مخدر الشيطان يسيطر على عقول الشباب في مصر

مركز مكافحة الإدمان يرصد ارتفاعا كبيرا في أعداد متعاطي مخدر الأستروكس من الشباب في مصر.
الجمعة 2018/10/05
مزاج قاتل

القاهرة - مثل الخفافيش لا ينشط مدمنو مخدر “الأستروكس″ من الشباب إلا ليلا، تجمعهم جلسات الكيف، يتبادلون الأنفاس وسط غيوم من الدخان الأبيض، يختفي بعدها الكون من حولهم، ويغوصون في عالم آخر دون أن يعرفوا موعد العودة. يبدأ كل منهم العيش وسط خيالاته، ربما يتهيّأ لأحدهم أنه يعتلي بساط الريح، أو يحاور أشخاصا غير موجودين في الأساس، وهي نتيجة طبيعية بعد اختيارهم هذا المزاج المميت.

وانتشرت مقاطع فيديو على موقع يوتيوب مؤخرا، لشباب حوّلهم هذا المخدر إلى دمى، منهم من يتلوّى على الأرض وكأن ثعبانا لدغه، ويصيح بصرخات عالية، وآخرون على الأرض شاخصو البصر، ويحاول الباقون إعادتهم مرة أخرى إلى الوعي بوضع الماء على وجوههم ليستفيقوا.

 

انزلق الآلاف من الشباب المصريين في فخ صنف جديد من أصناف المخدرات يطلق عليه “مخدر الشيطان”، وعلى ما يبدو ليس الاكتئاب أو ضغوط الحياة أو المزاج وحدها الدافع وراء الانسياق وراء “فن المزاج” هذا، لكن الفضول والشغف هما المحددان لخوض هذه التجربة القاتلة أحيانا، خاصة وأن هذه الوجبة المزاجية رخيصة الثمن.

ورصد مركز مكافحة الإدمان ارتفاعا كبيرا في أعداد متعاطي مخدر الأستروكس من الشباب، وتلقى المركز عبر الخط الساخن لمعالجة الإدمان بلاغات من نحو خمسة آلاف حالة في النصف الأول من العام الجاري 2018، وتتراوح أعمار الحالات بين 17 و30 عاما.

يسمع الكثير من سكان الأحياء الشعبية في القاهرة، يوما بعد آخر خبر وفاة شاب في مقتبل العمر، وعندما يسألون عن السبب تكون الإجابة الأستروكس اللعين، وربما يفاجأون بشباب آخرين تبدّلت وجوههم لدرجة لا يمكن معها التعرف عليهم، بعد أن شحبت وازدادت الأعين احمرارا وغطى اللون الأصفر الأسنان.

تلك الهيئة تخفي وراءها مجرد هيكل عظمي بلا روح، تبدل حاله بعد العشرات من الأنفاس التي استقبلتها رئتيه من مادة تستخدم لكبح جماح ثور هائج، يكشف عنها محمود عيد، أحد أطباء مركز مكافحة الإدمان التابع لوزارة الصحة، قائلا لـ”العرب”، “إنها خلطة من نبات القنب يضاف إليها بعض المواد الكيميائية شديدة الخطورة مثل الكيتامين الذي يستخدم في تخدير الحيوانات والأتروريين والهيبوسيامين والهيوسين”.

ويضيف، أن السبب وراء انتشار هذا المخدر بين أوساط الشباب، هو ثمنه الرخيص، وقامت مجموعة من التجار المحترفين بتصنيع الخلطة بعدة أشكال، لفتح أسواق جديدة تجلب لهم المزيد من المال، وإن قادت المتعاطين إلى الجنون أو الانتحار، لأنها تسيطر تماما على الجهاز العصبي.

وشرح عيد الأعراض الظاهرية التي تظهر على مدمني الأستروكس بقوله “تصيب باحتقان في الحلق واحمرار بالوجه، ويظل الجسم تحت تأثير المخدر بعد آخر تعاطيله، لمدة تتراوح بين ساعتين وأربع ساعات، ويظهر في تحليل الدم ما بين يوم أو اثنين”.

ولا تتخطى أضرار أي مخدر 10 بالمئة من أضرار الأستروكس، فالمادة الفعالة في الخلطة هي مادة الكيتامين، التي يستخدمها البيطريون في تهدئة الخيول والأسود والثيران، وتخدير الحيوانات قبل إجراء العمليات الجراحية.

وينقسم المخدر إلى نوعين شرحهما مدير مركز السموم التابع لكلية الطب بجامعة عين شمس، الدكتور محمود لطفي، قائلا لـ”العرب”، “النوع الأول عبارة عن أعشاب البردقوش تضاف إليها المادة الفعالة عن طريق الرش، أما النوع الثاني فهو عبارة عن تبغ يضاف إليه المخدر بالطريقة نفسها”.

ولفت إلى أن قيام بعض التجار بتصنيع الخلطة بنسب غير متوازنة، يعرّض حياة المتعاطين للموت السريع، فأول جرعة كافية لتدمير الجهاز العصبي، ورغم تجريم 16 مادة من المواد التي تدخل في صناعة مخدر الأستروكس، لمعاقبة كل من يتعاطاها أو يتاجر بها، إلا أن المشكلة تكمن في وجود مركبات كيميائية أخرى من الممكن استخدامها في صناعة المخدر، بعضها يصعب إدراجه والسيطرة عليه.

