مخاوف مبالغ فيها: الروبوتات لن تحل مكان البشر

يسعى المتخصصون في المجال التكنولوجي إلى التغلب على الذكاء الاصطناعي وخلق وظائف جديدة بالإضافة إلى الحد من سيطرته على حياة البشر. وقد أظهر بعض عمالقة التكنولوجيا رغبة في التعاون للحد من مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي، واضعين اليد على عيوبه ومخاطره لتجاوزها في المستقبل.
الأحد 2017/01/15
البشر لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد

لندن - أكدت العديد من الدراسات أواخر 2016 أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل الإنسان في الكثير من الوظائف في المستقبل القريب، إلا أن مقالا نشرته وكالة رويترز مؤخرا حدد وظائف الروبوتات وكشف عن مهن جديدة للبشر.

وأفاد صاحب المقال بول والاس بأنه لطالما تحدثت أفلام سينمائية كثيرة عن مستقبل الروبوتات في حياة الإنسان، وتفاعل بعضها مع المخاوف المثارة حول سيطرة الروبوتات على وظائف البشر، متسائلا إن كانت هذه الأفلام تعرف أكثر مما يعرف العلماء والخبراء.

وقدم والاس لمحة حول آخر ما وصل إليه بعض عمالقة التكنولوجيا، على غرار شركة أمازون التي بلغ بها الاعتماد على الذكاء الاصطناعي حد القيام بأول عملية توصيل منزلي باستخدام طائرة بدون طيار في بريطانيا، بالإضافة إلى إطلاقها سلسلة متاجر “أمازون غو” بهدف القضاء على طوابير الانتظار في المتاجر.

وأضاف والاس أن عددا من شركات التكنولوجيا بدأ في تعليم الآلات كيفية الرد على التساؤلات، وحل المسائل شديدة التعقيد، وتحليل أحجام هائلة من البيانات بسرعة فائقة.

وتابع والاس بأن هذه التطورات وغيرها تؤكد أن نطاق عمل الروبوتات سيتجاوز إلى مجالات أوسع، لا سيما مع ظهور السيارات ذاتية القيادة والطائرات بدون طيار، والتي قد تكون سببا في أن تضرب البطالة قطاع النقل وخدمات التوصيل. وقد أشار تقرير صادر في 2015 عن شركة "ديلويت" للمحاسبة أن الروبوتات ستحتل الوظائف الإدارية في المكاتب.

وكانت أبحاث قد قدرت أن 47 بالمئة من العمال الأميركيين مهددون بسبب الروبوتات خلال السنوات العشرين المقبلة، كما قدر كبير الاقتصاديين في بنك إنكلترا أن حوالي 15 مليون وظيفة في سوق العمل البريطاني ستذهب إلى الروبوتات.

بعض مراقبي أنظمة الذكاء الاصطناعي يرجحون أن تقود الروبوتات العالم إلى حتفه لذلك يجب عدم السماح لها بإدارة المنظومات الحاسوبية الحديثة

ومع ذلك يرى والاس أن المخاوف المثارة مبالغ فيها، فبعض الوظائف ستحتاج قدرا من المهارة والتفكير والخبرة لا يتوافر لدى الآلات، مثل: وظائف السجلات المحاسبية والمحاسبة عموما التي تتطلب تفاعلات اجتماعية واسعة النطاق.

كما أن الكثيرين يخشون التحول إلى السيارات ذاتية القيادة، لا سيما بعد انتشار عدة تقارير عن وقوع حوادث مميتة لها.

وقد شككت دراسة صادرة عن المركز الأوروبي للأبحاث الاقتصادية في التقديرات التي جرى نشرها عن حجم الوظائف المهدرة في سوق العمل الأميركية بسبب الآلات. وقال المركز إن “9 بالمئة فقط من وظائف سوق العمل الأميركية، و10 بالمئة من وظائف سوق العمل البريطانية ستقوم بها الآلات".

ويعتقد والاس أن التقارير التي تتحدث عن عدد الوظائف التي ستذهب للروبوتات أغفلت الحديث عن عدد الوظائف التي سيجري خلقها في المقابل.

