مخرجات "سابع جار" يكتبن تاريخا جديدا للدراما المصرية

المخرجات الثلاث يتنقلن في حضورهن الفني، بين الكتابة والإخراج والتمثيل والإنتاج. ولذلك استطعن تسخير خبراتهن المتنوعة في نقل صورة واقعية لجانب من المجتمع مسكوت عنه.
السبت 2018/05/12
هبة ونادين وأيتن فراشات ثلاث مرت من هنا

تدور أحداث مسلسل “سابع جار” الذي شغل اهتمام عشرات الملايين من المتابعين ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا، بين عدد من الجيران داخل إحدى العمارات السكنية. معظم هؤلاء الجيران من الطبقة المتوسطة، ليعرض العمل الدرامي المتعدد الوجوه تعدد حياة تلك الأسر في بيوتها وتفاوت مشاكلها اليومية، ما يعكس صورة يتوق المصريون إلى رؤيتها في الأعمال الدرامية التي حلّقت بعيدا في السنوات الأخيرة.

سر نجاح مخرجات مسلسل “سابع جار” الذي مثل ثورة في الدراما الاجتماعية في مصر يكمن في ما يمكن أن نسميه “روح الفريق” الجديدة. ففي الورش الفنية، الخاصة بالتأليف والإخراج، تتجاور الأفكار وتتشابه، لكن من النادر أن تتشابك وتتضافر داخل بعضها لدرجة أن يشعر المشاهد أن مؤلفا واحدا كتبها أو مخرجا واحدا وضع رؤيتها المصورة.

وفي هذا العمل المميز تم ولأول مرة، تقديم نمط مغاير للصورة التقليدية لمجتمع الطبقة الوسطى في مصر. تلك الصورة التي لم تتغير منذ عشرات السنوات. ظلت خلالها القيم والمفاهيم والأنماط السلوكية للطبقة الوسطى وكأنها “كليشيهات” أو شعارات محفوظة لا تتغير أو تتبدل، حتى جاءت ثلاث مخرجات موهوبات أكدن بصورة بسيطة وسلسة أن الأمور في الواقع اختلفت ولم تعد كما كانت دراميا.

الفراشات اللاتي يتنقلن في حضورهن الفني، بين الكتابة والإخراج والتمثيل والإنتاج، هبة يسري وأيتن أمين ونادين خان. استطعن تسخير خبراتهن المتنوعة في نقل صورة واقعية لجانب في المجتمع مسكوت عنه، يكشف جوهر حجم التغيرات الكبيرة داخله دراميا.

تجربة أيتن أمين تتأكد في العام 2010 بجائزة أفضل مشروع في ملتقى مهرجان القاهرة السينمائي عن سيناريو فيلم {69}. لتشارك بعدها في إخراج فيلم {بصرة} للفنان المصري باسم سمرة والأردني إياد نصار، والفيلم الوثائقي {تحرير 2011- الطيب والشرس والسياسي} مع المخرجين عمرو سلامة وتامر عزت وكريم الشناوي، وتم فيه رصد الـ18 يوما التالية لأحداث ثورة 25 يناير

توصلن ببراعة لطريقة إخراج شديدة الهدوء لسرد الأحداث اليومية العادية لعدد من الأسر المصرية، بلا ذروة درامية صاخبة، لأن الهدف كان نقل الواقع للشاشة، بكل مزاياه وعيوبه أو “بشحمه ولحمه”، كما يقول المصريون.

المتمردة

مفتاح شخصية هبة يسري التمرد. هذه الفتاة التي تنتمي لأسرة فنية كبيرة. جدتها المطربة الراحلة شهرزاد، وجدها مدير التصوير عبدالمنعم بهنسي. أما والدها فهو عازف الأورغ يسري رمزي. لكن حياتها سارت عكس التوقعات. فقد تحولت الأسرة من سند وعون يمهد لها الطريق في عالم الفن إلى إحدى المعوقات.

اعتزال والدها لعالم الفن ورفضه القاطع لعمل ابنته في مجاله وتأييد والدتها لموقفه، جعلاها في حالة تمرد عليهما ورغبة في إثبات نفسها داخل العالم الذي عشقته.

كانت بداية التمرد في إصرارها على الالتحاق بمعهد السينما الذي قدمت فيه وهي في السنة الثالثة أول مشروعاتها الخاصة بعنوان “المهنة امرأة”، وكانت تكلفته 800 جنيه فقط، أي نحو أربعين دولارا، وبتلك الإمكانات القليلة تمكنت من أن تظهر لمحات من موهبتها كمؤلفة ومخرجة للفيلم القصير.

