مختصون يحذرون من تحول استخدام الأطفال للشاشات إلى وباء عالمي

التكنولوجيات الحديثة تسيطر على الأطفال منذ سنواتهم الأولى، وآباء يعتبرون الشاشات أداة للانفتاح ويجهلون مخاطرها.
الثلاثاء 2018/11/20
قدرات ومواهب مهدورة

الرباط – دق عدد من الأخصائيين في العالم ناقوس الخطر، محذرين من هذه الظاهرة التي تضر بصورة متزايدة نمو وذكاء الأطفال بتسببها في أمراض ومشاكل جديدة على المستويات المعرفية والنفسية والجسدية.

ويلفت الباحثون دوما الانتباه إلى الاضطرابات السلوكية التي تصيب الطفل منذ صغر سنه عند تعامله أو مشاهدته للشاشات بمختلف أنواعها من تلفزيون إلى أجهزة ذكية وكمبيوترات، لا سيما المتنقلة منها واللوحات الإلكترونية، والهواتف الذكية وغيرها، ومن أبرز هذه الاضطرابات التأخر في القدرة الحركية وفي القدرة على النطق، الذي يصيب الصغار في السنوات الأولى من العمر حتى وإن كان الاستخدام لوقت قصير، بجانب اضطرابات أخرى مهمة حتى لدى الأكبر سنا.

وتوضح الطبيبة العامة في ليل-دو-فرانس (فرنسا)، آن ليز دوكاندا، بمناسبة اليوم العالمي للطفل الذي يتم الاحتفال به يوم 20 نوفمبر من كل عام، أن “الشاشات تمنع الأطفال من الاستفادة من كل محفزات البيئة التي تناسبهم، ولا يمكن للأطفال الصغار أن يتعلموا باستعمال شاشة”.

وتضيف دوكاندا، التي أطلقت نداء في فرنسا بالاشتراك مع أطباء مختصون في الطب النفسي للأطفال، وأخصائيون في النطق، وأخصائيون في الحركة من أجل توعية الآباء والمدرسين حول أضرار الشاشات، أنه في هذا الزمن الرقمي أصبحت آثارها السلبية واضحة، حيث أن اللوحات الإلكترونية والهواتف الذكية والتلفزيونات تجلب وتسيطر على انتباه الطفل.

العصر الراهن يستوجب مواجهة الهيمنة الرقمية داخل العائلات، التي غمرتها الشاشات دون معايير ضامنة لسلامة أفرادها

وتشير دوكاندا إلى أنه “عندما يكون الطفل وحده أمام هذه الشاشات، يكون عقله مرتبطا بها وليس مرتبطا بما يدور حوله، بل يفقد العقل الارتباط بما يدور في جسمه”، مبرزة أن “نمو الطفل وذكاءه يتطوران باستعمال الحواس الخمس وبعلاقته مع الآخر، وهو ما يسمى بالذكاء الحسي-الحركي”.

ولا يمكن للطفل أن يتطور إلا إذا اكتشف بنفسه العالم، لأنه في الحياة الواقعية وعلى عكس الشاشات، يكتشف الطفل أن هذا ساخن، والآخر بارد، وأن هذا ثقيل، وأن الأشياء تقع وتتدحرج وتنكسر، ويجب على الطفل أن يقوم بهذه الأشياء بنفسه، بحيث أن العقل الذي يحلل تأثير هذه الحركات، يحتاج إلى الوقت لتطوير الاتصالات الدماغية.

وتقول المختصة “مع الشاشات، هناك تعاقب سريع للصور والأصوات، لا سيما مع الرسوم المتحركة، لذلك لا يقدر عقل الطفل على التحليل”، مشيرة إلى عدم وجود أي حركية دقيقة لأن الطفل يقوم فقط بلمس الشاشة بإصبعه. وقلة الحركة التي يسببها الجلوس أمام الشاشات هي المسؤول عن تأخر الأنشطة الحركية العامة أي الجري والمشي والقفز، وعند جمود الطفل لوقت أمام الشاشات فإن هذه الحركات لا يتم تطويرها.

وينصح المختصون الآباء بالانتباه إلى هذه المسألة، كما تنبه العديد من البحوث إلى تداعيات الشاشات على قدرات اكتساب اللغة لدى الصغار والذي قد يسجل كذلك تأخرا، وتقول دوكاندا “هناك أطفال لا يتكلمون بصفة كلية، أو أطفال بلغوا من العمر أربع سنوات لا يتجاوبون ولا يصدر منهم أي صوت”.