وأعطى والاس مثلا في أوائل القرن العشرين، حيث تنبأ خبراء بانهيار سوق الوظائف الزراعية، ولكن كان من الصعب عليهم التنبؤ بظهور وظائف جديدة، مثل أطباء الأشعة ومدربي اليوغا، مما حافظ على نسبة تصاعدية في عدد الوظائف المتاحة في سوق العمل.

وأشار إلى أن انتشار الإنترنت حمل عددا هائلا من الوظائف، لا سيما مع ظهور منصات التواصل الاجتماعي. واليوم، تزخر أماكن مثل وادي السيليكون بالمئات من الشباب الذين يصممون تطبيقات للهواتف المحمولة التي لم يمضِ وقت طويل على ظهورها.

كما يجري خلق العديد من الوظائف بشكل غير مباشر عبر رفع مستوى الإنتاج. فإذا تطورت صناعة الغذاء سيدفع ذلك الناس إلى الإقبال على المطاعم، مما سيخلق المزيد من الوظائف.

منع الروبوتات والآلات من محاكاة البشر في المستقبل

ويتساءل الكاتب حول ما إذا كان خلق وظائف جديدة سيسير بوتيرة أبطأ من ضياع الوظائف، ويجيب أن هذا يبدو مستبعدا. فعدد الوظائف لم يتأثر منذ انطلاق الثورة التكنولوجية، بدءا بالكمبيوترات الضخمة في منتصف القرن الماضي ووصولا إلى ثورة الكمبيوترات الشخصية والإنترنت في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين.

إن القلق السائد لا يتعلق بعدد الوظائف وإنما بجودتها. فبينما يزداد الاعتماد على الآلة في المزيد من الوظائف، يزداد عدد الوظائف التي تحتاج إلى المهارة. والسبيل الوحيد للتخلص من هذا القلق هو بذل مجهود مضاعف في التعلم، وتحسين مستوى المهارات والخبرات. وخلاصة القول هي أن الروبوتات ستقضي على الكثير من الوظائف، لكن البشر سيخلقون الكثير غيرها.

من جهة أخرى أبدت تقارير إعلامية أخرى مخاوف من مخاطر الاعتماد الكامل على أجهزة الروبوت والذكاء الاصطناعي، حيث رجّح بعض مراقبي أنظمة الذكاء الاصطناعي أنها قد تقود العالم إلى حتفه لذلك يجب عدم السماح لها بإدارة المنظومات الحاسوبية الحديثة. وكثيرا ما حذر عدد من خبراء التكنولوجيا من النتائج الخطيرة المحتملة لأنظمة الذكاء الاصطناعي ذات البراعة الفائقة.

ووفقا لأعداد أخرى من الناس فإن هذه المخاوف تنطوي على مبالغة، حيث يقول أندرو نغ، من جامعة ستانفورد، وهو في نفس الوقت كبير العلماء لدى شركة الإنترنت الصينية العملاقة بايدو “تشبه المخاوف من ظهور أجهزة روبوت قاتلة تلك المخاوف المتعلقة بالزيادة السكانية على كوكب المريخ”.

مثل هذه الآراء لا تنفي أن الاعتماد المتزايد على أجهزة الذكاء الاصطناعي لا يحمل في طياته مخاطر حقيقية، فبينما تتزايد مشاركة المنظومات الذكية بصورة أكبر في عمليات اتخاذ القرار في العديد من المجالات، من الرعاية الصحية، إلى الأمور المالية، مرورا بما يتعلق بالعدالة الجنائية، كما تزيد احتمالية التعرض لمواقف لا تخضع فيها تلك المنظومات الذكية إلى الرقابة والتدقيق بالشكل اللازم.

كما أن استخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع يمكن أن يؤدي إلى العديد من التبعات، مثل تغيير علاقات البشر بالأطباء في حالة الاعتماد على تلك الأجهزة بصورة كاملة في مجال الطب.

في الوقت الراهن يحاول البشر تعليم الذكاء الاصطناعي التجاوب مع السلوكيات المختلفة باستخدام كميات كبيرة من البيانات، مثل التعرف على وجه موجود ضمن صورة تضم عدة وجوه، أو اختيار حركة صائبة في إحدى ألعاب الهواتف الذكية، حتى أنه تم تطويع أجهزة الذكاء الاصطناعي لتعمل في العديد من المجالات، وقطاعات تمتد من الأمور المالية إلى النقل والمواصلات، ومراقبة سوق الأسهم لكشف أي عمليات تداول مشبوهة، أو للمساعدة في مراقبة الملاحة الجوية، وحركة المرور على الأرض.

