مختصر القول بعد أن فعلها ترامب

الجمعة 2017/12/08

بعد أن فعلها دونالد ترامب، وأعلن باسم الولايات المتحدة الأميركية عن اعترافه بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل، جاءت ردود الأفعال الفلسطينية والعربية، في إهاب موجة انفعال عاطفي متدرج في مستوياته، بين الخفوت والتلويح بالحريق. وهو بمجمله، يصف الخطوة ويحذر من تداعياتها. وأغلب الظن أن ترامب، لم يُعلن ما أعلن، إلا بعد أن استكمل كل حساباته وتوقعاته لردود الأفعال ومداها.

وبالطبع، سيكون أول ما استرعى اهتمامه في بلورة التوقعات، هو العنصر الأمني أو العنفي، ولعله أخذ في الحسبان صعوبة أن يتبنى العرب عنفا بسبب اختلاط معنى أن يقاوم المقاومون بالسلاح لدفع المظالم، ومعنى أن يهجم الإرهابيون بسلاح آخر لإيقاع المظالم في الأبرياء.

ففي ظروف يلتبس فيها الدافعان العنفيان، لمن يقاوم ولمن يهجم لكي يقتل لمجرد القتل، أصيبت فكرة المقاومة بالنيران، بطعنة نجلاء، لا سيما وأن الأوضاع الفلسطينية نفسها، استقرت على منطق النأي بالنفس عن الحرب، بعد كل الذي جرى في غزة، وبسبب الدماء التي سُفكت ولا تزال تُسفك في الضفة الفلسطينية.

إن هذه هي الحقيقة التي يزيدها تعقيدا تشظي الحال الفلسطينية وافتقارها، منذ أن انقضت حماس على النظام السياسي الفلسطيني في منتصف عام 2007 وتمكن منها عباس، إلى البُنية الكيانية والرؤية التوافقية والاقتدار الاقتصادي واستراتيجية العمل الوطني الواحدة ذات الخطاب السياسي الواحد، وإلى سائر العوامل التي تساعد على إطلاق عملية مقاومة بأي صيغة، حتى وإن كانت شعبية وبغير نيران.

إن التهتك في الأوضاع العربية، يمثل إحدى الغوايات الكبرى التي دفعت دونالد ترامب إلى اتخاذ الموقف، فضلا عن كونه في خضم مأزقه الداخلي وهو لا يزال يُلاحق باتهامات تتعلق بخروقات دستورية؛ معنيا بالتزيد من المواقف الدلالية، التي تؤكد على وفائه لوعوده الانتخابية، بخلاف ما ظهر من رؤساء سابقين تراهم القاعدة الاجتماعية النخبوية للحكم، قد نكثوا بوعودهم.

لكن الجديد، فيما حملته فعلته بشأن القدس؛ هو مجاهرته بمخالفة رجاءات أصدقائه العرب، وهي المجاهرة التي يراها الكثيرون ازدراء فظا بهم، لا سيما وأنه لم يتردد في إبلاغ بعضهم، هاتفيا، أنه سيفعلها. وقد جرت الاتصالات بمنطق غير مسبوق في إظهار “الاحترام” على مستوى الشكل لا المضمون. فهو كمن يقول لأصدقائه، إنكم مقدرون عندي، ولذلك فإنني أبلغكم. وبالطبع لن يتيح أي اتصال هاتفي للطرف الآخر أن يشرح بالتفصيل أضرار قرار القدس على مكانته الأدبية، أو حتى الأضرار السياسية التي ستؤثر سلبا على موقفه وخياراته في سياسته الخارجية.

الأنكى من ذلك، أن العداء الأميركي المزعوم لإيران وللمتطرفين الإسلامويين، لم يكن كابحا لترامب الذي يعرف أن أصدقاءه العرب، يساعدون وسيظلوا يساعدون، وفق ما يرون مصالحهم ويرون مخاطر التوغل الإيراني في المشرق العربي، وفي حال إن بادر هو إلى الإمساك بالعرب من خاصرتهم ومن القدس ولم يتردد في الطعن فإنه سيجعل إيران التي تغطي توغلها بمفردات الحق الإسلامي في القدس، صاحبة موقف سياسي وأدبي أفضل، لا سيما في خضم الديماغوجيا التي ترافق توغلها، لمقاصد استراتيجية، وصولا إلى الإطلالة على البحر المتوسط.

ليست قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، والحسابات الاستراتيجية في العمل مع الحلفاء، هي فقط التي ضرب بها ترامب عرض الحائط. فالرجل لم يكترث أيضا لمصالح الولايات المتحدة، وركز على النجاة سياسيا باسترضاء إسرائيل التي لم تكن هي نفسها تضغط عليه بقوة لكي يعلن ما أعلن.

