة السويس، أكثر طرق الملاحة ازدحاما في العالم.

ورغم تأكيدات الحكومة الصينية أن هدف القاعدة هو إرساء الأمن في المنطقة، ولكن يبقى السؤال عن مدى تأثير وجود قوة عسكرية صينية في قلب أفريقيا وبمقربة من منطقة الشرق الأوسط وعلى بعد كيلومترات من اليمن التي تمزقها الحرب، والصومال المضطرب.

وتنضم القاعدة الصينية إلى عدد من القواعد العسكرية الأخرى التي تقع في جيبوتي، إذ يحتضن البلد العربي أكبر قاعدة عسكرية أميركية في أفريقيا وتضم أكثر من 4 آلاف جندي، بالإضافة إلى قاعدة فرنسية وآخرى يابانية، فيما عقدت السعودية في يناير الماضي اتفاقا عسكريا لبناء قاعدة لها بجيبوتي.

رغم نفي الصين مشاركتها في مشروع سد النهضة الإثيوبي، لكن تشير تقارير صحافية إلى مساهمة الصين في بناء السد وتشغيله، بالإضافة إلى الدعم اللوجيستي له

وتشكل خطوة إنشاء قاعدة صينية في جيبوتي شوطا جديدا في الصراع الأميركي والصيني في أفريقيا، ولا يتوقف الصراع عند الاتفاقات التجارية والفوز بالموارد الأفريقية فحسب، وإنما انتقل أيضا إلى القوى الناعمة ووسائل الإعلام، بعد أن وفرت الصين المليارات من الدولارات لنشر إعلامها الرسمي في أفريقيا للتأثير على الرأي العام وتحسين واجهة بكين أمام الشعوب الأفريقية، بحسب صحيفة “فايناشال تايمز”.

وعقدت الإدارة الأميركية السابقة اتفاقا في عام 2014 لتطوير ومد القاعدة العسكرية الأميركية “كامب ليمونير” على أرض جيبوتي لمدة 20 عاما مقابل استثمارات سنوية تصل إلى مليار ونصف مليار دولار.

وبدأت الولايات المتحدة تفقد تدريجيا تأثيرها الرئيسي في القارة الأفريقية ثقافيا واقتصاديا، بعد أن تراجعت مساعداتها ومنحها لدول أفريقية أمام المساعدات الصينية والأوروبية والعربية. وفي حال انتشار قواعد عسكرية بأفريقيا ستفقد الولايات المتحدة آخر مميزاتها في القارة، وهي القوة العسكرية.

ونشرت صحيفة إيكونميست تقريرا حول استياء الدوائر السياسية الأميركية من الموقف الصيني، إذ أن المسافة بين القاعدة الصينية والقاعدة الأميركية لا تتجاوز 10 كيلومترات. وتساءلت الصحيفة حول موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من التوسع الصيني وكيفية مواجهة وصد هذا التمدد.

ويقول مدير وكالة المخابرات العسكرية الأميركية السابق ديفيد شييد إن “إنشاء قاعدة صينية في أفريقيا هو رسالة صغيرة من الصين إلى العالم تنذر بصعود أقوى وأخطر”. ويشكل مضيق باب المندب ممرا لـ20 في المئة من حجم التجارة العالمية، وللصين النصيب الأكبر منها. وخلال العقدين الآخرين، أصبحت الصين أكبر شريك أفريقي في العالم بحجم تجارة يصل إلى 6 تريليونات دولار لتفوق حجم التبادل التجاري الأميركي الذي يصل إلى 5 مليارات ونصف مليار دولار. .

وتقول وزارة الخارجية الصينية إن “الهدف من القاعدة العسكرية إلى جانب تحقيق استقرار أمني في ساحل الصومال ومواجهة القرصنة، هو حماية وإجلاء الآلاف من الصينيين المقيمين في الشرق الأوسط وأفريقيا في حالة تدهور الأحوال الأمنية”. وكانت الصين قد نقلت أكثر من 700 صيني من اليمن فور اندلاع الحرب فيه، بالإضافة إلى أكثر من 35 ألف شخص من ليبيا منذ عام 2012.

