مخاوف من عدم إدانة أحزاب تونسية متهمة بالفساد في الانتخابات

دعوات لنزع الشرعية عن برلمانيين وإجراء انتخابات جزئية.
الأحد 2021/01/24
طفح الكيل

أعاد بيان لجمعيات وشخصيات وطنية في تونس الجدل إلى الواجهة حول تقرير محكمة المحاسبات، وهي أعلى هيئة قضائية رقابية في البلاد، حول الانتخابات الأخيرة، حيث طالبت هذه الأطراف بتنفيذ مخرجات هذا التقرير من خلال “نزع الشرعية” عن بعض البرلمانيين ”غير الشرعيين” وتنظيم انتخابات جزئية لتعويضهم.

تونس - تسعى أوساط سياسية ومنظمات في المجتمع المدني في تونس إلى الدفع نحو تنفيذ مخرجات تقرير محكمة المحاسبات حول الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة، في خطوة تستهدف محاسبة الأطراف المتورطة في ارتكاب انتهاكات جسيمة خلال الاستحقاق المذكور والتي تطرق إليها هذا التقرير.

وبالرغم من مضي أكثر من شهرين على كشف المحكمة النقاب عن هذا التقرير الذي أدان العديد من الأحزاب السياسية الوازنة على غرار حزب قلب تونس وحركة النهضة الإسلامية، وهي أحزاب تقود الحزام البرلماني والسياسي الداعم للحكومة برئاسة هشام المشيشي، غير أن هذا التقرير لا يزال يُراوح مكانه وسط تشكيك في قدرة القضاء على المساس بهذه الأحزاب.

وفي الوقت الذي يتزايد فيه الغضب في الشارع ضد المنظومة السياسية التي قادت تونس في العشرية التي تلت ثورة 14 يناير 2011، طالبت ست وعشرون جمعية مدنية وأكثر من مئة شخصية وطنية، الجمعة، بالعمل الفوري على تنفيذ مخرجات تقرير محكمة المحاسبات التي تعد أعلى هيئة قضائية رقابية في البلاد.

واعتبرت هذه الجمعيات والشخصيات الوطنية في رسالة مفتوحة وجهتها إلى كل من رئيس محكمة المحاسبات ووكيل الجمهورية (النائب العام)، أن الانتهاكات التي رصدها تقرير المحكمة “ترقى إلى مستوى الجريمة، ما من شأنه أن يُفضي إلى الحكم بنزع صفة نائب عن العشرات من أعضاء مجلس النواب، فضلًا عن عقوبات أخرى يضبطها القانون وينطق بها القضاء”.

وأكد المُمضون على هذه الرسالة أنه “أصبح بالإمكان نزع الشرعية عن العشرات من الأعضاء غير النزهاء اعتمادا على تقرير محكمة المحاسبات”، مبيّنين أن هذا البرلمان “عارا على شعب تونس الذي ضحّى بالعشرات من أبنائه من أجل برلمان يمثله تمثيلا صادقا ونزيها”.

وشدد هؤلاء على ضرورة “نزع الشرعية” عن هؤلاء البرلمانيين وتنظيم انتخابات تشريعية جزئية “لتعويض النواب غير الشرعيين”.

منى كريم الدريدي: القانون الانتخابي يتيح لأي كان اكتساب صفة نائب وحصانة

واتهم تقرير محكمة المحاسبات، الذي جرى الإعلان عنه في نوفمبر الماضي، أحزابا عديدة على غرار حركة النهضة الإسلامية التي تصدرت نتائج هذه الانتخابات وحزب قلب تونس الذي حل ثانيا، بإبرام عقود مع شركات أجنبية من أجل تلميع صورتها وغيرها من الاتهامات التي زادت من حدة الانتقادات الموجهة للبرلمان.

