مخاوف من الإمعان في التضييق على عمل المجتمع المدني في مصر

الاثنين 2016/09/19
حسام بهجت وزملاؤه وقود لمعركة

القاهرة- يبدو أن القاهرة على أبواب مواجهة دولية جديدة مع المنظمات الحقوقية، بعد أن رد بعضها، الأحد، بعنف على حكم أصدرته محكمة مصرية، السبت، بتأييد منع عدد من الناشطين الحقوقيين من التصرف في أموالهم، لارتباطها بالقضية المعروفة في مصر بـ”التمويل الأجنبي”.

ويحاكم البعض من النشطاء، على خلفية الاتهام بتلقي تمويل أجنبي من جهات خارجية، بالمخالفة لأحكام القانون، بمبلغ يزيد على مليون ونصف المليون دولار أميركي، وفي حال ثبوت التهمة عليهم سوف يواجهون أحكاما بالحبس لفترات تصل إلى السجن المؤبد (25 عاما). وأيدت محكمة مصرية قرارا بمنع خمسة حقوقيين مصريين من التصرف في أموالهم، فيما أيدت قرارا مماثلا ضد ثلاثة مراكز حقوقية وهي: مركز هشام مبارك للقانون، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، والمركز المصري للحق في التعليم.

وشمل الحكم كلا من جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وحسام بهجت، مؤسس المبادرة المصرية لمعلومات حقوق الإنسان، وبهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وعبدالحفيظ طايل مدير المركز المصري للحق في التعليم، ومصطفي الحسن مدير مركز هشام مبارك للدراسات القانونية.

وقال الناشط الحقوقي عبدالحفيظ طايل لـ”العرب”، إن الوضع الآن أصبح يشكل تهديدا جديا للعاملين في المنظمات الحقوقية، خصوصا أن هناك إجراءات أخرى في إطار القضية ذاتها خضع لها بعض العاملين والمديرين الماليين لتلك المنظمات منها ما يتعلق بالمنع من السفر وتجميد نشاط عدد من المنظمات. وأضاف أن الحكم يأتي أيضا متسقا مع العمل الذي بدأه النظام قبل ثلاث سنوات في محاولته لتجفيف منابع عمل مؤسسات المجتمع المدني والأهلي في مصر، الذي بدأ بالجمعيات الأهلية والخيرية المنتمية غلى جماعة الإخوان المسلمين.

وأكد مراقبون أن القاهرة سوف تواجه انتقادات متزايدة من منظمات دولية، ترى أن هذه النوعية من الأحكام تستهدفها بالأساس، بعد أن ضيقت الحكومة الخناق على عملها داخل البلاد، ما أثر على عمل المنظمات المحلية التي قد تكون لها صلات مباشرة بها. وتتضافر الانتقادات الحقوقية الخارجية، مع أخرى سياسية وإعلامية، تستهدف النظام المصري، ووجهت إليه اتهامات من جهات مختلفة، تحمله مسؤولية الأزمات التي تمر بها البلاد.

سعيد صادق: في حالة التحولات السياسية بصورة عامة فإن حقوق الإنسان تعتبر أولى الضحايا

ووجهت منظمة “هيومن رايتس مونيتور” انتقادات واسعة إلى الحكومة والقضاء المصري، معتبرة الحكم محاولة لـ”إرهاب ومنع النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان من أداء دورهم في الدفاع عن حريات وحقوق ضحايا السلطات المصرية”. وأكدت منظمة العفو الدولية أن الحكم “طعنة نافذة لحركة حقوق الإنسان في مصر، والسلطات تستغل القضية كوسيلة لسحق حركة حقوق الإنسان”. وأوضحت المفوضية الأوروبية أن الحكم يؤثر بشكل مباشر على نطاق واسع على منظمات المجتمع المدني التي تعمل في مجال حقوق الإنسان.

