مخاوف متصاعدة من اجتياح ظاهرة التصحّر للأراضي الزراعية في تونس

مطالب بوضع استراتيجيات وخطط عمل لمعالجة زحف الصحراء.
الأربعاء 2021/06/23
خطر محدق بالمساحات الخضراء

تواجه الأراضي التونسية خطر ظاهرة التصحّر، حيث أصبحت المساحات الزراعية عرضة لزحف الصحراء والكثبان الرملية، في ظل أزمة سياسية واقتصادية حادة، ما يطرح تساؤلات حول مدى استعداد الدولة لمواجهة خطورة هذه الظاهرة، وخططها لتفادي هذا الخطر المهدد للأمن الغذائي القومي.

تونس - تطرح ظاهرة التصحر التي اجتاحت المساحات الزراعية في تونس صعوبات كبيرة أمام السلطات نظرا لمخاطر هذه الآفة على المحاصيل والأمن الغذائي في وقت تنشغل فيه الحكومة بأزمة سياسية واقتصادية ما يزيد حسب مراقبين في تعميق الأزمة.

وكشفت وزارة الشؤون المحلية والبيئة في تونس أن 53 في المئة من أراضي البلاد تعتبر شديدة الحساسية لظاهرة التصحر مقابل 40 في المئة ذات حساسية متوسطة و7 في المئة ذات حساسية ضعيفة.

وأكدت في بيان خلال اليوم العالمي لمكافحة التصحّر “سعي تونس، تناغما مع التوجه الدولي لاستعادة الأراضي المتدهورة، لتحييد 2.2 مليون هكتار من التدهور في أفق سنة 2030 كهدف وطني، وهي المساحة التي تزايدت هشاشتها خلال العشر سنوات الأخيرة بالرغم من المجهودات الوطنية المبذولة”.

وحددت الوزارة هذا الهدف ضمن برنامج العمل الوطني لمكافحة التصحر للفترة 2018 – 2030 الملائم لمختلف الاستراتيجيات القطاعية الوطنية ذات العلاقة بالموارد المائية والغابات والتنوع البيولوجي والتغيرات المناخية، والذي تمت المصادقة عليه من طرف المجلس الوطني لمكافحة التصحر في جلسته الأخيرة.

ويزحف شبح التصحر على المناطق الخضراء والمزارع في البلاد والتربة الخصبة التي بدأت تفقد الكثير من خصائصها الزراعية، ما ينذر بأزمات خطيرة في المستقبل.

والتصحّر هو تدهور الأراضي في المناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة شبه الرطبة، وهو ناتج في المقام الأول عن الأنشطة البشرية والتغيرات المناخية. ويختلف مفهوم التصحّر عن مفهوم التوسّع المادّي للصحراء الموجودة مسبقا، حيث إنه يمثل العمليات المتعددة التي تهدد نظم البيئة للأراضي الجافة ومن بينها الصحاري والمراعي والأراضي والمستنقعات.

عادل الهنتاتي: الأراضي أصبحت عرضة للتصحّر ما يهدد الأمن الغذائي القومي
عادل الهنتاتي: الأراضي أصبحت عرضة للتصحّر ما يهدد الأمن الغذائي القومي

وفسّر خبراء زحف التصحّر بعوامل بيئية ومناخية في علاقة بالموقع الجغرافي للبلاد التونسية، فضلا عن عوامل بشرية وإدارية تتمثّل في ضعف سياسة الدولة في مقاومة الظاهرة المهدّدة لقوت التونسيين ومعيشتهم.

ويعتقد الخبير في البيئة عادل الهنتاتي، أن “نسبة التصحّر تتجاوز الـ53 في المئة، لأن تونس تواجه مشكل التصحّر ككل المناطق شبه المدارية، فضلا عن كون الأراضي التي تنتج الغذاء (الأراضي الفلاحية الخصبة) يتم استغلالها منذ أكثر من 4 آلاف سنة”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “التصحّر ناجم عن أربعة عوامل، وهي الانجراف والكثبان الرملية والانجراف الريحي (يتمثل في الرياح القوية حيث تحمل الرياح معها المواد الخصبة للتربة)، وأيضا التملّح الثانوي للأراضي الزراعية السقوية”، قائلا “الأراضي تكون منتجة عندما تكون خصبة، ومتوسّط المواد العضوية في التربة التونسية لا يتجاوز 1 في المئة مقارنة ببقية أراضي العالم التي تتجاوز فيها النسبة الـ4 في المئة”.