أما العرب فقد فعلوا كل شيء للتماهي مع السياسة الأميركية، وخاصة على مستوى موقف إدارة ترامب من إيران، بل كان من بين أفدح أخطائهم أنهم وضعوا أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه، عندما أقنعوا أنفسهم وأقنعوا الأميركيين وألمحوا لشعوبهم بأن الولايات المتحدة تحمي بلدانهم ومصائرهم. ذلك رغم أن النظرة الفاحصة بدقة وعمق لحقائق السجال الأميركي الإيراني يمكن أن تخلق الانطباع بأن التعاون قائم بين الطرفين وأن هناك ثوابت مشتركة. وكان ذلك الانطباع أقوى في عهد إدارة باراك أوباما، وفي مقدورنا أخذ العبرة من التقاسم الرضائي المشهود للنفوذ بين الطرفين الأميركي والإيراني في العراق. فقد كانت ولا تزال لهذا التقاسم مفارقات من بينها، أن أكثر رموز العهد العراقي الجديد مقربون من الطرفين، إن لم يكونوا موالين تماما لإيران وللولايات المتحدة، صاحبة الفضل عليهم في الوقت نفسه.

لا معنى للإحساس بالصدمة من القرار الأميركي الشائن، وكأن القدس احتلت بالأمس وبقرار من ترامب، أو كأن المدينة يمكن استعادتها، بينما سوريا ممزقة والعراق يهيمن عليه الأميركيون والإيرانيون من خلال وكلائهم، والعرب الآخرون مرتهنون لإحساس خاطئ بأن أميركا تحميهم، والفلسطينيون منقسمون وبلا مؤسسات.

فخسارة الفلسطينيين والعرب في القدس الشرقية، جارية على قدم وساق منذ 50 سنة، وخسارة الفلسطينيين والعرب في القدس الغربية وقعت منذ العام 1947 بعد أن قررت الأمم المتحدة في قرار تقسيم فلسطين، أن القدس الكبرى وبيت لحم الصغرى تقعان خارج نطاق الدولتين المُقترحتين أي فلسطين وإسرائيل وتقعان تحت الوصاية الدولية ضمانا لحقوق أتباع جميع الأديان. لكن إسرائيل احتلت القدس الغربية بقوة السلاح.

الخسارة الصادمة في قرار ترامب هي احتلال كرامات كل من ارتضوا أميركا صديقا داعما ووسيطا، سواء كانت تلك، أميركا أوباما أو أميركا ترامب. فلا فرق بين الرجلين إلا في اللغة المستخدمة عند الإفصاح عن المواقف، وربما يكون ترامب هو الأفضل بالنسبة للأميركيين الذين انتخبوه، أو أصدقهم في الإفصاح عن إرادة مجتمع المال والأعمال والسوق العقارية وصناعة السلاح، وسائر مكونات هذا المجتمع الذي ينتح حصرا من يحكمون الولايات المتحدة ويقرر من يسكن البيت الأبيض.

فالنظام الأميركي هو نظام هؤلاء، ويسمى في النظرية السياسية، النظام الأوليغارشي، أي النصاب المالي ونصاب الأقلية من المتمولين الأثرياء، حسب وصف أفلاطون في كتاب “الجمهورية”.

ربما يكمن الحل الجذري، للتعدي الأميركي على حقوق الأمة العربية، في طبيعة النظام الأوليغارشي الأميركي نفسه، الذي تتسيده شريحة رجال المال والأعمال والعقارات وأرباب صناعة السلاح والمصارف. فمثل هكذا نظام، لن يقوى على احتمال أي إضرار بمصالحه، ولا يستطيع مقاومة القوة الناعمة، وستكفي في كبح جماحه، مجرد إدارة موصولة بالسياسة، عند التصرف بالثروات وعند ارتياد أسواق السلع والسلاح، وفي حال حسن التصرف بأراضي الدول المستقلة صاحبة الحق في السيادة على أراضيها، فلا تعطي الولايات المتحدة تسهيلات لوجستية ولا تعاونا أمنيا، ولا تصب في مصارفها فوائض مالية لم تستغل في وجهها الصحيح.

وعليه تتوجب إعادة صياغة العلاقة مع واشنطن، لكي تتقدم هذه العلاقة أو تتراجع، على خطين متوازيين ومتلازمين، بحيث يكون السياق ملبيا لمصالح لها مقابل مواقف منها حيال القضايا العربية، أو في الحد الأدنى أن يتلازم خط التعاون العربي مع الأميركيين، مع خط سياسي أميركي رشيد ومتوازن، لا يلحق ضررا بالقضايا العربية، ويكون مؤهلا للعب دور الوسيط.

كاتب وسياسي فلسطيني

8