وهو ما يؤكد أن الشاشة لا تمكن الأطفال من تعلم الكلام بعكس الاعتقاد السائد، وبالنسبة للأطفال الذين يفرطون في استخدام الشاشات، تكون الاضطرابات في الانتباه أكثر شدة لأن ما تمرره الشاشات بسرعة كبيرة ينجم عنه تحفيز مفرط لا يسمح للأطفال بمعالجة المعلومات والتركيز. وبحسب المختصين فإن الطفل يجب أن يبذل مجهودات ويشعر بالصعوبة عن طريق اختبار حواسه.

وأبرزت آن ليز دوكاندا أن “الحياة الحقيقية غنية جدا بالنسبة للأطفال، في حين أن الحياة الموجودة على الشاشة فقيرة جدا”. وأردفت موضحة “لا يشعر الطفل بشيء مع الشاشة، ولا يقوم بأي جهد، لأن الشاشة تفتقر إلى إحساس الحرارة أو البرودة أو الثقل أو الخشونة أو البعد أو القرب…”.

الأطفال يعيشون اليوم بصفة مستمرة مع التكنولوجيات الجديدة، حيث أضحت اللوحات الإلكترونية والهواتف الذكية وألعاب الفيديو جزءا لا يتجزأ من حياتهم اليومية

وتذكيرا بأهمية الأسرة والتواصل العائلي وبدور الأم قالت دوكاندا إن حياة الأطفال، خصوصا الصغار منهم، يجب أن تكون مليئة بالتفاعلات مع آبائهم، مشيرة إلى أنه عندما “ننظر ونبتسم ونتحدث ونلامس ونجيب بعضنا البعض، تقوم الأم بتشفير رسائل ابنها، بينما لا تستجيب الشاشة لاحتياجات الطفل لأنه لا يتفاعل معها فيظل في عزلة ولا يتواصل مع أحد”. ويلقى باللوم كثيرا على الآباء كونهم يمنحون أبناءهم الوقت للبقاء أمام الشاشات غير أن دوكاندا ترى أنه لا يجب تحميل الآباء ما لا طاقة لهم به لأنهم في وضعية صعبة ومعقدة فمن جهة هم مطالبون بالتقليل من استخدام الشاشات وفي نفس الوقت يتم تشجيعهم على الانخراط في مجتمع رقمي بصفة مفرطة.

وينصح المختصون في شؤون الأطفال والتربية الآباء باتباع نمط تعامل مع الشاشات شبيه بالتعامل مع التبغ، فـ”بما أننا لا نوقد سيجارتنا أمام رضيع، فلا يجب استخدام شاشتنا أمامه”.

ويعتقد الآباء أن هذه الشاشات تعد الأطفال لعالم الغد، كعالم متصل، لكنهم لا يدركون أن تواصل استخدام هذه الشاشات يسبب الإدمان، وأنها ليست لعبة مثل أي لعبة أخرى. وترى طبيبة الأطفال زبيدة الصنهاجي العمراني، أن المشكلة الأكثر ظهورا لدى الأطفال في المغرب تتمثل في مخاطر صعوبات النطق، والمخاطر على طباع الطفل من ناحية تطوير السلوك العدواني لديه. وأوضحت الصنهاجي أن سبب هذه الظاهرة يرجع على وجه الخصوص إلى سهولة الوصول إلى الشاشات وتراخي الآباء تجاه أبنائهم، مشيرة إلى أن الآباء المرهقين يستخدمون اللوحات الإلكترونية لإلهاء أبنائهم.

ودعت الصنهاجي الآباء إلى الحد من ولوج الأطفال إلى الشاشات، وأوصت باستعمال شفرات خاصة وبمراقبة ولوج أبنائهم إلى الشبكات الاجتماعية، مقترحة استبدال الإدمان على الشاشات بالألعاب التفاعلية والقراءة والفنون التشكيلية والرياضة.

وشددت في هذا الصدد على ضرورة إجراء بحوث على نطاق واسع، خاصة في الفضاء المدرسي مؤكدة أن أطفال اليوم ليسوا مثل الأطفال في الماضي لذلك فإن العصر الراهن يستوجب مواجهة الهيمنة الرقمية داخل العائلات، التي غمرتها الشاشات دون استخدام ضوابط ومعايير ضامنة لسلامة أفرادها وخصوصا دون توعيةٍ بمخاطرها توعيةً كافيةً.

21