مختار بلمختار خطورته وقسوته منحتاه لقب "بن لادن الصحراء"

السبت 2015/08/29
الإرهابي ذو العين الواحدة حي أم ميت

في أواسط شهر يونيو من العام الحالي 2015، أعلنت ليبيا أن القوات الأميركية قامت بقتل الإرهابي الجزائري الخطير مختار بلمختار الذي كان قد قام بهجوم مسلح على أكبر مركّب للغاز في الجنوب الجزائري في شهر يناير 2013 ذهب ضحيته 40 شخصا.

غير أن حركة المرابطين سرعان ما أصدرت بيانا لتكذيب الخبر، بطريقة غير مباشرة حيث أعلنت أن أميرها مختار بلمختار عيّن في شهر يوليو الماضي قائدا لتنظيم القاعدة في الساحل الأفريقي.

وكان مختار بلمختار قد اختار خلال السنوات الماضية الانفصال عن تنظيم القاعدة في المغرب العربي، ليقيم علاقات وطيدة مع التنظيمات الجهادية في أفريقيا الغربية، من دون أن يقطع علاقته بالجزائري دروكيل، زعيم تنظيم القاعدة في المغرب العربي.

وبحسب البيان الذي أصدرته حركة المرابطين، يبدو أن مختار بالمختار، قد أصبح يتمتع بنفوذ قوي في منطقة الساحل الأفريقي. وبذلك يكون هذا الإرهابي الخطير الذي كانت الولايات المتحدة الأميركية قد خصصت مبلغ 5 ملايين دولار لقتله أو للقبض عليه، قد عاد إلى الواجهة من جديد، ليواصل أعماله الإجرامية التي بدأها في الجزائر في التسعينات من القرن الماضي.

رالي داكار القاهرة

الذين عاشروه واقتربوا منه، يقولون إن مختار بلمختار لا ينقطع عن الدعاء في الليل والنهار، راجيا أن يموت شهيدا مثل عمه الذي شنقه الفرنسيون خلال الحرب التحريرية، ومثل بن لادن، زعيمه الروحي، ومثل كل “الأمراء” الذين قتلوا في “الجهاد في سبيل الله”.

وعلى مدى العشرين سنة الماضية، كان قد واجه الموت في العديد من المرات، غير أنه كان دائما ينجو منه بطرق عجيبة. لذلك تحوّل إلى “أسطورة” لدى أنصاره. وكان مولده في مدينة غرداية، جنوب الجزائر في العام 1972.

فُتن مبكرا بـ”الجهاد”، وكان يتابع باهتمام كبير ما يدور في أفغانستان خلال الغزو السوفييتي. وفي العام 1991، انطلق إلى هناك ليكتسب تجربة في القتال أفقدته إحدى عينيه، غير أنها سوف تفيده كثيرا عند عودته إلى الجزائر التي كانت قد اشتعلت فيها الحرب بين الإسلاميين والجيش.

كان أول ما فعله هو تأسيس كتيبة قتاليه أطلق عليها اسم “كتيبة الشهداء”، وفي ظرف زمني قصير، تمكن من أن يفرض نفسه “أميرا” مهاب الجانب، داخل الجماعات الإسلامية المتطرفة التي كانت تشيع الموت والخراب في كل نواحي البلاد الجزائرية مستهدفة المدنيين والمثقفين ورجال الدين الذين عارضوها ولم يترددوا في إدانة جرائمها.

مدينة غرداية، جنوب الجزائر تشهد افتتان بالمختار لأول مرة بـ(الجهاد)، فقد كان يتابع من مسقط رأسه، باهتمام كبير ما يدور في أفغانستان، وفي العام 1991، انطلق إلى هناك ليكتسب تجربة في القتال أفقدته إحدى عينيه، غير أنها سوف تفيده كثيرا عند عودته الى الجزائر التي كانت قد اشتعلت فيها الحرب بين الإسلاميين والجيش

قد يكون مختار بلمختار اكتسب تلك المهابة التي أصبح يتمتع بها، بسبب قسوته الشديدة، وعدم تردده في ذبح الأبرياء أمام أنصاره من دون أن يرفّ له جفن، وبأمر منه قامت “كتيبة الشهداء” التي يتزعمها بقتل أربعة عشر من رجال الشرطة، وخمسة أجانب، وفي البيانات التي كان يصدرها، كان يطالب أنصاره بقتل كل من “يعارض شريعة الله ورسوله”، وكلما ازداد الصراع حدة بين الجماعات الإسلامية والجيش الجزائري، كان بالمختار يزداد عنفا وتطرفا في مواقفه.

