مخاوف لبنانية من رفع الدعم دون مساعدات فعالة

استهداف تطويق تهريب السلع المدعمة يهدد بتفجر اجتماعي.
الاثنين 2020/10/12
شبح انقطاع الخبز

تصاعدت مخاوف اللبنانيين من رفع الدعم خلال الوقت الحالي دون منح مساعدات للمواطنين حيث يهدف القرار إلى تطويق تهريب السلع إلى العراق وإيران وسوريا غير أن القرار يهدد أيضا بتفجر اجتماعي نتيجة ارتفاع الأسعار في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

بيروت - تتخوف الأوساط الشعبية والاقتصادية في لبنان من رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية دون تقديم مساعدات تخفف آثار ذلك ما من شأنه أن يقود البلاد إلى تفجر اجتماعي حيث يشكل بند الدعم مطلبا رئيسيا لإصلاح الاقتصاد لدى المؤسسات المانحة.

وفي هذا السياق حث اقتصاديون لبنانيون السلطات على اعتماد آلية مساعدة فعالة للمواطنين قبل رفعها للدعم عن الوقود والقمح والأدوية والمنتجات الغذائية وسط انهيار اقتصادي ومالي حاد في البلاد.

وكانت تقارير قد تحدثت عن توقعات بأن يرفع مصرف لبنان المركزي الدعم تدريجيا عن هذه السلع بعدما كانت مدعومة منذ سنوات بقيمة 700 مليون دولار شهريا.

ويبلغ سعر صرف الدولار بحسب السعر الرسمي، نحو 1515 ليرة لبنانية لكنه بسبب الشح في العملة الأجنبية غير متوافر في المصارف بهذا السعر فيما يبلغ أكثر من 8 آلاف ليرة في السوق السوداء.

وبمجرد توقف مصرف لبنان عن دعم الاحتياجات الأساسية للبلاد من الوقود والقمح والأدوية بتزويد التجار بالدولار بالسعر الرسمي لاستيراد هذه المنتجات فإنه سيتعين على المستوردين شراء العملة الأميركية لوارداتهم من السوق السوداء مما سيزيد الأسعار على المستهلكين.

ويواجه المصرف المركزي في لبنان نقصا حادا في احتياطه بالدولار الأميركي حيث كان حاكمه رياض سلامة قد أعلن في وقت سابق من هذا العام أن لدى المصرف لبرنامج الدعم 1.8 مليار دولار فقط و17.5 مليار دولار من الاحتياطي الذي يخص المصارف التجارية ومودعيها.

وأثار هذا الواقع قلقا كبيرا لدى المواطنين الذين توافدوا على محال المواد الغذائية والصيدليات لشراء كميات كبيرة من الأصناف وتخزينها في منازلهم، متوقعين زيادة كبيرة في أسعار هذه المنتجات.

كما استنفر هذا الوضع الاتحاد العمالي العام الذي دعا رئيسه بشارة الأسمر الخميس إلى “يوم غضب” في الـ14 من الشهر الحالي، محذرا من أن رفع الدعم عن الدواء سيؤدي إلى انهيار نظام الضمان الصحي، كما أن رفع الدعم عن المحروقات سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة والنقل وأن رفع الدعم عن القمح سيؤدي إلى رفع أسعار الخبز.

ودعا الخبراء السلطات إلى اعتماد برنامج مساعدات لتمكين الأشخاص الأكثر ضعفا من شراء المواد الأساسية مثل الخبز والأغذية والأدوية وديزل التدفئة خلال فصل الشتاء.

ورأى هؤلاء الخبراء أن المساعدة المالية المباشرة للمواطنين تبدو أكثر فعالية بكثير من برنامج الدعم.

ونسبت وكالة شينخوا لرئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق باتريك مارديني قوله “عندما نتوقف عن دفع 700 مليون دولار شهريا للدعم ونقدم إعانات مالية مباشرة للفئات الأكثر ضعفا بدلا من ذلك، فإننا بذلك سنوفر الكثير من المال مع توفير وسائل للناس لشراء احتياجاتهم”.

باتريك مارديني: دعم القمح والوقود والأدوية يشجع المهربين
باتريك مارديني: دعم القمح والوقود والأدوية يشجع المهربين

وأوضح أن دعم القمح والوقود والأدوية وسلة من 300 منتج غذائي يشجع المهربين سواء كانوا مستوردين أو تجارا أو أفرادا على شراء المنتجات المدعومة وبيعها في دول أخرى مجاورة مثل سوريا والعراق بأسعار أعلى.

وقال مارديني “إذا ذهبت إلى سوريا أو العراق يمكنك العثور على منتجات عدة مصدرها لبنان حيث تباع بأسعار أعلى مقارنة مع السوق اللبناني”.

بدوره، قال ممثل قطاع التجارة في المجلس الاقتصادي والاجتماعي عدنان رمال إن “تقديم الدعم المالي المباشر للمواطنين متوسطي ومنخفضي الدخل سيكلف الدولة فقط حوالي 200 مليون دولار شهريا مقارنة بـ700 مليون دولار أميركي شهريا في برنامج الدعم، مشيرا إلى أن “دعم المواطنين أفضل من دعم المهربين”.

وشدد على الحاجة إلى تحويلات نقدية شهرية للمواطنين قبل رفع برنامج الدعم بالإضافة إلى حل طويل الأمد من خلال تنفيذ الإصلاحات الهيكلية اللازمة والتوصل إلى اتفاق للدعم مع صندوق النقد الدولي.

