مخاوف مصرية من الحرب الليبية

الاثنين 2014/05/26

تقديرات وتكهنات كثيرة ظهرت خلال الأيام الماضية ذهبت إلى أن مصر أكثر المستفيدين من عملية الكرامة، التي بدأها اللواء خليفة حفتر ضد المتطرفين في أنحاء مختلفة من ليبيا، ووصلت الاستنتاجات إلى حد الكلام عن دور مصري مساند، مادي ومعنوي، لهذه العملية، وكانت وسائل الإعلام التابعة لجماعة الإخوان في قطر وتركيا هي التي روجت لذلك، في محاولة للتحريض الخارجي ضد القاهرة، وإظهار أن الإسلاميين مطاردون ومعتدى عليهم دائما.

الواضح أن الدور الذي يقوم به “حفتر” الآن يخدم المصلحة المصرية، ويحقق للقاهرة أهدافا عدة، كانت تشتاق إليها، فالتخلص أو الحد من الإرهاب القادم عبر الحدود مع ليبيا مسألة غاية في الصعوبة، وكلف البلاد ثمنا باهظا خلال الفترة الماضية، كما أن الوصول إلى درجة من الهدوء والاستقرار في الجارة ليبيا مطلب استراتيجي، بعد أن أصبحت الأسلحة والعناصر التي تتسرب أو يتم تهريبها من هناك إلى الأراضي المصرية منغصا أساسيا، وسط استحالة السيطرة على الحدود المشتركة البالغ طولها حوالي 1500 كيلو متر.

بالتالي إذا حقق اللواء “حفتر” هدفه المعلن، أي تنظيف ليبيا من المتشددين بأطيافهم المختلفة، وأحكم سيطرته على البلاد وأعاد إليها اللحمة الوطنية، يكون قد قدم خدمة جليلة لمصر، لكن المشكلة في وجود نسبة للفشل قد لا تقل عن نسبة النجاح، وهنا تظهر حزمة مخاوف مصرية من المعارك الدائرة في ليبيا، أبرزها شيوع الحرب الأهلية، وانتشار الفوضى والانفلات على نطاق واسع، ونجاح العناصر المتطرفة في أن تجد لها ملاذا أكثر أمنا، خاصة أن هناك كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات الثقيلة يملكها المتشددون، فضلا عن التواصل الممتد في المنطقة المحيطة بليبيا، وظهور ملامح سابقة لاتجاه بعض القوى المؤثرة لتجميع هؤلاء في منطقة واحدة لتوظيفهم، وإذا حان وقت التخلص منهم سيكون من السهولة القضاء عليهم، لأن انتشارهم في دول مختلفة يصعب من هذه المهمة، لذلك من حق مصر أن تقلق حال فشل عملية “حفتر” لأن ارتداداتها سوف تنعكس سلبا عليها.

الدعم الضمني الغربي لهذه العملية، الذي ظهر في شكل صمت على ما يقوم به “حفتر”، يعبر عن الرضا عنه، وكأن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وحلف الناتو عموما أصبحوا ينشدون الاستقرار في ليبيا، بعد أن تسببت تصرفاتهم الخاطئة، عقب سقوط نظام القذافي، في جزء كبير مما وصلت إليه البلاد من تدهور. لذلك قد يكون في الأمر خدعة، ترخي بظلال قاتمة على مصر، فواشنطن وحلفاؤها لن ينسوا أن المؤسسة العسكرية المصرية ساهم دعمها للثورة الشعبية في 30 يونيو الماضي في إسقاط حكم الإخوان، وإفشال مخططات الغرب في المنطقة، ومن لديه مرارات سياسية من هذا النوع يصعب أن يتجاوزها بسهولة، ولن تخدم تصرفاته خصومه .

القلق المصري يكمن في عدم استبعاد أن تحتوي عملية الكرامة على فخ خطير، قد لا يكون اللواء حفتر شريكا مباشرا فيه، لكن النتائج التي يمكن أن تفضي إليها تحركاته ربما تقود إليه، والفخ قد يأتي من رحم ثلاثة احتمالات رئيسية:

الأول، انتصار “حفتر” على الإرهابيين وفلولهم، وحدوثه بالطبع سوف يستغرق وقتا طويلا، وربما يتطلب مساندة عسكرية مصرية، لأن المتطرفين ليسوا لقمة سائغة، ومعركتهم في ليبيا معركة حياة أو موت، ودفاعهم عن مواقعهم سيفرض عليهم فتح قنوات اتصال قوية مع كل المتخوفين من صعود “حفتر” والمتربصين بالقاهرة، وحتى يتم الوصول إلى مرحلة الانتصار من غير المستبعد أن تجد مصر نفسها متورطة في بحر الرمال العظيم، لتجنب مواجهة سيناريو هزيمة قوات “حفتر” وتداعياتها.

الاحتمال الثاني، نجاح المتشددين في التمترس في مواقعهم، وعدم الاستسلام للهزيمة، وقد احتاجت فرنسا في عمليتها العسكرية في مالي لهزيمة المتشددين هناك إلى دعم دولي وافر، وقوات من جنسيات متعددة، ومع ذلك لم تتمكن من القضاء عليهم تماما، ولا تزال عناصرهم متمركزة في شمال مالي، وعلى مسافة غير بعيدة من ليبيا. وفي حال فشل عملية الكرامة، سوف يتحول متشددو ليبيا لتنظيم صفوفهم والبحث عن وسائل لمزيد مضايقة مصر والانتقام من قيادتها الجديدة.

الاحتمال الثالث، دخول شبح تقسيم ليبيا إلى حيز التنفيذ، ففي ظل التوازن الهش بين القوى المتصارعة، قد لا تجد البلاد من مفر أمامها سوى الإقدام على هذا الخيار، الذي لاحت بوادره منذ فترة، بعد إعلان برقة رغبتها في الانفصال. ورغم أن “حفتر” نجح خلال الأشهر الماضية في التعاون والتنسيق مع شيوخ القبائل الليبية وحصل على ضمانات دعم وتأييد ومباركة لعمليته العسكرية، فإن التطورات على الأرض قد تكون أسرع من تحركاته، ويصبح سيناريو التقسيم أحد الحلول لوقف نزيف الدم والفوضى، الأمر الذي تترتب عليه متاعب عميقة لمصر.

التقدير عندي أن القاهرة تدرك هذه المخاطر، وتتصرف بحذر مع التطورات المتلاحقة، وتحرص على تجنب الانخراط مباشرة في الشأن الليبي، وتحاول توظيف ما تملكه من أوراق سياسية لقطع الطريق على الوصول إلى أي من الاحتمالات الفائتة، ودرايتها الدقيقة بما يدور في الفناء الخلفي لها سوف تعصمها حتما من الوقوع في أي “فخاخ” غربية قد تأتي من ليبيا.


كاتب مصري

8