وتابع الهنتاتي “الأراضي التونسية أصبحت عرضة للتصحّر وتكوّنت خصوبتها في عهود قديمة، وهي أيضا أراضي هشّة لأن الظروف المناخية الحالية تُفقد الأراضي خصوبتها، وهي مشكلة تهدد مسألة الأمن الغذائي القومي بالأساس”.

ويتسبّب الانجراف سنويا في تونس في إتلاف 10 آلاف هكتار من الزراعة الخصبة، وكنتيجة للانجراف المائي عن طريق السيول، كما فقدت الأرض غطاءها العشبي والنباتي بسبب الري الجائر وسوء استغلال الأراضي الجافة.

وتشكل الرياح في البلاد عامل تعرية وتصحّر قد يكون أكثر أهمية من المياه المتدفقة وذلك من خلال زحف الرمال على الطرقات والمزارع وحتى المنازل.

وأشار الهنتاتي إلى أن “المناطق الجافة بجنوب ووسط البلاد تعاني من الكثبان المتحركة، إضافة إلى ري الأراضي بمياه مالحة، فضلا عن الري غير الرشيد بالمناطق الجافة عن طريق استعمال مياه مالحة ما يؤدي إلى التملح في المناطق السقوية وهو من أهم أسباب التصحر”.

Thumbnail

وعلى الرغم من مجهودات الدولة والهياكل المعنية في مقاومة التصحر، وعلى رأسها وزارة الشؤون المحلية والبيئة، إلا أن الظاهرة أخذت في الاتساع على حساب الأراضي الزراعية ما يفاقم مشاكل المزارعين.

وفي هذا السياق، اعتبر الخبير البيئي أن “تونس بذلت مجهودات كبيرة بغراسة الأشجار منذ الستينات، حتى أنها أصبحت تحتفل بعيد الشجرة كل سنة، وتغرس كل سنة بين 15 و20 ألف هكتار من الأراضي، فضلا عن تهيئة الأراضي المنحدرة وبرامج كبرى لحماية واحات النخيل”.

لكنّ الهنتاتي انتقد الميزانية التي تخصصها الدولة لهذه البرامج المكلفة، قائلا “ميزانية الدولة الآن تشهد ظرفا صعبا وأمامها ضغوطات صحية واجتماعية، وهذه الجهود غيركافية، بل يجب دعم الفلاح وتعزيز نشاطه ليحذق عمليات إنتاج جديدة، على غرار استغلال مياه الري وحسن استغلال الأسمدة حتّى لا تلوّث الطبقة المائية”.

ودعا الهنتاتي الدولة إلى “ضرورة المحافظة على جودة التربة كأولوية قصوى، بالإضافة إلى استرجاع البذور الأصلية التونسية، ويجب أن تعطي الزراعة أولوية قصوى عبر إعادة الثقة في المزارعين ودعمهم”.

ودعت منظمات وجمعيات محلية تضطلع بمهمة الحفاظ على البيئة والمحيط وحماية المناطق الخضراء من التصحر، الدولة إلى ضرورة وضع برامج تنموية جديّة لمقاومة الظاهرة.

53 في المئة من الأراضي في تونس تعتبر شديدة الحساسية لظاهرة التصحر حسب معطيات رسمية

وأفاد المتحدث باسم شبكة تونس الخضراء حسام حمدي، أن “الشبكة تهتم بمشاكل التصحّر في البلاد، خصوصا وأنه لم يبقَ من الغطاء النباتي والغابي بعد الاستقلال سوى 30 في المئة، والبلاد بصدد خسارة المناطق الغابية مع تفاقم مشكل التصحر”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “لدينا مشروع تشجير يشمل 12 مليون شجرة بمعدّل شجرة لكل مواطن، لكن ما زالت هناك تجاوزات بيئية من ناحية التوسّع العمراني ومشكلة التصحّر”.

