مختار جمعة الشيخ الذي أمم مساجد مصر وفتح النار على سلطة الأزهر

السبت 2016/08/06
وزير أوقاف سياسي يطارد الإخوان والسلفيين في ملاعبهم

القاهرة - كانت وزارة الأوقاف في مصر ولا تزال، من بين الوزارات التي يجري اختيار وزرائها بعناية فائقة. وغالباً ما يكون من سماتهم الولاء الكامل للنظام حتى وإن كان الوزير واحداً من أئمة الأزهر الشريف. لكن يكفي أنه سيتولى أخطر الملفات الدينية، وهو ملف المساجد التي تعد أقصر الطرق لاستقطاب الناس إلى تيارات دينية مناهضة للدولة.

معروف أن هذا الملف أسندت مهامه خلال فترة حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك إلى جهاز أمن الدولة الذي جرى إلغاؤه واستبداله بالأمن الوطني عقب ثورة 25 يناير 2011، حيث كان يتم زرع مرشد في كل مسجد للإبلاغ عن تفاصيل ما يجري داخله، وتحديدًا خلال خطبة الجمعة.

كان مبارك يرغب في تحجيم دور الإسلام السياسي وإبعاده عن المساجد، حتى وإن سمح للمنتسبين إلى تياراته بالوجود النسبي في الحياة السياسية، لكنه كان متأكدا من أن هؤلاء لا يريدون سوى المنابر.

في عام 2005، عندما فاز الإخوان بـ88 مقعدا في البرلمان بموافقة النظام ومباركة الأجهزة الأمنية، طلبوا تخصيص حقيبتين وزاريتين، هما الأوقاف والتربية والتعليم. فقوبل الطلب بالرفض، وسمح لهم بممارسة السياسة بعيداً عن المنابر والمساجد، لحساسية وزارة الأوقاف التي تدير المساجد وتتحكم في كل صغيرة وكبيرة فيها.

بعد خلع مبارك وتولّي المجلس العسكري مهام الحكم في البلاد، خرج الإخوان من دائرة المشتبه فيهم ودائمي التردد على جهاز أمن الدولة، إلى الظهور العلني والمشاركة في صناعة القرار المصري.

قرارات ترضي الكبار

ساعد توحد الإخوان مع الجماعة الإسلامية والتيار السلفي في أن يكونوا قوة داخل الدولة يخشى المجلس العسكري الدخول في صدام معها، فوافق على تواجدهم في المشهد السياسي والحزبي، ومنها اخترقوا المساجد وأنشأوا معاهد للدعاة، وزادت قواعدهم الدينية إبان فترة حكم محمد مرسي للبلاد في العام 2012، بعدما تحقق مرادهم وأداروا وزارة الأوقاف خلال حكومة هشام قنديل.

في هذه الظروف كان النظام الجديد في مصر بعد ثورة 30 يونيو 2013 بحاجة إلى شخصية أزهرية تكون مهمتها الأولى إعادة سيطرة الدولة على المساجد من جديد، وطرد كل ما هو إسلامي أو سلفي أو إخواني.

وقع الاختيار على مختار جمعة عميد كلية الدراسات الإسلامية للبنين، وعضو المكتب الفني لشيخ الأزهر، بناء على ترشيح من الشيخ أحمد الطيب نفسه، ليكون وزيرًا للأوقاف في حكومة حازم الببلاوي التي تشكلت بعد الثورة. وبدأ الرجل يدخل المعركة مع الإسلاميين بصدر واسع، لقناعته بأن النظام الجديد يقف في ظهره، مهما اتخذ من قرارات تتعلق بإحكام السيطرة على المساجد.

جوّ العداء المتفاقم وقتها، بين المجتمع والمنتمين للإسلام السياسي، منحه ثقة زائدة في أن قراراته سوف تنال استحسان الجميع، ومن خلالها يمكن أن يستمر في منصبه لسنوات، ونجح في الخطة واستمر في منصبه مع الحكومة الحالية التي تعد السادسة منذ ثورة 30 يونيو.

