مختارات من شعر مارتن لانغفورد

الأحد 2015/11/08
الكلمات حقل مشاركة واشتباك

أسبابُ الشِّعر

مَنْ ذَا يَكُونُ صَبِيَّاً وَسِيمَاً إذَنْ؟

مَنْ ذَا يَكُونُ صَبِيَّاً وَسِيمَاً إذَنْ؟

مرحباً! الآن، بصوتٍ مسموعٍ موثوقٍ فيه بِمَقْدُوري أنْ أتكلَّم!

قرعُ طبلٍ، وانتفاخُ شراعٍ ضَخْمٍ: انزلاقٌ، وامتلاءٌ بعطرِ أرواحٍ رهيفة.

مُعْتَقِدَاً

أنَّ التَّعبيرَ

مُواجهةٌ؛

كي تدخلَ في سلاسةٍ رخوةٍ – بتعجُّلٍ،

ومن دون صلاحياتٍ…

لِتُنقِذَ اللَّحظة،

ولِتُشيِّدَ سُدُوداً وخزَّاناتٍ بالزَّخارف والنُّقَط؛

مَسارٌ مهنيٌّ

وقد انزلق إلى زخمٍ دفَّاقٍ ودوافعَ نَشِطَة…

لِطَردِ الأرواح الشِّريرة من أَحْلَكِ الشَّوارعِ سَوَاداً؛

لأنَّ الكَلِماتِ

حقلُ مُشاركةٍ واشتباك؛

كي تُفكِّرَ، حُرَّاً في خاتمة الأمر،

في أقنعة المَرْءِ الواضحة…

كي تُحوِّل المعنى إلى موسيقى؛

كي تطرحَ العالمَ

على حُشَاشِة القلبِ المُعتمةِ، مُتَلَبِّدة الحسِّ؛

كي تُموضِعَ، وتعيدَ مَوْضَعَةَ الـ”هِمْلِكْ” كإسعاف أوَّلي للاختناق؛

لأجلِ مُتْعَةِ التَّسميةِ القديمة

الطُّفولية السَّاذجة؛

لِترسُمَ، على الرِّمال، نقاطَ ارتكاز، أقطاباً؛

لِتُحدِّقَ بإمعانٍ، لا لتُفَكِّرَ، في كلا الجانبين؛

لتستخلصَ الخفَّة وتثيرها:

لترقصَ رأساً وقلباً كحيوانٍ واحدٍ

على مَدَارِ الهَوَاءْ…

لِتَشْهَدَ؛ لِتكونَ وفيَّاً؛

لِتُشيَّدَ، مِنْ صَمِيمِ القَلْبِ، فُسَحاً منبسطةً وفضاءاتٍ؛

لتَتَوحَّد، مع القارئ،

في ثنائيَّاتٍ حميميَّةِ، وفيَّةٍ ومُخْلِصَة؛

لِتُبْصِرَ ما كُنتَ قَدْ كتبتَ؛

لِتصْرُخَ؛

ولِتَقْذِفَ في البئرِ الحِجَارْ.

31 آب (أغسطس) 2015، براتسلافا

الرُّؤوس

رأسٌ فوق رأسٍ،

مِثْلَ مُلْصَقِ فيلمٍ قديم،

يَتَسَلَّقُون، بِزَخَمِ تَوَقِهِمُ المُوجِعِ -

ما لا يتناهى من عُلِوٍ صَاعِدْ،

راسِمِينَ شارتهم،

قبلَ أنْ تَنْقُبَ بعضُ مَخَالب أُخرى جمجمتهم:

الإستالينيون، الجنرالاتُ، البُدَلُ،

الجهاتُ الفاعلة، بأفواهٍ يسيلُ منها الدَّمُ؛

الأولادُ، انطلقوا

بمفاصلَ مَكدومةٍ وقصباتٍ وسيقان؛

واحدٌ، وربما ثمانيةٌ، مَنْ نظرَ طامحاً إلى الأعلى،

وبه حاجةٌ غريبةٌ للإرضاء…

مِثَلَ تيارِ نعومةٍ رَخِيمٍ، يُحَوِّرُ الينابيعَ وفُوَّهاتِ الآبار:

