مخاوف من عزوف التونسيين عن المشاركة في الانتخابات المحلية

تبدو مهمة الفوز بالاستحقاق المحلي القادم في تونس صعبة مع حالة الغضب والاحتقان الشعبيين جراء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة. وأمام تواصل التجاذبات في المشهد السياسي بين الأحزاب المتنافسة والتراشق بالاتهام تزداد، تزيد حالة الإحباط لدى المواطن التونسي الذي كشفت انتخابات دائرة ألمانيا ديسمبر الماضي عن حضوره الضعيف، فالأمل بدأ يتراجع في أن تحقق منظومة الحكم الوعود السابقة بتوفير فرص عمل للشباب وتنمية عادلة.
الأربعاء 2018/01/17
الآمال تتهاوى مع تواصل الضغوط الاقتصادية

تونس - يتوجس الطيف السياسي في تونس من عزوف التونسيين عن المشاركة في الانتخابات المحلية المزمع إجراؤها مايو القادم، وتزيد وطأة هذه المخاوف مع حالة الاحتقان الاجتماعي التي عاشتها البلاد الأسبوع الماضي احتجاجا على موازنة العام الجديد والظرف الاقتصادي الصعب، ما سيلقي بظلاله سلبا على مسار أول استحقاق محلي منذ اندلاع ثورة يناير عام 2011.

ويتوقع متابعون أن تؤثر الأزمة الاجتماعية على حظوظ الأحزاب المتنافسة في الانتخابات القادمة، لجهة غياب برامج سياسية واضحة تستجيب لمطالب شعبية بسيطة، خاصة بعد خيبة أمل الشباب العاطل عن العمل، الذين قادوا انتفاضة يناير، في التمتع بحقهم في التشغيل.

وحذر الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي التونسيين الاثنين من العزوف عن الانتخابات المحلية، واعتبر أن “ذلك يشكل خطرا يهدد البلاد”.

وقال الطبوبي في افتتاح أشغال المؤتمر الجهوي للاتحاد بمحافظة القيروان (وسط) “رغم خيبة آمال الشعب في الانتخابات السابقة وتعليقه آمالا وطموحات عليها لم يتحقق أغلبها، إلا أنه عليه ألا يفقد الأمل”.

وتابع “إرادة الشعب الذي وقف صفا في الانتخابات السابقة، ستعطي الدرس مرة أخرى لكل السياسيين وسيختار التونسيون النخبة السياسية القادرة على تحقيق مطالبهم”.

وتوقعت شركة سبر الآراء المحلية “سيغما كونساي” أن تناهز نسبة العزوف عن التصويت في الانتخابات المحلية القادمة نحو 60 بالمئة.

وتأتي المخاوف من عزوف الناخب لفشل الحكومات الثماني المتعاقبة منذ الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، في الالتزام بوعودها في التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية في الجهات، إضافة إلى ما عاشته البلاد من تجاذبات سياسية بين الأحزاب لرغبة كل منها في التمسك بالسلطة.

ورغم حرص الحكومة برئاسة يوسف الشاهد على بلورة إصلاحات جدية تعيد ثقة المواطن في حكومته، إلا أن المراقبين يشيرون إلى أن فشل التحالف الحاكم الذي تقوده حركتا النهضة والنداء في إدارة الأزمات يؤثر على الإنجازات الحكومية، ويبعث القلق في نفوس التونسيين.

مصطفى عبدالكبير: هناك إحباط يعيشه التونسيون بسبب إخلال النخب السياسية بوعودها

ورغم أن النداء أعلن عن فك ارتباطه عن حركة النهضة مؤخرا، إلا أن المراقبين يؤكدون أنه فك ارتباطي جزئي ومؤقت، وذلك لحاجة الحزبين إلى توافق تحت قبة البرلمان وحاجة كل منهما إلى دعم الآخر في تمرير مشاريع القوانين.

ويفسر المراقبون خطوة النداء بمساعيه لكسب قاعدته الانتخابية مع اقتراب الانتخابات، الأمر الذي يكشف عن براغامتية سياسية، وإعادة تموضع تعمل عليه كل الأحزاب في الآونة الأخيرة، وقد تنبه إليها المواطن.