وسبق وقال رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية حسان دياب الجمعة، إن أي خطوة لرفع دعم سلع أساسية في الوقت الحالي غير مقبولة وستؤدي إلى “انفجار اجتماعي”.

وفي كلمة نقلها التلفزيون، قال دياب الذي استقال قبل شهرين بعد انفجار هائل دمر الكثير من مناطق بيروت وفاقم أزمة البلاد الاقتصادية، إن ما جرى إنفاقه على استيراد الأدوية والمواد الغذائية والطحين والمحروقات، بلغ منذ بداية هذه السنة نحو أربعة مليارات دولار.

وقال إن مصرف البلاد المركزي و”كل الذين يؤيدون أو يغطون هكذا قرار” بشأن الدعم سيكونون مسؤولين عما يترتب على ذلك من فوضى في البلد الذي يواجه بالفعل انهيارا ماليا.

وشهد لبنان أخيرا ارتفاع معدلات تهريب الوقود والأدوية ومنتجات أخرى إلى سوريا ودول أخرى مما أدى إلى نقص في هذه المواد في السوق المحلية حيث اضطر سائقو السيارات للوقوف بالطوابير لملء سياراتهم بالبنزين فيما عمد آخرون إلى تخزين الديزل للتدفئة في الشتاء المقبل.

وأوقف الأمن اللبناني في الأسبوع الجاري 6 مسافرين عرب لمحاولتهم تهريب الئات من الصناديق من الأدوية عبر مطار بيروت إلى الخارج.

وأشار رمال إلى أن المواطن اللبناني لا يتحمل خسارة برنامج الدعم دون أي نوع من الدعم في مقابل ذلك أن أكثر من 55 في المئة من أهالي البلاد محاصرون بالفقر حاليا ويكافحون من أجل الضروريات العادية في حين أن معدل الفقر في العام الماضي كان 28 في المئة.

إضافة إلى ذلك توضح تقديرات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) أن نسبة من هم تحت خط الفقر في لبنان قد سجلت زيادة بمقدار 3 أضعاف حيث ارتفعت من 8 في المئة في العام 2019 إلى 23 في المئة في العام 2020.

ويعاني لبنان من تدهور اقتصادي ومعيشي حاد في ظل أزمة مالية صعبة تتزامن مع شح في العملة الأجنبية وقيود على سحب الودائع من المصارف وانهيار قيمة الليرة اللبنانية وتفشي مرض فايروس كورونا الجديد، كوفيد – 19.

وقد أدى هذا الوضع إلى إقفال عدد كبير من الشركات والمؤسسات وتسريح الآلاف من العاملين وتصاعد البطالة وتراجع قدرات اللبنانيين الشرائية مع ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة تتجاوز 75 في المئة.

من جهته، أكد أستاذ السياسة والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت ناصر ياسين أن البرنامج الجاد الذي يمكن اعتماده حاليا لدعم المواطنين قبل إلغاء برنامج الدعم هو المشروع الذي اقترحه البنك الدولي الذي يهدف إلى دعم 112 ألف أسرة.

وحذر ياسين من اضطرابات خطيرة في البلاد إذا رفع المصرف المركزي الدعم دون تقديم مساعدة فعالة للمواطنين.

وقال إن “الناس لن يتمكنوا من شراء أدويتهم إلا إذا دفعوا ثمنا غاليا لها وان سعر 20 لترا من البنزين سيرتفع إلى الضعفين مما سيؤثر على قطاع النقل والقطاعات الأخرى التي تستخدم الوقود في عملياتها مثل الزراعة والصناعة والخدمات”.

وأضاف “ستشهد البلاد احتجاجات واسعة مرة أخرى ما لم يتم تشكيل حكومة وبدء إصلاحات قد تجلب بعض المال للبلاد”، مشددا على ضرورة استعادة الثقة بالإصلاحات وبالاتفاق على برنامج مساعدات سريع مع صندوق النقد الدولي.

ويشهد لبنان منذ 17 أكتوبر الماضي احتجاجات شعبية تطالب بمكافحة الفساد وترفع مطالب اقتصادية وسياسية كانت أجبرت حكومة سعد الحريري على الاستقالة في 29 من الشهر ذاته لتخلفها حكومة برئاسة حسان دياب التي استقالت بدورها على خلفية انفجار مرفأ بيروت الكارثي في 4 أغسطس الماضي الذي أوقع الآلاف من الضحايا والجرحى وشرد 300 ألف شخص إضافة إلى أضرار مادية ضخمة قدرت بنحو 15 مليار دولار.

وكان لبنان قد توقف مطلع العام عن سداد الديون الخارجية والداخلية في إطار إعادة هيكلة شاملة للدين الذي يتجاوز 92 مليار دولار.

وأدت تداعيات مرض كوفيد – 19 إلى تفاقم أزمات لبنان بعدما كانت شرعت الحكومة في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدة لكنها علقت بعد فشل الحكومة المستقيلة في التوافق على برنامج مع الصندوق.

كما فشلت الحكومة في تنفيذ إصلاحات ضرورية للحصول على مساعدات وقروض كانت أقرتها دول وصناديق مانحة في مؤتمر سيدر لدعم الاقتصاد اللبناني الذي استضافته فرنسا العام 2018.

11