رأسٌ فوقَ رأسٍ،

لِكَسْبِ عُلُوٍّ وسُمُوقِ قَامَةٍ،

لبسطِ اليدِ على التَّاج:

عظامٌ تقطرُ حيثُ تَعْثُرُ –

أَهِلَّةُ كُثْبَانٍ رَمْلِيَّةٍ، وانجرافاتُ مَهَبِّ جَمَاجم عظيم.

نُتَفُ مَرْثَاةٍ مُخْتَلَسةٍ

مُنْخُولةٍ من رقائقَ هشَّةٍ – تلالٌ ظليلةٌ:

أغاني أثمانِ النَّصْرِ؛

نَصْرِ الضَّوءِ من دُونِ سَلَامْ.

1 أيلول (سبتمبر) 2015، براتسلافا

المَطَرُ البطيء
المَطَرُ البطيءُ

هاطلاً مع غَبَاشة غَسَقِه وعتمته

بمقدوره أنْ يكونَ عارياً

كأيِّ سؤالٍ قديم.

ما “تشيللو” التَّنهُّدِ هذا،

هذا الذي لا حَاجةَ لَهُ بنا،

هذا الذي مِنهُ صُنِعْنَا،

هذا الذي يحيا كالدَّمِ؟

الأَشْجَارُ تهتزُّ وتَسْعُلُ مثلَ وحُوشٍ بَكْمَاءْ.

ستائرُ العتمةِ المسكونةِ بالضَّباب

تكتسحُ منحنيات الأرض.

الدُّنيويُّ الزَّمانيُّ صارَ شَفَّافاً كالنُّجوم،

والكُراتُ النَّاعمةُ انزلقتْ في:

حَمِيمِيَّةٍ وَدُودٍ، تَبَاعُدٍ بَلِيدٍ،

رافضةً كُلَّ ما هي عليه ذاتٌ –

هذه هي العذوبةُ التي تَسَرَّبت مِنْ خلل

غبارنا

وكأنَّمَا نَحْنُ قد كُنَّا الجفاف.

1 أيلول (سبتمبر) 2015، براتسلافا

حكايةُ المَخْلُوق

ذاتّ مرَّةٍ،

كان ثمَّةَ حاجَةٍ

صَارت صَعْبَةَ الإشباعِ.

في قَعْرِ هُوَّةٍ بلا قَاعٍ،

الوحُوشُ

التهمتِ بعضَها بعضاً

مِنْ زَمنٍ سَحِيقٍ لا يُتَذَكَّرُ.

عُيونُ الأخْطبُوطِ سَبْخَاءُ مَرعُوبَةٌ.

النَّمِرُ المُرقَّطُ يُؤَرْجِحُ رأسَهُ

في دِفْءِ قُرمُزيَّة أضْلاعِهِ.

النُّسورُ

تُحلِّقُ بحَمَاسةٍ وحرصٍ

من أجلِ الجُثث.

لا أحدَ منهم فكَّر في الجمال.

أو العَدْلِ.

أو مُعَاناة العذاب.

للملايين والملايين من السِّنين.

وَلَكِنْ بعدَ ذلكَ -

ومِنْ دُونِ سوابقَ -

واحدٌ مِنْ بينهم قَدْ فَعَلْ.

مُخَلوقٌ واحدٌ

تعلَّمَ

قَولَ الخَيَارات.

واكتشفَ أنَّها في عَوزٍ

إلى أحْيَازِها اليوميَّة

خَاليةً مِنْ دماءٍ جديدةٍ.

إنَّها تشَوَّقت

إلى مجتمعاتٍ كانت مُشَيَّدةٍ مُنَظَّمة:

فيها كانَ يُمْنَعُ الألمُ،

وتُحَرَّمُ عَشْوَائِيَّةُ الأفعالِ والوقائع،

وتُحْظَرُ جميع الخُطَط والمؤامرات غير المُناسبة.