وقادت نتائج الانتخابات التشريعية الجزئية ديسمبر الماضي التي أطاحت بآمال حزب النداء في الفوز بمقعد ألمانيا لصالح ياسين العياري (مستقل) إلى إعادة ترتيب حساباته السياسية خاصة وأنها حظيت بمشاركة ضعيفة.

وبلغ عدد المشاركين في الانتخابات التشريعية الجزئية بدائرة ألمانيا 1326 ناخبا من بين 26382 مسجلا، أي بنسبة مشاركة في حدود 02. 5 بالمئة.

في المقابل تحاول أحزاب كآفاق والجمهوري اللذين انسحبا من وثيقة قرطاج، وأحزاب معارضة كالجبهة الشعبية، النأي عن الأزمة الاقتصادية الخانقة وعن إجراءات حكومية “موجعة” لإنعاش اقتصاد منهك كمحاولة لكسب تأييد شعبي.

وقال مصطفى عبدالكبير الناشط الحقوقي لـ”العرب” إن “هناك حالة إحباط يعيشها التونسيون بسبب إخلال النخب السياسية بوعودها منذ الانتخابات الماضية”.

ورأى عبدالكبير أن “حركة نداء تونس التي قدمت نفسها كبديل ومنقذ للبلاد لم تنجح في أدائها بسبب خياراتها الخاطئة وتحالفها الفاشل مع حركة النهضة، ما أصاب الشارع بخيبة أمل”. ولفت إلى أن “تعثر المنظومة الحاكمة في إرساء السلطة المحلية وتأخرها في تحديد موعد للانتخابات يبعثان القلق في نفس المواطن وشكه في قدرتها على إدارة الشأن المحلي”.

وقررت الهيئة المستقلة للانتخابات إجراء الانتخابات البلدية في ديسمبر الماضي، لكن استقالة رئيسها شفيق صرصار وعدد من أعضائها قبل أشهر من الانتخابات أدت إلى تأجيلها مما عسر مهمة اختيار رئيس جديد للهيئة. كما كان من المقرر إجراء الانتخابات البلدية في عام 2016، لكن تأخرت المصادقة على قانون الانتخابات المحلية بسبب خلاف على مشاركة رجال الأمن والعسكريين.

وأضاف عبدالكبير “التعثر في المسار الانتقالي، وتحقيق أهداف الثورة والشعارات القائمة عليها من حرية وعدالة عوامل تكشف فشل أداء الحكومة”. واعتبر أنه “رغم انتهاج الحكومة سياسة توافق قائمة على تحالفين، إلا أنها فشلت في الالتقاء في الحلول”. ورأى أنه “لخروج الحكومة من مأزقها عليها أن تتقدم في إصلاحتها وفي معركتها ضد الفساد”، وأضاف “لكسب ثقة الناخب عليها أولا سن إصلاحات حقيقية”.

وأشار إلى أن “حكومة الشاهد أنقذت نفسها من السقوط منذ أن شنت حربا ضد الفساد”. وتابع “الحكومة أنقذت نفسها من تبعات أزمة اعتصام الكامور في محافظة تطاوين عندما قررت خوض معركة ضد الفساد، لكن لم تتقدم في هذه المعركة إلى الآن”. ويعتقد عبدالكبير أن “التقدم في الوعود التنموية، وفي الحرب ضد الإرهاب والفساد ومكافحة التهرب الضريبي، والمتاجرين بقوت التونسي، وتغول المحتكرين، كل ذلك سيعيد ثقة المواطن في قياداته”.

وأعلنت الحكومة التونسية السبت الماضي مجموعة تدابير اجتماعية بعد أسبوع من الاحتجاجات ضد إجراءات التقشف، آملة في تهدئة غضب شرائح شعبية بعد سبع سنوات من الثورة.

ومنذ الإطاحة بالنظام السابق، يعتبر قسم من التونسيين أنهم نالوا المزيد من الحريات إلا أن مستوى معيشتهم تراجع، ورغم أن الحكومات المتعاقبة منذ 2011 استجابت للاحتجاجات الاجتماعية بعمليات توظيف مكثفة في القطاع العام، تجد الدولة التونسية نفسها اليوم أمام صعوبات مالية بعد سنوات من التدهور الاقتصادي العائد خصوصا إلى تراجع الانتاج والسياحة بعد اعتداءات إرهابية في 2015.

4