مخاوف من استغلال الحكم المحلي لتغذية النعرات الجهوية في تونس

تستعد تونس لإجراء أول انتخابات محلية في مارس 2018 إذ يتوقع التونسيون أن يكون لها تأثير إيجابي مباشر وسريع على الحياة اليومية في المناطق الداخلية البعيدة عن العاصمة، إضافة إلى أنها تكرس مبدأ اللامركزية في اتخاذ القرارات والذي يعتبره الكثيرون أساس دفع نسق التنمية في المحافظات. وفي المقابل عبر سياسيون عن تخوفهم من أن يتحول الحكم المحلي إلى منطلق لخلق الفتنة وإذكاء النعرات الجهوية بين التونسيين بهدف خدمة أجندات سياسية معينة.
الجمعة 2017/10/27
وطن جامع لأبنائه لا مفرقا لهم

تونس- وصف وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية مبروك كورشيد الباب السابع من الدستور التونسي، المنظم لعملية تركيز الحكم المحلي في البلاد، بـ”الخطير” و”المثير للفتنة بين التونسيين” إذ يمكن أن يستغله البعض من الأطراف لتغذية النعرات الجهوية بهدف تنفيذ أجندات سياسية.

وتتزامن تصريحات الوزير، لوسائل إعلام محلية الأربعاء، مع استعداد البلاد لتنظيم انتخابات محلية العام المقبل وتسعى الحكومة لإنجاحها باعتبارها أول استحقاق محلي منذ سقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

وقال كورشيد إن “أخطر ما في الدستور هو الباب السابع المتعلق بإدارة الحكم المحلي والجهوي (في المناطق الداخلية) وأن تونس صغيرة جغرافيا وهي لا تتحمل إثارة الفتن فيها”. لكن، في المقابل، يرى سياسيون أن تنصيص دستور 2014 على تركيز الحكم المحلي من بين أهم مكاسب ثورة 2011.

وينص الباب السابع من الدستور التونسي الجديد على أن تتمتع الجماعات (الهياكل) المحلية بالشخصية القانونية وبالاستقلالية الإدارية والمالية وأن تسير الشأن المحلي وفق مبدأ التدبير الحر. ويوفر الدستور للسلطات المحلية موارد ذاتية تتصرف فيها ولا تخضع إلا لرقابة القضاء المالي.

جوهر بن مبارك: تعطل مسيرة التنمية في البلاد كان نتيجة المركزية المبالغ فيها

واستغرب جوهر بن مبارك أستاذ القانون الدستوري تصريحات كورشيد، إذ وصفها بـ”الخطيرة” و”غير المسؤولة”. وقال، لـ”العرب”، إن “خطورة تصريحات كورشيد تكمن في أنها صادرة عن مسؤول في الحكومة التي يفترض أن تكون أكثر حرصا على تطبيق مبادئ الدستور”.

وتابع بن مبارك “عدم تطبيق الباب السابع هو الفتنة بعينها وليس كما قال الوزير إن تطبيقه فتنة”، مؤكدا أن عدم تطبيق بنود الحكم المحلي التي نص عليها الدستور في بابه السابع من أهم أسباب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.

وأوضح بن مبارك أن “تعطل مسيرة التنمية في البلاد كان نتيجة المركزية المبالغ فيها”، في الوقت الذي اتجهت فيه الدول الحديثة إلى تكريس الحكم المحلي كقاطرة للاقتصاد والتنمية.

وأكد بن مبارك أن تأجيل تنظيم الانتخابات المحلية إلى مارس 2018 عوضا عن إجرائها في ديسمبر 2017 يندرج ضمن نوايا حكومية لعدم تطبيق آليات الحكم المحلي من خلال تعطيل استكمال مجلة الجماعات المحلية.

وتطرق مبروك كورشيد إلى ما أسماه بـ”خطر الفتنة المحدق بتونس من خلال الباب السابع المنظم للحكم المحلي”، في تصريحات أدلى بها قبل دخوله حكومة الوحدة الوطنية.

واعتبر كورشيد أن “أخطر ما في الدستور هو الباب السابع الذي أعطى طابعا انفصاليا للمحافظات والأقاليم التونسية”، مشيرا إلى أن “الباب السابع يشجع الجماعات على افتكاك السلطة من المركز ويجعله ضعيفا ليس لديه حتى حق الفيتو بل فقط اللجوء إلى القضاء”.

ودعا الرئيس التونسي السابق محمد المنصف المرزوقي إلى تقسيم البلاد إلى أقاليم وذلك لممارسة الديمقراطية القاعدية التشاركية ودفع التنمية والاستثمار بها.

وقال المرزوقي “تقسيم البلاد إلى أقاليم هو أكبر سلاح في الحرب ضد الفقر والتهميش ومن أجل التنمية العادلة والمستدامة”، مشيرا إلى أن ميزانية الأقاليم تأتي أساسا من الثروات التي تحتويها وذلك من خلال تخصيص 20 بالمئة من عائدات الثروة لتوظيفها في التنمية المحلية.

مبروك كورشيد: الباب السابع من الدستور قانون خطير يكرس الفتنة والنعرات الجهوية

وأوضح المرزوقي “إذا كانت هناك أقاليم تحصل على موارد كبيرة نتيجة وجود ثروات الوطن مجمعة فيها كما هو الحال في الجنوب فعليها أن تقبل بسقف معين والباقي يذهب للأقاليم الأفقر فتكون هناك مساعدات من إقليم لآخر في ظل الوحدة الوطنية”.

ولقيت تصريحات المرزوقي معارضة شديدة من أوساط سياسية وإعلامية واسعة رأت في هذه المقترحات تكريسا للفتنة وإثارة للنعرات الجهوية بين التونسيين.

ويقول منتقدو مقترح المنصف المرزوقي إن اقتطاع كل جهة غنية بالثروات الطبيعية نسبا من مواردها لدعم برامج التنمية بها سيعمق الهوة بين المناطق الغنية والأخرى التي تفتقر إلى ثروات، مما سيدفع إلى المزيد من تعميق فجوة التنمية بين الجهات الداخلية.

وتناقش لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح، بمجلس نواب الشعب، مشروع قانون مجلة الجماعات المحلية الذي قدمته وزارة الشؤون المحلية والبيئة في مايو الماضي.

ويهدف مشروع القانون المتكون من 363 فصلا إلى تركيز اللامركزية في تونس في مسعى من الحكومة لدفع التنمية بالمناطق الداخلية البعيدة عن العاصمة مما يدعم اقتصاد البلاد.

ويرى بن مبارك أن “كلام مبروك كورشيد يعكس نية للتراجع عن تركيز الحكم المحلي وعدم تطبيق المبادئ الدستورية”، مشيرا إلى أن عدم استكمال مجلة الجماعات المحلية قبل إجراء الانتخابات في مارس 2018 “يندرج ضمن خطة ممنهجة لعدم تطبيق ما نص عليه الباب السابع من الدستور”.

ويقول سياسيون إنه يمكن إجراء الانتخابات البلدية دون إتمام مجلة الجماعات المحلية، في حين تعارض منظمات غير حكومية هذا الطرح وتعتبره “غير دستوري”.

وقال المنسق العام لشبكة “مراقبون” رفيق الحلواني، إن “العمل بقانون 1975 للبلديات في صورة عدم المصادقة على مجلة الجماعات المحلية إجراء غير دستوري”.

4