إنَّها قد تعذَّبت وأُنْهِكَتْ

من مَسالك الكوكب الأرضيِّ وسُبُله –

هذا الذي وَدَّتِ التَّحديقَ مَلِيَّاً في عُيُونِ حُبِّه،

لِتُشَكَّلَ أدِلَّةً وبراهينَ مُسْتَمرَّةً وباقية.

أنْ تتهادى في الشَّارع

في جَدِيلةِ معنى دافِئٍ،

لِتُشِاهِدَ ألعاباً لا يكونُ أحدٌ قد ماتَ فيها.

أمَّا اللُّحومُ فقد صُنِعَتْ من:

كانَ الجَسَدُ مَوقِعَ الجريمة،

لطريقته في التَّفكير.

ما الذي تتقاسمهُ، أكثر من ذلك،

مع الضِّباعِ أو مع الحَبَارِ الرَّخَويِّ؟

هُنَا إنْسَانٌ تتلألأُ عَيْنُهُ، وهُنَا ضَحِيَّة

كانت تُحبُّ شِراءَ الأشياء –

تناولَ طعامَ العَشاءِ مع صديقاتها –

ركوبَ الحافلاتِ سَعْيَاً لاحتساء نبيذ.

أنْ تجلسَ، بنفسها،

مع جرْس الكلمات ورَجْعِ أَصْدَائها.

لتقصَّ على نَفْسِهَا حِكَايَاتِ الإسهابِ في التَّوسُّعات.

مَلذَّاتٌ كثيرةٌ.

ومع ذلك:

كانت خائفةً –

مِنَ العالم،

مِنَ الأشياءِ

التي تَصَوَّرَتْهَا.

تخيَّل،

إنْ راقكَ الأمرُ وصَحَّ التَّعبير،

مَخْلُوقاً

شَرَعَ في التَّحدُّثِ مَعَ الآخَرينَ، ومَعْ نَفْسِهِ.

1 أيلول (سبتمبر) 2015، براتسلافا

السَّفر مع الطُّيُور

أذهبُ لمُشاهدة “السَّفر مع الطُّيور”.

ودائماً ما أثارني

تفرُّسُ الطُّيور المحكومُ بنظامٍ لا تَعُوزُهُ الدِّقة.

حينَ تصلُ الإشارات إلى الطُّيور للتَّوجِّه صَوبَ صَوبٍ آخر،

فإنَّها تُسلمُ النَّفْسَ لما يتوجَّبُ عليها إنجازهُ:

الاندفاعُ على طَريقِ رياحٍ مُعاكسة؛

الاستراحةُ في خنادق شمالِ البلاد، في طواحين تياراتٍ سَودَاء.

إنَّها تتابعُ مُراقبةَ أسرابَ الكَراكر في المسارات؛

تندفعُ تشقُّ طريقها باطّرادٍ، وبذلكَ الصَّبرِ، وبخفقٍ عنيدْ.

ما الذي يُمكنُ أنْ يفْضُلَ عيشَ حياةِ الغرائزِ؟

وأنْ تَهبَ النَّفسَ للأفضليَّة، والشَّهوة، والمهارة في الحرب؟

وأنْ تَمضي، مثلَ الطُّيور، في رحلةٍ مِحْوَرُهَا الكَتِف –

لحمل بعض المَراكب ذات القَيْدوم القضيبيّ على رحلاتٍ بلا ملْحٍ

لأجلِ افتراسٍ، أو صُعُودٍ وراثِيٍّ؟

وأنْ تَضْحَكَ، بصحبة واحدٍ مِنَ الرِّفاقِ، بإشفاق،

لِتَعرفَ أنَّكَ قويٌّ بدماءِ الّذينَ سَقَطوا؛

لملء رئتيْ امرئٍ بهواءِ مرتبةٍ ذات مَقام؟

وفق هذا لا يزالُ بعضُ النَّاسِ يعيشون.