وأشارت إلى أن الضغط المتزايد على المجتمع المدني، لا سيما منظمات حقوق الإنسان والحقوقيين، لا يتماشى مع التزام مصر بالترويج لاحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يكفلها الدستور، والمنصوص عليها في اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر. وقال حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، لـ”العرب”، إن الأنظمة السياسية التي تعاقبت على الدولة المصرية منذ ثورة يناير 2011 وحتى الآن لا ترحب بعمل منظمات المجتمع المدني المهتمة بقضايا حقوق الإنسان، وكان لزاما عليها أن تبحث عن ثغرات لمواجهتها.

وأضاف أن تلك الثغرات تمثلت في التمويلات الأجنبية التي تتلقاها تلك المنظمات، وبالتالي فأسلم الطرق لمواجهتها يكون من خلال القانون، لكن ذلك لا يعني أن أحكام القضاء مسيسة مثلما تحاول تلك المنظمات أن تشي بذلك، إنما هي تعكس تطبيقا للقانون بشكل حاسم عليها. وبرأي نافعة، وهو أكاديمي لديه تحفظات على النظام الحاكم في مصر حاليا، أنه حتى نظام الإخوان الذي كان يتغني بأهمية حقوق الإنسان قبل توليه السلطة وعقب رحيله لم يكن سعيدا بنشاطات المنظمات الحقوقية داخل مصر، ولم يبد اهتماما حقيقيا لتنشيط دور المجلس المصري لحقوق الإنسان.

قبل خمس سنوات اتهم القضاء المصري 43 ناشطا، من مصر والولايات المتحدة وألمانيا والنرويج ولبنان وفلسطين، بإنشاء جمعيات أهلية والحصول على تمويل دون تصريح رسمي، قبل أن تقرر محكمة الاستئناف إلغاء حظر السفر المفروض على المتهمين الأجانب في القضية بعد دفع كفالة مليوني جنيه (300 ألف دولار تقريبا) لكل منهم، ما أثار الرأي العام في حينه.

ومنذ شهر مارس الماضي عادت قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني لتشغل الرأي العام المصري من جديد، بعد أن قرر قاضي التحقيق في القضية فتح التحقيقات مرة أخرى، وارتفع إجمالي الحقوقيين الممنوعين من السفر على خلفية القضية إلى 12 حقوقيا وحقوقية، فضلا عن استدعاء 5 آخرين للتحقيق. ووفقا لتقديرات البعض من الحقوقيين فإن الحكومة المصرية وضعت العديد من الضوابط القانونية الصارمة على تلقي التمويلات الأجنبية منذ عام 2011، وتحظر عمل ذلك، إلا من خلال وزارتي الخارجية والتضامن الاجتماعي.

ويربط البعض بين تواجد فايزة أبوالنجا، في منصب مستشار الرئيس للأمن القومي، وإعادة فـتح القـضية، حيث كانت المفجّر الرئيسي لها عام 2011 حـينما كانت تـتولي حقيبة التعاون الدولي، وهي ترى أن تلك المـنظمات تستغل الأوضـاع الحـقوقية في مـصر لتـحـقيـق أهـداف سـياسـية بـعيدة عن أدوارها المتعلقة بالرقابة وإصدار التقارير. وقال سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية في القاهرة لـ”العرب”، إنه في حالة التحولات السياسية بصورة عامة فإن حقوق الإنسان تعتبر أولى الضحايا.

وأضاف أن تغير النخب الحاكمة يؤثر أيضا على حالة حقوق الإنسان، وهو ما تعانيه مصر عقب اندلاع ثورتين متعاقبتين، فدائما يكون هناك قلق لدى النظام الحاكم من الأنظمة القديمة لاستغلال تلك التنظيمات لمصالحها، ويواجهها بقوة لتثبيت أركانه. وشدد صادق على أن الأحكام الأخيرة لن تؤثر على علاقات مصر الدولية، ولن تكون لها أصداء تذكر أثناء زيارة الرئيس المصري الحالية إلى نيويورك، لافتا إلى أن العلاقات الدولية تحكمها المصلحة المشتركة وتوازن القوى وليست حالة حقوق الإنسان.

2