ولكنه استمر أيضاً باللعب على وتيرة الفصاحة في اللغة والقرارات التي لا ترضي سوى الكبار داخل الدولة، ما جعله مؤهلًا للتعامل مع كل المتغيرات التي تحدث داخل وزارته أو حتى داخل مؤسسات الدولة بلا استثناء.

قدرات فائقة

عمد جمعة منذ تكليفه بالمنصب، إلى اتخاذ قرارات حاسمة ترضي الدولة وتؤكد نجاحه في مهمة إعادة السيطرة على المساجد. من بينها ما قرره بعد شهرين من توليه المسؤولية بمنع إقامة صلاة الجمعة في الزوايا (المساجد الصغيرة) التي تقل مساحتها عن 80 متراً.

الاستهجان الشعبي، لم يمنع جمعة من الشعور بالثقة بإعجاب النظام بتحركاته نحو إبعاد كل ما هو إخواني أو سلفي عن المشهد الدعوي في المساجد، حتى وصل الحال إلى وصفه بأنه "مؤمم مساجد مصر" من سيطرة الإسلاميين

ثم تبعه قرار بمنع غير الأزهريين من الخطابة في المساجد الحكومية والأهلية، وفي 26 يناير 2014 قرر توحيد مضمون خطبة الجمعة في جميع مساجد مصر استناداً إلى أن الوزارة مسؤولة عن إقامة الشعائر الدينية، وحذر من ضمّ أيّ مسجد لا يلتزم بهذا القرار ولوّح بمحاسبة الأئمة والخطباء غير الملتزمين.

نتيجة هذه السياسة استبعدت الوزارة نحو 12 ألف إمام وخطيب، ووصل حصار المساجد في عهده إلى حد تشكيل غرفة عمليات تابعة لمكتبه مباشرة لمراقبة كل التحركات داخل المساجد، فضلا عن منحه الضبطية القضائية للجان التفتيش بالوزارة لمراجعة خطبة الجمعة وإبعاد كل إمام يخرج عن النص أو يتجاوز الخط المرسوم له، ما حدا بالبعض لوصف تحركاته أنها تأخذ بعدًا سياسيًا أكثر منه دينيا.

ورغم تزايد الاستهجان الشعبي، كان الرجل موقنا تقريبا بإعجاب النظام بتحركاته نحو إبعاد كل ما هو إخواني أو سلفي عن المشهد الدعوي في المساجد، حتى وصل الحال إلى وصفه بأنه “مؤمّم مساجد مصر” من سيطرة الإسلاميين. وكثيرا ما قدم الحجج والأسانيد الدينية المختلفة، مستغلًا في ذلك قدرته الفائقة في الدفاع عن نفسه وعن قراراته التي دائمًا ما يربطها بحماية الإسلام والأمن الداخلي للبلاد ومكافحة الإرهاب والتطرف وحماية الشباب من الاستقطاب لدى الجماعات المعادية للدين والدولة.

بهذه اللغة نجح مختار جمعة في الوصول بسهولة إلى وسائل الإعلام واستغلالها في التسويق لنفسه وقراراته وتحركاته بصورة مكثفة. وبسبب حديثه المتكرر عن الإرهاب واستغلاله الحرب التي تخوضها الدولة على التنظيمات المسلحة والمتطرفة، أصبح ضيفًا دائمًا لا تغيب صورته وتعليقاته عن الصحف والمواقع الإلكترونية.

تراه في كل الفضائيات مدافعًا عن كلّ ما يثار حوله، ومتحدثًا في كل شؤون الدولة، ما ساعده على بناء علاقات طيبة مع الكثير من الإعلاميين الذين يحسن استغلالهم في حال تعرض إلى هجوم بسبب قرار مثير من قراراته التي اعتاد عليها الرأي العام المحلي.