غيرَ أنَّ الكلماتِ المسؤولةِ تَحْمِلُ عِبْئَنَا الآن.

ما إنْ فَكَّرنا في أنْ نسألَ “لماذا؟”، وشرعنا في مُقاربة المُعادلات:

هَوتْ على قلوبنا ظلالُ التَّعقيب والنَّقد –

ولكنَّ اليقظةَ، المُفْعَمةَ بأسبابٍ طالتْ مواجهتها،

تأخذُنا بقوَّةٍ،

صَوبَ الحبِّ.

2 أيلول (سبتمبر) 2015، براتسلافا

الأرضُ وضَّاءةٌ وفي ليلها تُضيءُ

الكُتَّابُ

خلفَ المعبدِ في غَسَقٍ يحتشدون،

ويرفعونَ الدُّعاءَ بأنْ يكُونُوا طُهَراءَ، ومنَ الله مُفَضَّلِين.

إنَّهم يستسلمونَ إلى بُرودة حُجْرةِ النُّسَّاخ.

يدخُلونَ خُلواتِ التَّوحُّدِ في الغُرفِ المكسُّوَّة جُدْرانها بالورق.

وفي إذعانٍ عُبوديٍّ لاستعبادِ الوشاية الرَّهيبة حول “ما هي القضيَّةُ؟”،

سَيُدَوِّنُونَ عِباراتها:

هُنَا إنْسَانٌ تتلألأُ عَيْنُهُ، وهُنَا ضَحِيَّة.

هذا هو الأثرُ الذي يُمكنُ للشَّظايا أنْ توقعهُ على العَظْم.

سوفَ يقولون: تفحَّصَ بعنايةٍ هذا الوقتَ من حياة الأيَّام

بلا شجَاعةٍ، ومن غير اعتناءٍ بالآخر.

وسَوفَ يَقُولُونَ: اصْغِ، اصْغِ،

هذا إنْسَانٌ وهو يَسْقُطُ.

وهذه هي البنتُ التي لم يأتِ لأجلها عُشَّاقٌ.

هذا هو المصيرُ التَّعِسُ للإنسانِ الذي تكلَّمَ.

ومهما يكُنْ، المجرَّاتُ عجلةُ الماضي،

الأرضُ وضَّاءةٌ وفي ليلها تُضيءُ.

الكُتَّابُ يَدْخلونَ مَدائنَ أَنْفُسِهم،

مع كُتبهم ومُشَاكَسَاتِهِمْ، وطَرَائِقِهِم الهَزليَّة الغَريبة.

إنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّه لا يُمكنُكَ، فقط، أنْ تُسمِّي الأخَطاءَ،

وأنْ تتركَ الأمر على حاله.

إنَّهم يبحثونَ عن الأماكن والفضاءات

التي يُمكن للنَّاس أنْ يدخلوها معاً.

إنَّهم يعتقدونَ أنَّ لموسيقى الكلمات

أنْ تُفضي، مُواربةً، إلى الضَّوء.

وسَنَةً في إثْرِ سَنَةٍ، يستنطقونَ ولائمَ الحيواناتِ آكلة اللُّحوم.

بشمولٍ مُتَعَمِّقٍ، وفَوريَّةٍ نَشطةٍ، ومقترحات:

بآملٍ، ولكنْ ليسَ بأملٍ مَوثُوق فيه؛

يُدْركونَ أنَّ ثمَّة طَريقةً لتَخَيُّلِ دَمَاثَةٍ.

2 أيلول (سبتمبر) 2015، براتسلافا

حُلم: البئر – تيمور، أُكتوبر 1999

“ثمَّة أملٌ، ولكنْ ليس لنا” – كافكا

الآن، يَنْسَرِبُ الماءُ جارياً من تحتهم.

صافٍ، يُطهِّرُ الأرضَ، ولكنْ هُنا،

في نقَّالة العَذَابِ وقمَامَتِهِ، يَخْفُتُ ضوءُ القَمرِ

فوقَ الصُّخور المُحْتَرقَةِ، وسَنانير اللُّحوم وخطَّافاتها،

وقد تكدَّستْ إربُ الأجسادِ جذوراً عاريةً في بئرٍ.

