مختارات جديدة لبورخس عاشق التراث العربي

التاريخ الأدبي ليس تاريخ الكتابة بقدر ما هو تاريخ القراءة.
الثلاثاء 2021/05/04
علاقة بورخس بالكتاب علاقة طقوسية

ما زال أدب خورخي لويس بورخس مثيرا للقراءة والاهتمام والترجمة، حيث أرسى الكاتب الأرجنتيني عوالم ساحرة في شعره وسرده ونثره، عوالم استقاها كما أبرز أكثر من مرة بنفسه من الشرق، وخاصة من الإرث الأدبي العربي الذي ساهم في تشكيل وعيه الجمالي والفكري الذي لا ينفك يبهرنا بتفاصيله في كل مرة تترجم أعماله فيها.

عشرات من الترجمات إلى العربية ومختلف لغات العالم احتفت بالكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخس، وسوف يتواصل هذا الاحتفاء كونه لم يكن مجرد قاص وشاعر أو ناقد متميز أو فريد في رؤاه وأفكاره فحسب، بل كان مثقفا إنسانيا انفتح على مختلف الثقافات الإنسانية. ومن ثم جاء نتاجه الإبداعي شعرا وقصة ونقدا ورسائل مختلفا في ثرائه، وكذا اهتماماته الفكرية بعناصر علم الأساطير والرياضيات وعلم اللاهوت والفلسفة.

أحدث الترجمات التي تناولت بورخس ترجمة الشاعر اللبناني عيسى مخلوف لمختارات شعرية ونصين نثريين هما “الملكان والمتاهتان” و“ابن رشد واقتفاء المعنى” وجاءت المختارات بعنوان “الأحلام المشرعية.. بورخس في متاهة ألف ليلة وليلة”.

مواطن عالمي

قدم مخلوف للمختارات التي صدرت عن مؤسسة بتانة بقراءة مطولة يجول فيها بين إبداعات بورخس انطلاقا من حضور التراث العربي في أعماله الشعرية والنثرية والقصصية، لافتا أيضا إلى لقائه به في باريس، هذا اللقاء الذي قادته إليه ماريا كوداما التي أصبحت زوجة بورخس قبل شهرين من وفاته.

وأهدى بورخس مجموعتيه الشعريتين الأخيرتين “الرقم” و“المتآمرون” لزوجته الأخيرة، وكتب في الإهداء جزءا من فلسفته في الحياة “كل عطية حقيقة هي متبادلة، ما عدا قطعة النقود اللامبالية التي ترميها الصدفة في يد الفقير. فالذي يعطي لا يحرم نفسه مما يعطي، ذلك أن العطاء والأخذ شيء واحد. إن إهداء كتاب ما، هو ككل أفعال الكون، فعل سحري، ويمكن أن ننظر إليه بوصفه الطريقة الأجمل للتلفظ باسم. وها أنا الآن أتلفظ باسمك، ماريا كوداما. فكم من الصباحات، وكم من البحار، وكم من الحدائق، شرقا وغربا، وكم من فيرجيل”.

يقول مخلوف عن ذلك اللقاء الذي جمعه مع بورخس “حين دخلت عليه الغرفة العاشرة، وجدته ممددا على الفراش. وما إن شعر بوجودي حتى نهض وجلس على حافة السرير، ثم استدل على عصاه السوداء، فأمسكها بيديه واتكأ عليها. والتفت إليّ بعينين مفتوحتين لا تريان، قائلا بصوت خفيض متعب ‘إنها عصا صينية قديمة اشتريتها منذ خمسة أشهر. هل أعجبتك؟'”.

الأدب حسب بورخس ليس معنى جاهزا، وإنما مجموعة أشكال تنتظر معانيها وزمن العطاء فيه هو زمن القراءة اللانهائي

وتابع يقول وهو يضحك “لا أستطيع أن أفهم معنى اهتمام الناس بي. هل أنت واحد من هؤلاء؟”.

هذا الكلام الذي يبدو في ظاهره، بسيطا، وينطوي على شيء من المزاح، هو جزء من نظرته إلى الأدب والعالم.

في الصفحة الأولى من كتابه “حمية بوينس آيرس” يوجه بورخس إشارة إلى القارئ يقول فيها إنه لا يميز بين عدمين “عدمه هو نفسه وعدم يمثله قارئه. فالظروف الطارئة هي التي شاءت أن يكون هو الكاتب وليس القارئ”.

ويضيف مخلوف أن بورخس في حواره معه تحدث عن بعض موضوعاته الأثيرة: مكتبة والده، قراءاته الأولى، ألف ليلة وليلة، الأندلس، الشعر والعمى. وقال إن الشرق عالم يجب اكتشافه وتسليط الضوء على مختلف حقباته التاريخية.

وتساءل بورخس عما إذا كان الشرق اليوم موجودا بالنسبة إلى الشرقيين أنفسهم. لكنه سرعان ما شكك في ذلك. ثم تحدث عن السياسة، وكان معروفا بمواقفه اليمينية على الرغم من الفوضوية التي ومن تصريحاته الدائمة “لا أجد أي فائدة في السياسة. وفي الركض وراء المال والمجد. كل هذا غريب عني. أكره النزاعات القومية. الدول خطأ كبير. أحاول أن أكون مواطنا من هذا العالم”. وقد توج حديثه بالعبارة الآتية “أنظر إلى الكون وإلى حياتي الشخصية ولا أفهم شيئا”.