رجل التناقضات

تحسب لجمعة قدرته على إدارة تناقضات نفسه، ليقدم خلطة دينية نسجها وهو يرتدي الجلباب الأزهري والعمامة البيضاء، لا تخلو من صبغات سياسية لا يعنيه فيها سوى أن ينال رضا الحاكم، ومع الوقت أصبح أعداؤه من داخل التيار الديني أكثر من المواطنين العاديين.

الحكومة المصرية راضية عن قراراته، وربما ترد لجمعة الجميل لأنه استطاع تنفيذ المهمة التي جاء من أجلها في وزارة الأوقاف بمساندته على حساب شيخ الأزهر.

كان الرجل يتهم أثناء عمادته كلية الدراسات الإسلامية، كل شيخ إخواني أو سلفي يصدر فتوى بمنع التظاهر ضد محمد مرسي بأنه “فاسد ومفسد للدين ومدمّر للدعوة، وأن هؤلاء هم شيوخ السلطان والمضللون”.

وما لبث أن وجد نفسه مضطرا لمناقضتها بعدما تولى وزارة الأوقاف كي ينال ثقة النظام، ولم يتردد في استبدال جلباب الأزهر بعباءة السلطان وظهر في صورة وكأنه شيخ السلاطين، بعدما أفتى مطلع العام الحالي بأن التظاهر في ذكرى 25 يناير حرام شرعا، وذهب إلى ما هو أكثر من ذلك ووصف الداعين إلى المظاهرات بأنهم “يهود بني النضير”.

تسببت فتوى شيخ السلاطين بموجة غضب عارمة على النظام حتى من أنصاره، ما وضع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في مأزق، وبعد تفاقم الغضب المحلي تراجع الرجل وأنكر الفتوى، وقال إن الإخوان “الشياطين” حرفوا فتواه، رغم أنها مسجلة بالصوت والصورة.

لا تخلو أحاديثه من التأكيد على أن معركته الحقيقية في المساجد إبعادها عن أيّ استغلال سياسي. بينما هو في الحقيقة ينسج من الدين وأحكامه خيوطًا يصنع بها سجادة التقرب إلى السلطة ويوزّع خطبة الجمعة على أئمة المساجد قبيل الذكرى الثالثة لثورة 30 يونيو الماضية، بمضمون يؤكد على أن كل من يعطل مسيرة البناء والتنمية التي تقوم بها الحكومة يعتبر خارجًا عن تعاليم الإسلام.

جندي في عباءة الإمام

لأنه شخصية تحارب لأجل إثبات الولاء، اعتاد مختار جمعة في الكثير من مواقفه على أن يقدم نفسه أحد أسلحة الدولة للقضاء على الإرهاب، وأحد جنودها في جيش الدعاة الجدد من خلال منصبه كوزير للأوقاف، على الرغم من أن حدود هذا المنصب لا تتعدى إدارة المساجد والعناية بها والنهوض بالدعوة الإسلامية داخل مصر.

غير أنه اختار لنفسه صلاحيات أوسع، بإقصاء كلّ من يفكّر أو يلمّح إلى المساس بالنظام والحكومة، وبجدارة مدهشة يغلّف قراراته بغطاء المصلحة العليا للدولة وأمن الوطن، حتى أنه مع كل طرح لقضية المصالحة بين الإخوان والدولة تراه يتبرع ويتحدث باسم الحكومة قبل أن تتحدث الحكومة نفسها، ويقول إن مصلحة مصر العليا تقتضي القطيعة مع “هذا التنظيم الإرهابي والمتعاطفين معه”.

بلغ الأمر حد إبعاده الشيخ محمد جبريل إمام مسجد عمرو بن العاص بالقاهرة عن إمامة الصلاة نهائيا بسبب دعائه “اللهم أهلك الظالمين”، والإبلاغ عنه لدى الجهات الأمنية، لأن الإمام كان يلمّح إلى أن هناك مؤسسات ظالمة، ما دفع البعض لأن يطلق عليه لقب “الوزير المرشد” الذي يبلغ عن أئمة وزارته لأجهزة الأمن.