في العام 2000 ، اضطر المشرفون على “رالي” داكار- القاهرة، إلى إلغائه، بسبب التهديدات التي أطلقها مختار بلمختار بقتل كل المشاركين فيه، وبذلك أتاح الفرصة لوسائل الإعلام العالمية لكي تتحدث عنه باستفاضة.

منذ ذلك الحين، لم يعد مختار بلمختار معنيا بالحرب الدائرة في بلاده، بل أصبح يتطلع الى نقل “الجهاد” إلى البلدان المجاورة، وفي نهاية العام 2007، قام أنصاره بقتل أربعة فرنسيين في موريتانيا، ونشروا بيانات تحرض على الهجوم على القواعد العسكرية الفرنسية في البلدان الأفريقية.

وفي كتابه “بن لادن الصحراء” يؤكد الموريتاني لمين ولد سالم أن مختار بلمختار كان أول جزائري يربط علاقة مباشرة مع تنظيم القاعدة، وبحفاوة بالغة استقبل المبعوث الخاص لبن لادن الذي دخل سرا إلى الجزائر ليطّلع على أوضاع الجماعات الإسلامية فيها.

وربما بتأثير من تنظيم القاعدة، اندفع مختار بلمختار لتوسيع مساحة “الجهاد” لتشمل تومبوكتو، ومناطق أخرى من مالي، ولتوطيد علاقته بسكان تلك المناطق، سارع إلى الزواج من أربع نساء بينهن مراهقة. وبفضل ذلك، أصبح يتمتع بحظوة كبيرة هناك، وبات يتحرك بأكثر سهولة ويسر.

وفي إحدى المرات، تمكن أنصاره من خطف سبعة عشر أوروبيا في جنوب الجزائر، ولم يطلق سراحهم إلاّ بعد أن حصل على خمسة ملايين يورو، وبواسطة رهائن آخرين، حصل على مبالغ هائلة أخرى ليصبح تنظيمه الجهادي قبلة الكثيرين من أنصار الجماعات الإسلامية.

الولايات المتحدة الأميركية تخصص مبلغ 5 ملايين دولار لقتل مختار بلمختار أو للقبض عليه، لكن إن صح ما يتردد عن نجاته وإخفاق الأميركيين في قتله، فإن بالمختار يكون قد عاد إلى الواجهة من جديد، بنفوذ أقوى، ليواصل أعماله الإجرامية التي بدأها في الجزائر في التسعينات من القرن الماضي

وبالتعاون مع واحد من “الأمراء” السلفيين ويدعى أبو زيد، وهو جزائري أيضا، قام مختار بلمختار ببعث أول نواة لتنظيم القاعدة في المغرب العربي. وفي هذه الفترة راجت أخبار تقول إن “أعور الصحراء” أصبح يتعامل مع كبار مهربي السجائر والمخدرات في الصحراء الأفريقية.

غير أن أحد أعيان المنطقة كان قد التقى به في أكثر من مرة وذلك خلال المباحثات معه لإطلاق سراح الرهائن، أكد أن مثل تلك الأخبار عارية عن الصحة، مشيرا إلى أن مختار بلمختار “يتميّز بمبادئ جهادية صلبة تعفيه من العلاقات المريبة”.

أما لمين ولد سالم، فيؤكد أن هناك بالفعل مهربين كبارا التحقوا بكتيبة مختار بالمختار، غير أنهم لم يفعلوا ذلك إلاّ بعد أن أعلنوا أمامه توبتهم، وأقسموا ويدهم اليمنى على المصحف أنهم لن يعودوا مطلقا إلى أعمالهم السابقة. ويصف أحد الأعيان، مختار بلمختار بأنه “رجل كيّس ولطيف، يتعامل مع مساعديه وأنصاره بتواضع كبير، ومثلهم يشعل النار ليعدّ الأكل له ولهم. وهو يتمتع أيضا بالذكاء والخبرة، وبقدرة فائقة على التخطيط”، ويضيف أن “أعور الصحراء” الذي تقدمه وسائل الإعلام الغربية في صورة عتاة المجرمين واللصوص الذين تحفل بهم أفلام رعاة البقر الأميركية، ذرف دموعا سخينة عندما جاءته أمّه الى صحراء مالي لتطلب منه تسليم نفسه إلى الجيش الجزائري.