تخيَّلْتُهُم، يدورونَ حولَ مُنْعَطفٍ ويضِلُّون، في كآبةٍ أبعدَ من مَوتٍ –

كما لو أنَّ بإمكانهم إلزامَ أصحابهم؛

أنْ يواصلوا الصُّعودَ صوبَ كُلِّ ما يُبرقُ

في جلدهم الرُّخاميِّ المُتَحَجِّر. كما لو

أنَّهم يستطيعونَ الصُّعودَ إلى ما وراء شَفَةِ مَوتهم المُطْلقة؛

يتعقَّبونَ أيادٍ كالدُّموع، تحتَ وجوه مَنْ أُحَبُّوا.

ولكنَّهم لا يستطيعونَ. فليس لهم أَيَادٍ أو عُيُون.

لا أحدَ سيُخْرِجُهم الآنَ

من بئرِ جِيناتِ الدَّم – ثُمَّ يمشي معهم،

مثلاً، على جانبِ الغَدِير في مشهدٍ رعَويٍّ –

باتجاه مُنحدراتِ الابتداعِ الحَذِرَة؛

يردُّ قُبْلاتهم بألوان مُبَرْقَشَةٍ من بقعِ الظِّلال

حيثُ الحرِّيةُ طَبْعُ الأقوياء.

بَقِيَتْ مَسَافةٌ قَصِيرةٌ لِيَجْتَازُوهَا.

ولكنَّ كلَّ ما يُمْكِنُهَم فِعْلَهُ

لا يعدو تقطيرَ أملٍ ليس لهم.

كانت تِيمُور الشَّرقية مُستعمرةً بُرتُغاليةً استولى عليها الإندونيسيون. أمَّا التِيمُوريون فقد أرادوا بلدهم مُستَقلَّاً. وفي العام 1999، شكَّل الجيشُ الإندونيسي ميليشيات وزودها بالتدريب بغية عرقلة التصويت الذي ترعاه الأمم المتحدة بشأن الاستقلال.

وفي إحدى القُرى، قطَّع أفرادٌ من هذه الميليشيات أجساد القرويين إرباً إرباً بالسَّواطير وألقوا بهذه الإرب في البئر. وقد دفعت هذه الحادثةُ وأمثالها الأمم المتحدة إلى إرسال قواتٍ كافية لضمان إمكانية إجراء انتخابات نزيهة، ربَّما لم يكن لهذا الأمر أنْ يحدث من دون هذه الوفيات. أما أنا، فقد حلمتُ أنَّني كُنتُ في البئر، مع القرويين، وأنَّهم كانوا، بشكل أو بآخر، على قيد الحياة، ويُحاولون شقَّ طريقَ عَودتهم إلى سطح الأرض.
4 أيلول (سبتمبر) 2015، براتسلافا

إلى الألمان
لأنَّ الإنكليز والرُّومان والفرنسيين
أنشأوا، أيضاً، إمبراطوريات على جُثَثِ العبيد؛

ولأنَّ الصِّينيين، والرُّوس، والخمِير

قتلوا ملايينهم أيضاً؛

ولأنَّ الأسبانَ، والمَغَولَ، والزُّولو

قد تقدَّموا، أيضاً،

عبر أقواس الكوكب الأرضيِّ

كجنديِّ النَّمل؛

ولأنَّ الهُنودَ لم يهتموا بفقراء النَّاس

سواء في ذلك إنْ هم عاشَوا أو ماتوا؛

ولأنَّ العربَ كما الأتراكَ كما اليابانيينَ،

قد حَلمُوا أيضاً بكواكبَ مُتجانسة في الطَّبع وفي الرُّوح

طَائِرُ الرَّفْرَافِ يُومِضُ فَوقَ أًولئِكَ الذينَ ماتوا

حيثُ يَعُودُ إليهم كلُّ قرار؛

ولأنَّ الأميركيين، والأستراليين، والجاويين،

قد تَلَمَّسوا الحاجةَ إلى مجالٍ حيويٍّ –

لأنَّ بلداً لم تتوافر، قط، على طريقٍ متحضِّر

يحملها صوبَ فضاءاتٍ متحضِّرة –

لم يَعُدْ ثمَّة من جَدوى قط

للإبقاء على دائرة الصَّمت.