القراءة والتراث العربي

يرى مخلوف أن علاقة بورخس بالكتاب علاقة طقوسية، لقد ظل يتوهم طوال حياته أنه ليس أعمى. يشتري كتبا ويملأ بها داره، ويصرح بأن الكتاب أحد أسباب السعادة الممكنة. ويعتبر أن الكتاب، قياسا إلى ما ابتكره الإنسان، هو أكثر ما يثير ويدهش، لأن الوسائل والأدوات الأخرى امتداد لجسده: المجهر والمقراب امتداد لبصره، الهاتف امتداد لصوته، المحراث والسيف امتداد لذراعه. أما الكتاب فهو شيء آخر تماما. إنه امتداد لذاكرته ومخيلته.

ويرى أن العصور القديمة كان لها حيال الكتاب مواقف خاصة. فالكتاب حل محل الكلام، أي محل الخطاب الشفهي، لافتا إلى أن سقراط لم يترك نتاجا مكتوبا، والمسيح خط مرة واحدة إشارات معدودة محاها الرمل، وبوذا هو أيضا كان معلما شفهيا.

ويشير بورخس إلى عبارة الفيلسوف أنسلم أسقف كانتربري التي جاء فيها “أن تضع كتابا بين يدي شخص جاهل مسألة لا تقل خطورة عن وضع سيف بين يدي ولد قاصر”.

قراءة معمقة داخل إبداعات بورخس
قراءة معمقة داخل إبداعات بورخس

ويضيف أن هذه الفكرة كانت تختصر موقفا سائدا من الكتاب. وأن مهمة الكتاب ليست الكشف عن الأشياء، بل في المساعدة على اكتشافها، وهي لا تزال حاضرة في الشرق كله. هناك كتب لم تكتب لكي تفهم، بل لكي تفسر وتؤول ولتحرض القارئ على تتبع فكرة واحدة محددة.

ويشير مخلوف إلى أن بورخس ينظر إلى القراءة والكتابة بوصفهما توأمين. القراءة تمنحه قدرا أكبر من السعادة. وهناك وفق تعبيره لذة أقوى من القراءة تتمثل في إعادة القراءة، أي في “الغوص أبعد ما يمكن في كتاب كنت قرأته”. وهو يرى أنه “إذا شعرت بالضجر وأنت تقرأ كتابا ما، فلا تتردد في أن تضعه جانبا، لأنه لا يكون كتب لك”.

 الأدب كما فهمه بورخس، ليس معنى جاهزا، وإنما مجموعة من الأشكال تنتظر معانيها. زمن العطاء ليس الزمن الذي تنتهي معه الكتابة، بل هو زمن القراءة اللانهائي. كل كتاب يولد ثانية إثر كل قراءة جديدة، والتاريخ الأدبي ليس تاريخ طرائق الكتابة وأغراضها بقدر ما هو تاريخ طرائق القراءة ومنطقها. ومن هذا المنظور تختلف الآداب باختلاف الطريقة التي تقرأ بها أكثر من اختلاف النتاجات ذاتها. يقول بورخس في كتابه “تاريخ العار الكوني”، “القراءة امتداد الكتابة، إنها مهمة أكثر ثقافة”.

ويرى أن تفاعل بورخس مع الموروث العربي والإسلامي لا يتوقف عند حد، فهو أفاد أيضا من النوادر والأساطير والخرافات التي وقف عليها في الكتب المترجمة من العربية والفارسية إلى لغات عدة، ومنها بالأخص الإسبانية والإنجليزية.

في كتاب “موجز في علم الحيوانات الغريبة” يستقي بورخس فكرة طائر العنقاء الخرافي من الأدب العربي، وطائر “السيمورغ” من “منطق الطير” لفريد الدين العطار. ولا يكتفي باستيحاء موضوعات هذا التراث فحسب، بل يستوحي أيضا أساليبه، كأنه يستهل قصة “الملكان والمتاهتان” بهذه العبارة “يروي رجال أتقياء والله أعلم” ويختم نصه بتسبيح “الذي لا يفنى ولا يموت”. أما قصة “البخاري ميت في متاهته” فتبدأ باستشهاد من القرآن “كمثل العنكبوت اتخذت بيتا”.

ويتابع مخلوف حول اختيارات للنصوص الشعرية والنثرية التي ضمها الكتاب “كالنصوص الإبداعية العظيمة كلها، تقرأ نصوص بورخس كأنك تقرأها دائما أول مرة. وما شجعنا على نشر هذه المختارات، على الرغم من الالتباس الذي يحوط ترجمة الأدب، وهذا الأدب بالأخص، هو أننا اعتبرنا، بداية، أن ترجمتنا ليست أكثر من قراءة واحدة لنصوص تحتمل قراءات عدة. إنها محاولة من أجواء الكتابة الأصلية بلغة أخرى”.

ويضيف “السبب الثاني الذي حثنا على نشرها هو الميل إلى الدعابة الذي دفع بورخس بأن يكون النص الأصلي وفيا لترجمته المقترحة. صحيح أن النصوص الشعرية والنثرية التي اخترناها تركز على جانب محدد وتكشف مدى اهتمام بورخس بالتراث العربي وتأثره به. وفي مقدمه “ألف ليلة وليلة”، إلا أنها لا تنحصر في هذا الجانب فحسب بل تتجاوزه أحيانا إلى جوانب تنطلق من هواجس أخرى، وذلك لموضعة الشرق في نتاج بورخس ووضعه في إطار أشمل يعكس تنوع هذا النتاج وانفتاحه على مختلف الثقافات”.

16