مخاوف من تكرار مأساة غرق المهاجرين بقرقنة التونسية

القصور الأمني بالجزيرة والضائقة المادية للصيادين يهددان بحوادث مماثلة.
الخميس 2018/06/14
قرقنة الهادئة تعاني

صفاقس (تونس) – لا تزال جزيرة قرقنة التونسية تحصي ضحايا قارب المهاجرين غير النظاميين، الذي غرق قبالة شواطئها بداية شهر يونيو الجاري أمام مخاوف من حوادث مماثلة تشهدها السواحل التونسية. وغرق 180 مهاجرا في مياه البحر المتوسط قبالة سواحل مدينة صفاقس (جنوب)، لكن البحرية التونسية لم تستطع سوى إنقاذ 68 منهم، فيما تمكّنت من انتشال 81 جثة، إلى حدود السبت الماضي، وبقي الآخرون في عداد المفقودين.

وألقت الحادثة بظلالها على الشارع التونسي، في حين حمّل عدد من النواب الحكومة المسؤولية، متهمين الأطراف الأمنية بـ”التقصير في مراقبة النقاط البحرية” المستخدمة للهجرة السرية، ومنها جزيرة قرقنة. ودفعت هذه الاتهامات رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى إقالة وزير الداخلية لطفي براهم، الأربعاء الماضي، في الوقت الذي أقيل المسؤولون عن الأمن في صفاقس. وتمثل جزيرة قرقنة (جنوب) منصة انطلاق لقوارب الهجرة غير الشرعية من سواحل تونس، نحو أقرب نقطة من السواحل الإيطالية في جزيرة صقلية.

وفي الحديث عن الأسباب التي أدت إلى تزايد نشاط هذا النوع من الهجرة في الجزيرة، قال الناشط والباحث التاريخي محمد رضا السويسي إن “قرقنة تعد وجهة جديدة (للمهاجرين غير النظاميين) نظرا لطبيعتها الجغرافية”. وأوضح السويسي الذي يعيش في الجزيرة في تصريحات صحافية أنها “منطقة ضعيفة أمنيا، كونها حدودية”. وتابع “توجد في الجزيرة موانئ تفتقر إلى الحماية الأمنية، وتقتصر الرقابة على بعض الدوريات الروتينية فقط، بخلاف بقية السواحل التونسية”.

وانسحبت قوات الأمن التونسي في أبريل عام 2016 بشكل كامل من الجزيرة، بعد مواجهات مع محتجين أسفرت عن حرق عدد من المقرات الأمنية؛ وذلك إثر محاولة فك اعتصام عدد من العاطلين عن العمل في قرقنة. وساعد هذا الفراغ الأمني في الجزيرة بشكل كبير على تغذية الهجرة غير الشرعية وأنشطة عصابات تهريب البشر.

أعداد الوافدين على جزيرة قرقنة يتضاعف في الصيف وهو ما يصعب على رجال الأمن التعرف على المتسللين

وتستغرق رحلة المهاجرين عبر البحر 22 ساعة انطلاقا من سواحل جزيرة قرقنة، وصولا إلى سواحل جزيرة “لمبدوزا” الإيطالية. وأشار السويسي إلى سبب آخر ساهم في زيادة أعداد المهاجرين، وهو أمر يتعلق بمنح الصيادين مراكبهم إلى منظمي رحلات الهجرة غير الشرعية، نتيجة ضعف مردود البحر.

وللحد من النشاط غير النظامي، رأى الناشط والباحث التاريخي أن الحلول الأمنية يجب أن تتركز على الأماكن المصدرة للمهاجرين، وألا تتحمل قرقنة كلّها المسؤولية.

وبدوره، أشار الهادي بن جمعة الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل في صفاقس (أكبر نقابة عمالية في تونس) إلى اتصالات مع الحكومة للفت انتباهها بشأن غياب الأمن عن الجزيرة.

واعتبر أن ضعف الجزيرة أمنيا يمكن أن تترتب عليه هجرة سرية في أي وقت، مشيرا إلى أنهم “حذروا من إمكانية تسرب الإرهابيين، خاصة أن موقع الجزيرة مفتوح على أوروبا من جهة، وعلى ليبيا من جهة أخرى”. واستدرك بن جمعة قائلا “لكن لم نجد آذانا صاغية”. وأشار إلى أنه زار الجزيرة في وقت سابق، “ولم ألاحظ أي تغير في الجانب الأمني وهو ما يشكل خطورة كبيرة، خاصة أن أعداد ساكنيها يتضاعف خلال الصيف، ما يصعّب التعرّف على أغراض المتسللين”.

وفي تعليق على الموضوع نفسه، قال الناشط المجتمعي أحمد السويسي، وهو من سكان الجزيرة “لم أتفاجأ بحادثة غرق المركب (…)، نظرا لتزايد الظاهرة في العديد من السواحل التونسية، وبدرجة أكبر في قرقنة”. ولم يستبعد السويسي أن تتكرر مثل هذه الحوادث، “ما لم تتم معالجة الظاهرة والوقوف على أسبابها”. واعتبر أن “قرارات عزل المسؤولين أو الحملات الأمنية ضد مهربي البشر غير كافية”. وحمّل الحكومة التونسية المسؤولية في تحوّل الجزيرة إلى حاضنة للهجرة غير الشرعية، مطالبا إياها بـ”تغيير سياساتها تجاه قرقنة، وتوفير الظروف الملائمة لعودة نشاط الصيد البحري بشكل قوي”. كما طالب السويسي أيضا بـ”مجابهة الفساد المتفشي داخل المنظومة الأمنية، المساهم بشكل كبير في انطلاق رحلات إلى أوروبا من موانئ الجزيرة في وضح النهار”. وتعد حادثة غرق قارب لنقل المهاجرين غير الشرعيين في قرقنة في يونيو الجاري أكبر كارثة تشهدها عمليات الهجرة غير الشرعية عبر سواحل تونس.

وتأتي هذه الحادثة المأساوية بعد كارثة مشابهة في أكتوبر الماضي بسواحل جزيرة قرقنة عندما غرق مركب مهاجرين إثر اصطدامه بخافرة عسكرية خلال مطاردة، ما خلف 46 حالة وفاة.

وأعلن رئيس الحكومة التونسية خلال زيارة إلى جزيرة قرقنة، الثلاثاء الماضي، عن استحداث مراكز أمنية تضمّ وحدات من الأمن والدرك، خلال الأيام المقبلة؛ وذلك للحدّ من الهجرة غير الشرعية.

وبيّنت دراسة أنجزها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية (تابع للرئاسة التونسية)، مؤخرا، أن السلطات المحلية تمكّنت من إيقاف حوالي 20 ألف مهاجر غير شرعي خلال 7 سنوات. وتزايدت معدلات الهجرة غير الشرعية عبر تونس منذ ثورة يناير 2011، مستغلة الغياب الأمني آنذاك، لكنها سرعان ما تراجعت بعد تشديد السلطات الخناق على منظمي هذه الهجرة غير القانونية.

4