لَمْ يَكُنْ مُغتفراً ما فعلتموهُ –

غير أنَّ ما فعلناهُ جميعاً ليس مُغتَفراً كذلك.

ولا ينبغي لهُ أنْ يُنْسَى أبداً.

لعلَّ أحَدَاً لا يَنْسى

أنَّ العالمَ الذي فيه العدلُ مُمْكِنُ الوُجُودِ –

اللُّطفُ مُتَاحٌ – يَتَدَفَّقُ فائضاً عَبرَ حُفَرِ المَوتَى.

وحتَّى في الصَّباحَاتِ الأمْثل، مُطْلَقةِ الحُسْنِ،

تَتَكَدَّرُ حاشيةُ الماضي بوميضِ الصَّرخات.

لنْ يَكُفُّوا،

حتَّى يُدْعَونَ إلى الانضمام إلينا.

فَلْنَجْلِسْ مَعَاً،

كَأَبْنَاءِ عُمُومَةٍ لا نَزَالُ مَكْدُومِينَ بِجَرَائِمِنَا.

ودَعُوا الموتى يجيئون ليكونوا هناكَ أيضاً.

ودَعُونَا نُصْغِي

ليس إلى فاغنر -

الذي لَدَيهِ كَانَت كُلْفَةُ الجَمَالِ مَوتَاً.

ولا إلى برامز –

الذي لَدَيه كانَ جمالُ المَوتَى مَحْتُوماً -

ولَكِنْ لتأذنوا لنا بِتَمْجِيدِ

كُلٍّ مِنْ نَضْحِ الجُثثِ

وأَنْصَافِ حِكَايَاتِ الأَحْيَاءِ

لِتَعَذُّرِهما على الحلِّ أو التَّذويب –

لا تَمْدِيَةَ مُجَرَّداتِ الإرادة المُنْتَصَرة، ولا ترسيخَ الأحزانِ والمَرَارَات.

دَعُونَا نُثَمِّنُ اللَّامُنْتَهيَ؛ غيرَ النَّاجز، المُقِتَضَبَ الوَجِيزْ.

كنتُ، في هَذِه القصيدة، أُحَاولُ الإلماحَ إلى أنَّه ما دامت انتصارية فاغنر، أو جاهزية برامز للُحزن، هُما المِزاجُ السَّائدُ، فسوف لن يكونَ بمقدورنا أنْ نُمجِّدَ الحياةَ والعيشَ أو أنْ نُقَدِّرَهُما بما يكفي للتَّخلُّصِ من غرائزِ إشعالِ الحرب التي تحكمُ، بين وقتٍ وآخر، جميع البلدان؛ فثمَّة علاقةٌ بين الكمال الذي سعى إليه كلٌّ من فاغنر وبرامز (جمالُ النَّصر، وجمالُ الحزن)، وبين الطُّرق التي يسعى المُحاربون من خلالها، أيضاً، إلى الكمال، على حساب الآخرين. وحتَّى اللَّحظة التي نقبلُ فيها راهنيَّة العالم، ووقتيَّته، ونُقْصَانِهِ، سَنَسْتَمرُّ في فرضِ رغبتنا في الكمال على الآخرين.

5 أيلول (سبتمبر) 2015، براتسلافا

آري
آري يَرْكُضً

في اللَّيل، لئلا يَضِرِبهُ المَحَلِّيون.

جانباً، للبقاءِ بعيداً عن الثُّلوم.