وفيما تُحاول الأحزاب التي أدانها التقرير تبرئة ذمتها بالإشارة إلى عدم تحرك القضاء ضدها وإدانتها إدانة صريحة، تضغط أوساط سياسية وحقوقية من أجل الدفع نحو رفع الحصانة عن برلمانيين ومحاسبتهم، وهو ما يضع تونس أمام مأزق دستوري.

وقالت أستاذة القانون الدستوري منى كريم الدريدي، إن “النواب منتخبون من طرف الشعب لذلك لا يمكن تجميد عضويتهم، ولكن هناك إجراءات أخرى تتعلق برفع الحصانة (…) هذا الإجراء لا يمكن تبنيه إلا بعد ورود طلب من النيابة العمومية للبرلمان بشأن شبهة جريمة لأحد أعضائه، ثم يقع النظر في هذا الطلب من طرف اللجنة المختصة في البرلمان”.

وأضافت الدريدي في تصريح لـ العرب”، أنه “يمكن لمحكمة المحاسبات أن تتخذ عقوبات مالية على هؤلاء النواب، ولكن هذه العقوبات لا تُنهي المسار القضائي الذي يستمر (…) ما يمكن أن نعيبه على هذا المسار حسب ما ينص عليه القانون الانتخابي هو أنه يتخذ حيزا من الزمن يشبه المدة التي تتخذها الجرائم العادية، بمعنى أنه يمكن للنائب أن ينهي عهدته البرلمانية ويترشح مرة أخرى والقضاء لم يقل بعد كلمته النهائية بشأنه (…) إنها إجراءات مطولة”.

وزاد هذا التقرير الذي اتهم علنا أحزابا تتحكم حاليا في المشهد السياسي في البلاد بإبرام عقود مع شركات أجنبية لتلميع صورتها وتجاوز سقف التمويل الذي يحدده القانون الانتخابي، من حدة الانتقادات الموجهة للبرلمان.

وتعليقا على تباطؤ البت في الشبهات التي وردت في التقرير، قال الناطق باسم حزب التيار الشعبي محسن النابتي، إن “المنظومة بقيادة الإخوان المسلمين الذين تمثلهم حركة النهضة تمكنت من كل الأجهزة (…) من حقنا ومن واجبنا أن نطرق كل الأبواب من أجل محاسبتهم، لكن يجب أن نُحرر الدولة وأجهزتها من قضاء وإعلام من هؤلاء”.

وتابع النابتي في تصريح لـ”العرب”، أن “البرلمان بمكوناته التي فازت في الانتخابات ‘المزورة’ التي جرت في 2019 هو فاقد لأي شرعية (…) كيف لا وهذا البرلمان أثبت فشله في ثلاثة جوانب؛ الجانب الأول قانوني يتمثل في تقرير دائرة المحاسبات الذي أثبت أن هذه الانتخابات مزورة”.

وأوضح “الجانب الثاني يتعلق بشرعية الإنجاز (…) لا وجود للإنجاز طيلة عشر سنوات (…) لقد حطموا مقدرات الشعب التونسي الاقتصادية وجعلوا كل المؤشرات سلبية سواء في الصحة أو التعليم أو غيرها (…) والجانب الآخر هو سقوط الشرعية الأخلاقية جراء ما نشاهده من عنف وإرهاب لفظي وتهديد للتونسيين بالحرب الأهلية وبالميليشيات”.

 وفيما يذهب المعارضون لهذا البرلمان ومكوناته السياسية إلى الأقصى في مواجهته من خلال المطالبة بحله، تنتقد أطراف أخرى أداءه وتُطالبه بتحسين صورته، علاوة على ضرورة تغيير القانون الانتخابي الذي أفرز هذا البرلمان المنقسم على نفسه.

واستنتجت الدريدي بالقول “المشكلة تكمن في القانون الانتخابي الذي لم يضع شروطا للترشح لاكتساب صفة النائب (…) يمكن لأي شخص أن يترشح للانتخابات ويحصل على حصانة ويفلت بالتالي من العقاب”.

2