وتحتل مشروعات البنية التحتية الحيوية مثل مشروعات الطرق والسكك الحديدة والسدود والجسور وشبكات المياه والكهرباء غالبية المشروعات الصينية في أفريقيا، والتي تشكل الشريان الرئيسي لتلك الدول. وتعتبر دول تنزانيا وكينيا والسودان وجنوب السودان وإثيوبيا الدول الأكبر شراكة مع الصين، وتقع كل تلك الدول على مقربة من جيبوتي.

ويرى مراقبون أن التحركات العسكرية الصينية في جيبوتي تأتي ضمن خطة كبرى لفرض سيطرتها على ممرات التجارة العالمية وإحكام قبضها على كافة الموانئ الهامة. وأعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ في عام 2013 عن مشروع للتجارة الخارجية أطلق عليه استراتيجية “طريق الحرير”. وتستهدف الصين إعادة خطوط التجارة التاريخية القديمة البرية والبحرية التي تبدأ من الصين لتمر بوسط آسيا والجزيرة العربية والساحل الأفريقي لتنتهي بأوروبا.

الولايات المتحدة بدأت تفقد تدريجيا تأثيرها الرئيسي في القارة الأفريقية ثقافيا واقتصاديا، بعد أن تراجعت مساعداتها ومنحها لدول أفريقية أمام المساعدات الصينية والأوروبية والعربية

وتشمل الخطة الصينية السيطرة على الموانئ الكبرى والحيوية، ولعل من أبرز تلك الموانئ ميناء عدن. وكانت الصين قد أعلنت عن نيتها في تطوير الميناء اليمني بأكثر من نصف مليار دولار مقابل الحصول على بعض الامتيازات التي تجعل لها موضع قدم في اليمن، إلا أن الأوضاع المضطربة في اليمن أفشلت المخطط الصيني.

وسيكون موقع القاعدة الصينية على بعد 20 ميلا من الحدود اليمنية وهو أقرب لليمن من القاعدة الأميركية الحالية. وتلعب القاعدة الأميركية دورا حيويا في إمداد ودعم قوات التحالف بقيادة السعودية في حربها في اليمن ضد المتمردين الحوثيين. وبحسب تقارير أمنية، ستقف القاعدة الصينية عائقا أمام مساعدات القاعدة الأميركية في جيبوتي لقوات التحالف في المستقبل.

وتخشى دول عربية من التوسع الصيني العسكري في المنطقة. فرغم العلاقة القوية بين الصين والسعودية، ولكن تتخوف الأخيرة من ظهور قوى جديدة بالشرق الأوسط تسبب في اختلال ميزان القوى خاصة أن السعودية تسعى هي الأخرى لبناء قاعدة عسكرية بجيبوتي لحماية مصالحها في البحر الأحمر وتطويق المتمردين الحوثيين في اليمن وفرض سيطرتها على حركة التجارة من خلال ميناء عدن.

ويحذر خبراء مصريون من تأثير تواجد عسكري صيني في الساحل الشرقي الأفريقي على المصالح المصرية في المنطقة. فإلى جانب وجود سفن حربية صينية عند باب المندب الذي يمثل عنق الزجاجة والشريان الوحيد لقناة السويس من ناحية الجنوب، تساهم الصين في مشروعات عملاقة في إثيوبيا المجاورة لجيبوتي.

وتوترت العلاقات المصرية الإثيوبية مؤخرا بسبب خلاف حول بناء سد إثيوبي عملاق على ضفاف النيل. ويقول خبراء إنه سيؤثر على حصة مصر من مياه النيل. ويعتبر ميناء جيبوتي المنفذ البحري الوحيد لإثيوبيا والذي يمكن الصين عن طريقه نقل الموارد والثروات الطبيعية القادمة من إثيوبيا المجاورة. وأقامت الصين سكة حديدية تربط بين أديس أبابا وجيبوتي في عام 2016 من أجل نقل بضائعها من ميناء جيبوتي إلى إثيوبيا.

ورغم نفي الصين مشاركتها في مشروع سد النهضة الإثيوبي، لكن تشير تقارير صحافية إلى مساهمة الصين في بناء السد وتشغيله، بالإضافة إلى الدعم اللوجيستي له. ويتهم مسؤولون مصريون الصين بمشاركتها في مؤامرة تضر بمصالح مصر الاستراتجية، مطالبين الحكومة الصينية بوقف أي مساعدات للجانب الإثيوبي والضغط لوقف بناء السد.

6