إنَّه يجري، لأنَّ كُلَّ ناسِهِ

بلا أرضٍ يَمْلِكُونها، ومُبَعْثَرُونَ -

أو مُتَنَاثِرونَ ومَجْزُوعُونَ – أو مَجَانين ومَرْضَى.

رئتاهُ تُحَافظانِ على وتيرةِ تنفُّسٍ جَيِّدةٍ،

ولكنَّ قَدَمَيهِ مجروحتانِ على نحوٍ خَطِرٍ.

لا يَهُمُّ.

سَوفَ يَمشي في المُدِنْ.

إنَّهُ يجري لأنَّهم

سَيأذَنُونَ لهُ بالعملِ كطبيبٍ.

إنَّهُيَرْكُضُ

لأنَّهُ يَلْبِسُ رِداءَ الدِّببة.

قد رأى في الأفلام

أنَّ هُنَاكَ أراضٍ لا شَيءَ يَمْلأُهَا سِوى المُدُنْ.

وهو يَعْلَمُ أنَّ “مَجْلِسَ الأحياز والفَضَاءاتِ”

يعتني بِكُم هُناك.

سَيَرْكُضُ صَوبَ غُبار الشَّاحِنَاتِ الجَليِّ

ليستجلي أخبارَ رِحْلَتِهِ.

سَيَهْزأونَ مِنْ أَسْئِلَتهِ، وسَيَكْذِبونَ،

ولكنَّ آلهته سيقرأون جيِّداً.

سَيَسْتَعِيرُ مِطْيَةً إلى وادي النِّيران.

سَيَصْطَادُ بشبكةِ الجَرِّ عَبرَ الدُّخانِ

معَ المُقْعَدِينَ الذينَ لا تَحْتَاجُهُمُ الأرضُ،

وسَيُطاردُ أبا مِنْجَلٍ وغُرابْ.

غير أنَّهُ سَيَكُونُ هُناكَ حينَ يَطْلُبُ رجالٌ من العبَّاراتِ

نظراتِ التَّفحُّصِ الدَّقيقِ، وما بعدَ الأولاد.

سَيُنَفِّذُ كلَّ أمرٍ حَسْبَ ما يَأْمُرُونَ، مِنَ البِدْءِ حَتَّى المُنْتَهَى.

وَكَي يُلَبِّي حَاجَاتِهِمْ،

سَيُعَلِّمونهُ كيفية الانتقال من حالٍ إلى حالْ.

وسَيَتَمَرَّنُ على الكَلامِ ليُمَارسَ كلامهُ

وسَيُحِيلُ نَفْسَهُ ضَئِيلاً مِثلَ شَبَحْ.

سيَجثُمُ في عَتْمَةِ المُحَرِّكَات

وفي صَفْعِ مَالِحِ الماء.

وَسَيَصْعَدُ إلى الشَّاطئِ

عبرَ أحْوَاضِ بناء السُّفُن هَاتِهِ –

لأنَّ هناكَ أُنَاسَاً في مُدُنٍ

يُمْكِنُ لِلْمَرءِ أنْ يَثِقَ فِيهِمْ.

اطَّلعتُ على خَبرٍ يتعلَّقُ بولدٍ من شرق أفريقيا

كانَ يَرْكُضُ صَوبَ أوروبا،

فَمَنحتهُ قصَّةً خَلْفيَّةً.

5 أيلول (سبتمبر) 2015، براتسلافا

أجْنِحَةُ الرَّفْرَافْ

لِنَتًذَكَّرَهَا جَمِيعَاً؛

فَجَمِيعُهَا هُوَ الحَرْبُ نَفْسُهَا.

ولِنَفَرِدَ أَجْنِحَتَنَا فَوْقَهَا –

طَائِرُ الرَّفْرَافِ يُومِضُ

فَوقَ أًولئِكَ

الذينَ ماتوا

في ضَفْرِ المَسَاحَاتِ –

الحُرُوبُ بينَ الغَرَائزِ والكَلِمَاتِ؛

بينَ الإيماءاتِ والجِينَات.

