مختارات عربية لشعراء اشتهروا في الشرق والغرب

الترجمة لا تتوقف عند نقل نص من لغة إلى لغة أخرى، بل هي عملية إبداعية شأنها شأن الكتابة الأدبية، ويبقى اتهام المترجمين بالخيانة أمرا عاريا من الصحة.
الخميس 2018/06/21
الترجمة ليست خرطوم نقل بلاستيكي

عمد الأديب والمترجم السعودي حسن مشهور في كتابه الجديد “حوارية العتمة والضوء.. ترجمة وقراءة شعرية لمختارات من الأدب العالمي” إلى اختيار عيِّنات شعرية من ثقافات العالم ومن ثم العمل على ترجمتها إلى العربية ذات الثراء المعرفي والحضور التاريخي الدائم.

بغية أن يتم تحقق الثراء وجودة الانتقاء؛ فقد عمد المترجم إلى تخير قصائد لشعراء عالميين تم ترميزهم من قبل الشعوب العالمية، والعمل كذلك على توليد انتقائية نوعية لتلك الأعمال التي قاموا بكتابتها عبر امتداد وجوديتهم في تاريخنا الإنساني. ومنهم: سان جون بيرس، آنا أخماتوفا، لوركا، شيللر، شيلي، لامارتين وماتسو باشو.

لم يقتصر العمل في هذا السِفْر التُرْجَمي، الصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، على نقل النصوص التعبيرية من اللغة الأخرى إلى لغة الهدف فقط؛ إنما تجاوز ذلك إلى تقديم عرض سيري موجز ومركَّز في تناوله لكل شاعر من أصحاب القصائد المترجمة. بالإضافة إلى تقديم قراءة نقدية تحليلية تتسم بالاختزال لكل شاعر ممن تمّ انتقاء قصائدهم وترجمتها. بحيث يحوي هذا العرض نوعية المذهب أو المدرسة الشعرية التي ينتمي إليها الشاعر أو الشاعرة، وكذلك أسلوب الشاعر وآلية تعاطيه مع المواضيع المطروقة وتلك الأدوات الشعرية التي يوظفها في تعبيراته النصية.

قصيدة

وقال مشهور حول طريقة عمله في الانتقاء والترجمة إنه “على سبيل المثال، عندما سعيت لنقل بعض النصوص الشعرية للشاعر الفرنسي وحائز نوبل الألمعي سانت جون بيرس؛ فقد عمدت إلى ذلك الخيار المثالي، الذي يتمثل في ترجمة الشاعر والناقد الإنكليزي ت.إس. إليوت، والجميع يعي من هو إليوت. فهو من نقل الشعر العالمي إلى مربع آخر غير المعهود؛ وذلك عندما خرج علينا بمطولته الشعرية التي عنونها بـ‘الأرض اليباب‘، حيث كانت قصيدته الشعرية هذه فتحا عالميا أدى إلى تبني الشعر في أغلب ثقافات العالم ومنها العربية لقصيدة النثر؛ منهجا وأسلوبا تعبيريا. وكذلك عبَّر من خلالها عن مخاوفه التي تحققت لاحقا عبر قيام حرب كونية ثانية. لذا فقد كان اختيار ترجمته -أي إليوت- لشعر جون بيرس بالنسبة لي يمثل حتمية لا خيارا. فأنا أعي جيدا بأني لم ولن أجد ترجمة تضاهيها في العمق والجودة والإتقان. ثم على هذا المنوال سرت في انتقاءاتي لتلك الأدبيات التي تحوي النصوص الهدف”.

تساءل مشهور ماذا عن أطروحة “الخيانة الأمينة للنص”؟ وقال “حقيقة نعي كمترجمين أن ما اصطلح على توصيفه عالميا في علم الترجمة بمسمى ‘الخيانة الأمينة للنص‘؛ هي مسلَّمة لا يمكن الفكاك منها. فالمترجم ينقل غالبا من ثقافة تختلف في محتواها التعبيري وموجوداتها وكذلك مجرداتها عن الثقافة الإنسانية التي ينتمي إليها. ولذا فهو عندما يعمد إلى نقل جملة من ثقافة أخرى مغايرة لثقافته الأصلية فإنه يجابه بتولد العديد من الصعوبات على المستوى المفردي والثقافي وكذلك التعارض الدلالي لعدم وجود النظير الإيحالي في اللغة المنقول إليها. فكيف بترجمة الشعر؟ ونحن نعي أنه يتعاطى مع ملكات وتعابير تتجاوز المجرّدات لتطال أبعادا ميتافيزيقية وإيحالات بعينها غير قابلة للرصد ومرجعيات توصيفية تتجاوز مدارات مدركات الحواس لتصل إلى الوجدانيات وجدليات ما وراء الطبيعة”.

ويضيف المترجم في تقديمه لكتابه “من هنا تبقى الترجمة فنا قائما بذاته. بمعنى أنها ليست أيقونة نقل أو وسيط لقالب تعبيري بقدر ما هي كيانا ينظر إليه بمعزل عن التعبيرية التي يسعى لتحويلها إلى كودية مفهومة من الثقافة المقابلة. بمعنى آخر؛ فإن النص المترجم ينبغي ألا يؤخذ ويقيّم في ضوء النص الأصلي المستقى منه. ولكن علينا أن نأخذه كممارسة إبداعية قائمة بذاتها ولها وجوديتها وخصوصيتها الجمالية وتأثيرها الوجداني الخاص على المتلقي”.

14