وبخصوص الحلول المقترحة لمعالجة زحف الصحراء على حساب المناطق الخضراء والأراضي الزراعية، قال حمدي “يجب أن تضع الدولة منوالا تنمويا واضحا وصديقا للبيئة ويحافظ على الموروث البيئي، إلى جانب المستوى التشريعي حيث مطالبة الدولة بوضع استراتيجية واضحة الأهداف والمعالم بشأن معالجة ظاهرة التصحّر”.

ويعتبر العيد الوطني للشّجرة من تقاليد تونس الرّسميّة، وهو مناسبة تعطى من خلالها إشارة الانطلاق لموسم التّشجير الغابي والرّعوي كما تتمّ تظاهرات وحملات تحسيسيّة لحثّ مختلف مكوّنات المجتمع على غراسة الأشجار والمحافظة عليها ودعم المجهودات المبذولة للرّفع من نسبة الغطاء الغابي وتحسين الظّروف البيئيّة الحضريّة والعناية بالمناطق الخضراء والمنتزهات.

حسام حمدي: نستهدف غراسة 12 مليون شجرة وعلى الدولة أن تضع استراتيجية لذلك
حسام حمدي: نستهدف غراسة 12 مليون شجرة وعلى الدولة أن تضع استراتيجية لذلك

ويشير خبراء إلى أن ندرة الأمطار في الآونة الأخيرة زادت من ظاهرة التصحر، إضافة إلى الاستعمال المفرط للمياه من قبل العاملين بالمجال الفلاحي.

وتقدر الإمكانيات المائية المتاحة في تونس بحوالي 4.865 مليار متر مكعب سنويا وتتوزع بين المياه السطحية والجوفية والتساقطات.

وأثّرت التغيرات المناخية بشكل كبير على الموارد المائية، بسبب ارتفاع درجات الحرارة خاصة في الجنوب التونسي وساهمت بشكل كبير في تبخر المياه، فضلا عن الاحتباس الحراري الذي ساهم بشكل أكبر في خفض نسبة التساقطات السنوية للأمطار ما جعل سنوات الجفاف تتوالى وهو ما زاد في انخفاض المياه السطحية وفي مستوى امتلاء السدود والبحيرات الجبلية.

ويفاقم الاستغلال السيء للمياه لدى المواطن من الظاهرة، حيث تعتبر العائلات من القطاعات المستهلكة للمياه خاصة في تعبئة المسابح. كما يعتبر الاستغلال السيء للأراضي الفلاحية من أسباب أزمة المياه، فضلا عن تمدد البناءات على حساب الأشجار والنباتات ما ينجر عنه نقص في عملية التبخر ونقص في نسبة الأمطار فيؤثر ذلك سلبا في مخزون المياه الجوفية.

وباتت معالجة التصحّر أكثر شمولية نتيجة العلاقة القائمة بين المسائل الاجتماعية والاقتصادية وكذلك المواضيع البيئية الهامة وهي التغيرات المناخية والتنوع البيولوجي. وأثبتت الدراسات مدى تأثير التغيرات المناخية وظاهرة تدهور الأراضي الزراعية، وتملّح التربة والاستغلال المفرط للمياه، على الأمن الغذائي.

وتتعرض المزيد من الأراضي لظاهرة التصحّر التي تزداد حدتها بفعل التغيرات المناخية، إلى جانب العوامل البشرية المرتبطة بالإفراط في استغلال الموارد الطبيعية، فضلا عن التوسع العمراني.

واعتمدت تونس، التي انضمت إلى المعاهدة الأممية في 1995، برنامج العمل الوطني لمواجهة التصحر كإطار استراتيجي لإدماج المخططات والبرامج القطاعية.

وسبق أن أشار وزير البيئة والتنمية الأسبق نجيب درويش في تصريحات سابقة إلى أن “مكافحة التصحّر تتطلب تشكيل منظومات بيئية عالية المردود”.

12