الشُّعوبُ التي تَلاشَتْ كالغيُوم، في السَّنوات التي لا تُحصى –

الشُّعوبُ التي هُزِمتْ قَبَائِلُهَا، التي حُدُودها الظلُّ والرِّيحُ.

تِلكَ التي اسْتَراحَتْ في السَّنوات العِجَافِ -

لأنها كَدَّتْ ما وسِعَها الكدُّ في السَّنواتِ السِّمان.

تِلكَ التي اقتيدتْ مُصَفَّدةً بالسَّلاسلِ إلى زوايا الجَفَافِ.

دَعُونَا نَكْسُو عِظَامَ أبنائها بريشِ قِصَصِنا،

ونُكَشكِش الهَواءَ الذي تَنَفَّسُوهُ مَرَّةً بريشاتِ مَراوحِ الحُزْن الأزرق…

الشُّعوبُ التي كانتْ طعاماً للآلهة.

أو التي مَاتَتْ في حَلَبة سِبَاقِ الحُرُوبْ.

لأنَّها كانتْ شَجَرةَ سُلَاَلةٍ. أو نفاياتٍ وسَقْطَ مَتَاعْ.

لأنَّها كانتْ مَقْطَعاً في نصٍّ تَطَلَّبَ خُسْرَانَها وضَيَاعَهَا.

إنَّما هي، كُلُّهَا، المَعْرَكةُ نَفْسَها.

التَّجَانُسَاتُ المَريِرةُ نَفسُهَا:

عُشْبُ التَّعثُّرِ والسُّقوط نَفْسُهُ – والْمِشْكَالُ المَشْهَديُّ– واضْطِرابُ الأُسُس.

تلكَ الشُّعُوبُ التي صَارتْ مُتْعِبةً وغيرَ مُتَوافِقَةٍ –

التي أُخِذَتْ عَلَى الجَانب الخَطأ من المُطالبات ووفْقَهُ عُومِلَتْ.

الشُّعُوبُ التي اقْتَلعَتْهَا من حُقُولِهَا نُمُولُ نابليون؛

نُمُولُ جِينْكِيز، أو نُمُولُ أكْبَر.

الشُّعُوبُ التي سَجَدتْ للعَدَسَة وجَثتْ.

أو تلكَ التي اسْتَلْقَتْ ونَامَتْ، للطَّائراتِ مِنْ دُونِ طَيَّار.

كُلُّ الأولادِ الذين لم يَكُونُوا مِنَ النَّوع الصَّائب.

وكُلُّ النِّساءِ اللَّواتي كُنَّ.

كُلُّ ذلكَ حَرْبٌ واحِدَةٌ.

أنْ نَبْتَكِرَ أنْفُسنا بَشَرَاً؛

أنْ نَصُوغَ أنْفُسَنَا على نَحْوٍ أبْعَدَ مِمَّا نَحْنُ عَلِيه.

دَعُونَا نَلُفُّهم بِلَازُودِ أَجْنِحَتِنَا.

أَولئِكَ الذين هَزَمَتْهُمْ قِرَاءَاتُهُم.

أُولَئِكَ الذين لَعِبَتْ كَلِمَاتُهُم ضِدَّهمْ.

الذين مَاتُوا مِنْ أَجْلِ حُرِّياتِهِم.

الذينَ ماتوا من جَرَّاء أهوالٍ كالحُرِّية

تجاوزت أعباؤها طاقة التَّحمُّل.

دَعُونَا نَمسَّهُم ونُمَسِّدهم

ببريقِ انتباهنا –

بُنْدُقِيَّةُ اللَّمعانِ والبَرِيقِ الطَّويلةُ هذه، هي حُزْنُنَا والأسى -

هذا الانْسِكَابُ الوَجِيزُ للمَاء والضَّوء

هو الذي مِنْهُ نَبدأُ.

6 أيلول (سبتمبر) 2015، براتسلافا

ترجمة القصائد: عبد الرَّحمن بسيسو
تصوير: نوري الجراح

تُنشر القصائد بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

13