جمعة يشتهر بأنه كان أثناء عمادته كلية الدراسات الإسلامية، يسارع إلى اتهام كل شيخ إخواني أو سلفي يصدر فتوى بمنع التظاهر ضد محمد مرسي بأنه "فاسد ومفسد للدين ومدمر للدعوة، وأن هؤلاء هم شيوخ السلطان والمضللون"

أزمة الخطبة

مع تصاعد الغضب ضد اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية التي قضت بأن تكون جزيرتا تيران وصنافير سعوديتين، لم يغب عن المشهد الداعم للنظام ضد اتهامه بالتفريط في الأرض. وقال “إن جسر الملك سلمان الذي سوف يربط بين مصر والسعودية وفقا لبنود الاتفاقية مذكور في القرآن الكريم، وأنه من الضروري مساندة النظام في تنفيذ بنود الاتفاقية”.

وجد مختار جمعة في دعوة الرئيس السيسي إلى تجديد الخطاب الديني فرصة ذهبية لإثبات أحقيته في أن يحصل على مزيد من الرضا، حيث نظّم أكثر من مؤتمر لتجديد الخطاب الديني، لم تؤت ثمارها بعد.

لكن طموحاته كانت مرصودة جيدا لدى رجال الأزهر، حيث تسببت تحركاته في هذا الملف بعيدا عن شيخ الأزهر، ومحاولته تقديم نفسه على أنه المجدد المستقل عن الأزهر وعلمائه، في جفاء العلاقة بينه وبين الشيخ أحمد الطيب، ولم يشارك الأخير في أيّ مؤتمر عقده الأول عن تجديد الخطاب الديني، رغم أنه صاحب الفضل في ترشيحه وزيرا للأوقاف.

وزاد الجفاء بين الأوقاف والأزهر، بعدما أصدر قرارا بأن تكون خطبة الجمعة مكتوبة، وهو القرار الذي رفضته هيئة كبار العلماء بالأزهر وطالبت بإلغائه وهدّدت بسحب أئمتها من المساجد.

غير أن جمعة أصر على عناده، وقال إن “الخطبة المكتوبة لا تراجع عنها باعتبارها إحدى آليات تجديد الخطاب الديني”، في إشارة مباشرة إلى أن الأزهر يقف ضد التجديد، ما أوصل العلاقة بين الطرفين إلى صراع لم يعد خفيّا وبوادر قطيعة تحدث لأول مرة في تاريخ العلاقة بين المؤسستين.

وسط الصراعات المتنوعة تقف الحكومة راضية عن قرار مختار، وربما تردّ له الجميل في أنه استطاع تنفيذ المهمة التي جاء من أجلها في وزارة الأوقاف دون إخفاق، وحان وقت مساندته، فهو الذي سيطر على أغلبية المساجد وجعلها تحت يد الدولة، بعكس أحمد الطيب الذي لم يستطع السيطرة على علماء وشيوخ الأزهر بما يمثّلونه من تيارات متباينة في الفكر والتوجه السياسي وبعضهم يؤيد تيارات دينية معينة، وهذا ما دفع جمعة إلى إعلان تحدّي الأزهر مستغلًا في ذلك رصيده الذي جمعه من أكثرية مؤسسات الدولة التي لم تتدخل في أزمته مع الطيب.

غير أن ما عرف عن طموح جمعة لتولّي منصب شيخ الأزهر خلفا للطيب، يبدو أنه أصبح مستحيلًا، ربما لأن اندفاعه للتقرب إلى السلطة وتحقيق مزيد من المكاسب جعله يغفل عن حقيقة أنه كلما زاد العناد مع الأزهر خطوة، زاد إبعاده عن حلم إمامة المشيخة خطوات عديدة.

12