ولم يدرج الأستروكس في جداول المخدرات الصادر عن وزارة الصحة في مصر، لأنه غير معلوم المصدر، كما أن المادة الخام للمخدر يقوم بتصنيعها عدد من تجار المخدرات، بالتالي فإنه ليس من العقاقير المحظورة التي يعاقب عليها القانون.

ويخفي الواقع تفاصيل الحفل الذي يجمع ثلاثة أو أربعة مدمنين حول سيجارة واحدة، سيجارة واحدة كافية لـ”الشلة” وفقا لقانون الأستروكس، لأن نصيب الشخص الواحد لا يتعدى ثلاثة أنفاس، وإلا وقع بين باقي المدعوين.

ويصل سعر السيجارة الواحدة إلى 50 جنيه مصري (أقل من ثلاثة دولارات)، في حال شراء سيجارة جاهزة، أما سعر العبوة “الكيس″ فيبلغ 30 جنيها.

لا تتخطى أضرار أي مخدر عشرة بالمئة من أضرار الأستروكس
لا تتخطى أضرار أي مخدر عشرة بالمئة من أضرار الأستروكس

تفاصيل الحفل يشرحها لـ”العرب” أحدهم وكان طبيعيا أن يرفض ذكر اسمه أو التقاط صورة له، بعد أن صارت هيئته مخيفة، ويمكن بسهولة الالتفات إلى وقوعه في براثن الإدمان، بمجرد أن تخرج الكلمات من بين شفتيه.

ويقول، (أ.ع)، “إن الإعداد للحفل يبدأ بالتجمع في المكان المعتاد، على أن يتكفل أحد أفراد ‘الشلة’ بإحضار المخدر، وهنا إما أن يأتي بسيجارة الأستروكس جاهزة، (سيجارة عمرانة)، وإما أن يجلس أحدهم ويقوم بخلط مادة الأستروكس مع تبغ السيجارة والحشيش”.

وبعد عملية لف السيجارة بحرفية شديدة لا يسير الحفل بشكل عشوائي ولا تترك السيجارة حائرة بين يدي المدعوين، بل هناك قائد لعملية التدخين.

ويحتفظ القائد بالسيجارة بين إصبعيه السبابة والوسطى، وفي صمت تام يمر بها على أفواه الحاضرين، بحد أقصى 3 أنفاس لكل منهم، لأنه لو سحب أكثر من ذلك بصورة متتالية يموت على الفور، وهو ما يعرفه الجميع ممن تعلموا الدرس بعد أن سقط قبلهم ضحايا.

وما إن تحترق السيجارة بأكملها، يختفي الكون من حولهم، ويبدأ كل منهم في التعايش مع التهيؤات، وقتها شعر (أ.ع) بأنه مات ويحاسب، وهو ما أكده لـ”العرب”، فقد اكتست الأجواء بالغيوم دون أن يميّز وجه أي شخص من الموجودين معه، وتخيل فعليا أن ملكين نزلا من السماء وبدأت عملية محاسبته، ولم يجد أمامه إلا أن يردد كلمة واحدة، وهي ليست الشهادتين بالطبع، بل طلب أن يرى ابنه.

ومنهم من يقرر ترك المكان في أسرع وقت ربما لشعوره بأنه يعيش اللحظات الأخيرة من عمره، لذلك يفضل الركض في الشوارع دون هدف، لشعوره بأنه خفيف الحركة كراقص باليه، وربما ينتهي به الحال إلى السقوط أرضا، وربما أيضا يسمع بأذنيه تصفيق الجماهير، أو يراهم جالسين أمامه وأتعبَ التصفيق أيديهم من شدة الإعجاب بالفقرة التي قدمها.

هذا هو الخيال الذين يجدون أنفسهم فيه، لكن الواقع مختلف، فقد اختفت ملامحهم البشرية، ليظهر الجزء السلبي، فعدم الاتزان هو السمة الغالبة على متعاطي الأستروكس، سواء في وضع الوقوف أو المشي أو حتى الجلوس، ويكاد يفقد القدرة حتى على رفع رأسه، وتتحول بشرته إلى اللون الأخضر الشاحب، ويصدر أصواتا أقرب إلى خوار الوحوش، ومع الجرأة الوهمية التي يمنحها المخدر لمدمنيه، تجدهم يتحركون بشكل مريب وغير مفهوم.

لم يكن التدخين الطريقة الوحيدة لتعاطي مخدر الأستروكس، فهناك طريقة أخرى يطلق عليها “الغرقانة”، عن طريق ملء زجاجة بلاستيكية بالماء وإحداث ثقب في أحد جوانبها من عند المنتصف، ثم يوضع الأستروكس في غطاء مثقوب، ويقوم أحدهم بإشعاله في حين يجذب آخر النفس من ثقب الزجاجة، الموضوعة ويتبادل الحاضرون الأدوار.

لذلك إذا قادتك الصدفة أثناء ذهابك إلى العمل صباحا أو عند زيارتك لأحد الأحياء الشعبية في القاهرة، لا تندهش إن وجدت شابا عشرينيا مستغرقا في نوم عميق على أحد الأرصفة، هيئته أقرب إلى جثة متجمّدة، فأنت أمام شخص قضى ليلته في صحبة الأستروكس حتى غاب عن الوعي، وانتهى به الأمر على الرصيف يهدر ساعات النهار في النوم، حتى يخيّم الليل على الكون ليخوض مجددا تجربة قد تكلفه حياته.

20