غير أن الجرائم التي ارتكبها مختار بلمختار على مدى العشرين سنة الماضية، تقدم أدلة قاطعة على أنه قاتل عديم الرحمة، وأنه رجل دموي يجد في ارتكاب الجرائم الشنيعة متعة كبيرة، والكثيرون من الذين تعاملوا معه يؤكون أنه شخصية معقدة مصابة بجنون العظمة، مشيرين إلى أنه لا يحفل بالآخرين، ولا يفكر إلاّ في مصالحه الخاصة، وهو لا يستمع إلا إلى نفسه ودائما يرفض النصيحة التي تأتيه من مساعديه لأنه يحب أن يكون “الأمير الذي يطيعه الجميع”، كما أنه يضع في جيبه الجزء الأكبر من المبالغ الهائلة التي يحصل عليها من خلال خطف الرهائن الغربيين.

المرابطون في مالي

في العام 2012، انفصل مختار بلمختار عن تنظيم القاعدة في المغرب العربي، ليؤسس تنظيمه الخاص مطلقا عليه اسم “حركة المرابطين”، موقّعاً بدمه على وثيقة التأسيس، وقد التحقت بالحركة التنظيمات الجهادية الموجودة في صحراء مالي.

أنصار بلمختار يقومون بخطف الأجانب وطلب الفدية لإخلاء سبيلهم، وفي إحدى المرات خطفوا سبعة عشر أوروبيا في جنوب الجزائر، ولم يطلق سراحهم إلا بعد أن حصل على خمسة ملايين يورو، وبواسطة رهائن آخرين، حصل على مبالغ هائلة أخرى ليصبح تنظيمه الجهادي قبلة الكثيرين من أنصار الجماعات الإسلامية

بعد عام واحد، شنت حركة المرابطين الحرب على الحكومة المالية بهدف الإطاحة بها، وقد سارع الجيش الفرنسي إلى التدخل، مجبرا أنصار مختار بلمختار على التراجع، وربما للتغطية على الهزيمة التي مني بها في مالي، قرر “أعور الصحراء” الهجوم على مركّب الغاز في الصحراء الجزائرية ليؤكد على أنه لايزال قادرا على الإيذاء وعلى إلحاق خسائر فادحة بالذين يلاحقونه ويخططون للتخلص منه.

وانطلاقا من ليبيا التي لجأ إليها بعد أن اضطربت أوضاعها، وتكاثرت فيها الميليشيات الجهادية المتطرفة، قام أنصاره بعملية إرهابية في العاصمة المالية باماكو، ذهب ضحيتها خمسة أشخاص بينهم فرنسي. وتشير التقارير الاستخباراتية الفرنسية إلى أن مختار بلمختار ما زال يتمتع بنفوذ كبير داخل التنظيمات الجهادية، وبقدرات قتالية لا يمكن الاستهانة بها، بل لعله يعمل على أن تكون كل الحركات الجهادية في الساحل الأفريقي وفي الجزائر، وفي ليبيا تحت إمارته، غير أن بروز تنظيمات مساندة لتنظيم داعش قد يعيق مخططاته، ثم إنه فقد البعض من مساعديه الذين يثق بهم كثيرا مثل حسن ولد خليل الذي قتل في نوفمبر 2013، وعمر ولد حاماحا الملقب بـ “اللحية الحمراء”، وعبدالرحمن ولد العمار المكنّى بـ”أحمد التلمسي”، وآخرين.

صحيح أن فقد بالمختار لهؤلاء يعدّ ضربة موجعة له ولحركته غير أن جميع التقارير الاستخباراتية تجمع على أن “أعور الصحراء” لن يتراجع أبدا عن “الجهاد المقدس”.

12