كما تساعد في منع وصول رسائل البريد الضارة أو المزعجة إلى صندوق بريدك الإلكتروني. وهذه جميعها ليست إلا البداية بالنسبة إلى أجهزة الذكاء الاصطناعي. وكلما تطورت تلك التقنيات، ازداد عدد البرامج والتطبيقات التي تستعملها.

ودعا بعض الخبراء البشر إلى الوقوف على المخاطر الحقيقية التي تكمن في وضع ثقة أكثر من اللازم في الأنظمة الذكية التي يصنعونها بأيديهم، بدل الشعور بالقلق بشأن سيطرة أجهزة وبرامج الذكاء الاصطناعي على مستقبل البشرية.

9 بالمئة فقط من وظائف سوق العمل الأميركية، و10 بالمئة من وظائف سوق العمل البريطانية ستقوم بها الآلات

ومن الأمثلة التي أظهر فيها الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قصورا، استخدام أحد المستشفيات لنظام إلكتروني يعمل بشكل آلي بهدف تحديد المرضى المصابين بمرض الالتهاب الرئوي ليعرف من منهم في حالة خطيرة قد تؤدي إلى الوفاة، حتى يجري إدخاله إلى المستشفى بصورة عاجلة.

لكن ذلك النظام الآلي جاء بنتيجة مختلفة تماما، إذ صنّف المصابين بمرض الربو على أنهم أقل عرضة للموت، ولا يحتاجون لتلقي العلاج بصورة عاجلة في المستشفى، في حين أن من يعانون من الربو والمصابين بمرض الالتهاب الرئوي، ينقلون مباشرة إلى قسم العناية المركزة. وبذلك يحصلون على العلاج الذي يُقلل بشكل كبير من مخاطر الوفاة.

وبما أن أجهزة الذكاء الاصطناعي تُصمم لتقييم أمور كثيرة في الحياة، بداية من التصنيف الائتماني إلى تقييم جدارة الإنسان في أدائه لوظيفة ما، وحتى احتمالات عودة بعض المجرمين لارتكاب جرائم معينة، فإن مخاطر وقوع هذه الأجهزة في خطأ في بعض الأحيان، يزيد الوضع سوءا.

ويعتقد خبراء التكنولوجيا أن الإنسان هو من يبتكر ويطور الذكاء الاصطناعي ليكون نسخة أخرى عنه، فمن المرجح أن يكون مثله تماما غير خال من العيوب. وقد كشفت مؤسستا “لينكد إن” و”إيباي” النقاب عن رغبتهما في الاستثمار ضد الذكاء الاصطناعي، حيث تمكن كل من ريد هوفمان مؤسس “لينكد إن” وبيير أوميديار مؤسس “إيباي” من جمع 10 مليون دولار، لتمويل الأبحاث العلمية التي تعمل على إيقاف التطوير العشوائي للذكاء الاصطناعي.

وأوضحت كلا المؤسستين أن الهدف من هذا الاستثمار زيادة الوعي لمنع الروبوتات والآلات من محاكاة البشر في المستقبل وأَلا تصبح هذه الأنظمة ضد الإنسان فيما بعد.

ومن المتوقع جمع المزيد من المستثمرين لتمويل البحوث التي ستُجرى في مختبرات ميديا لاب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومركز بيركمان كلاين التابع لجامعة هارفارد.

وعلى الرغم من الفوائد الكثيرة التي استفاد منها البشر بفضل الذكاء الاصطناعي في عدة مجالات، مثل الطب والتعليم، إلا أن هناك العديد من الخبراء والمسؤولين التنفيذيين يرون أنه من المحتمل أن تؤدي العديد من الأنظمة الذكية إلى حدوث كارثة في نهاية المطاف.

ومن شأن التمويل المذكور أن يدعم الخبراء للعمل على البحث في تحقيق التعادل الاجتماعي في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتركيزها على المجالات النافعة للناس، مثل التعليم، والطب، والنقل، وغيرها من المجالات الحياتية، دون المساس أو وجود احتمال لأذية العامل البشري الفعّال في المستقبل.

18