قررت في السنة النهائية، أن يكون مشروع التخرج سردا لقصتها مع أسرتها والفن، وكان عنوانه “عشق آخر” الذي ألفته وقامت ببطولته وأخرجته على نغمات أغاني جدتها التي استعانت ببعض ملابسها أيضا في العمل، ونال جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان “فبيا” بفرنسا.

 تقول “بدأت مخرجة وسأظل هكذا”. لذا فهي تبرر تمثيلها في “عشق آخر” بأنه كان لقناعتها بأنها الأقدر على تجسيد شخصيتها على الشاشة، إلا أن المخرجة أيتن أمين، شريكتها في تأليف وإخراج “سابع جار”، استطاعت إقناعها بإعادة التجربة مع التمثيل في فيلمها “فيلا 69” الذي قامت  فيه بدور ممرضة ترعى رجلا عجوزا في أيامه الأخيرة أمام الفنان خالد أبوالنجا والفنانة لبلبة. كما قدمت دورين آخرين في فيلم “فتاة المصنع” مع ياسمين رئيس، ومسلسل “مأمون وشركاه” مع عادل إمام.

ورغم الإطراء الكبير عليها كممثلة، لكنها تهرب باستمرار من الوقوف أمام الكاميرات مفضلة الوقوف خلفها. وبعد أن قدمت نفسها كمخرجة للأعمال الوثائقية بفيلم “ستو زاد- أول عشق”، تلته بفيلم قصير بعنوان “اللون الأزرق”، ثم شاركت في إخراج بعض حلقات المسلسل الكوميدي “تامر وشوقية”، قبل أن تمارس دورا فنيا جديدا، وهو دور المنتجة لفيلم “بره في الشارع” عام 2015، يتناول حياة الطبقة العمالية في حلوان ومشاكلها وهمومها.

تم اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان “برلين” ضمن فعاليات المنتدى الموسع. وفاز بجائزة أفضل فيلم طويل في مهرجان السينما العربية اللاتينية، مناصفة مع فيلم “ديغراديه” للمخرجين الفلسطينيين عرب وطرازان ناصر. كما شارك في مهرجان “قرطاج” في قسم الأفلام الوثائقية.

هبة يسري، يمكن وصفها بالجوكر. تجيد لعب كل الأدوار في صناعة السينما. مؤلفة ومنتجة وممثلة ومخرجة. ليست مشغولة بالوسيلة التي تصل بها للجمهور، سواء كانت عبر السينما التجارية أو المستقلة أو التلفزيون. ما يؤرقها أن لا يكون فنها حقيقيا وصادقا.

تقول عن ذلك “أريد أن أقدم أعمالا تخلق حالة ارتباط بين الناس والدراما. أعمال نلتف حولها ونجتمع بعد أن أخذنا العالم الإلكتروني من بعضنا البعض فأنا مهمومة بفكرة اللمة والترابط الاجتماعي”. قد يكون الفكر الفني الذي تحمله داخلها شجعها على تحويل قصة “سابع جار” من مجرد فكرة لفيلم سينمائي إلى عمل درامي يتناول يوميات الأسر المصرية بلا رتوش.

ساندتها في الفكرة المتمردة على أشكال الدراما السابقة شكلا وموضوعا، أيتن أمين، التي شاركت معها إلى جانب إخراج العمل في كتابة بعض حلقاته وانضمت إليهما، كمخرجة فقط، نادين خان، ليكتمل عقد المبدعات. وكان لهن، ومازال، باع كبير في السينما المستقلة. أكد عملهن بالدراما وبهذه الحرفية والموهبة، على شيء واحد أن السينما المستقلة أو التجارية ما هي إلا مسميات لن تستطيع حجب موهبة تملك شيئا لتضيفه لعالم الفن.

الجريئة

سابع جار” عمل يقدم نمطا مغايرا للصورة التقليدية لمجتمع الطبقة الوسطي في مصر. تلك الصورة التي لم تتغير منذ عشرات السنوات. ظلت خلالها القيم والمفاهيم والأنماط السلوكية للطبقة الوسطى وكأنها “كليشيهات” أو شعارات محفوظة لا تتغير أو تتبدل
سابع جار” عمل يقدم نمطا مغايرا للصورة التقليدية لمجتمع الطبقة الوسطي في مصر. تلك الصورة التي لم تتغير منذ عشرات السنوات. ظلت خلالها القيم والمفاهيم والأنماط السلوكية للطبقة الوسطى وكأنها “كليشيهات” أو شعارات محفوظة لا تتغير أو تتبدل

 

إذا كانت يسري، بكل تمردها الفني والإنساني، استطاعت أن تخلق حالة فنية شديدة الخصوصية لها ولأعمالها، فإن أيتن أمين، لا تبدو على نفس حالة التمرد. فهي تسير بخطوات متأنية، رغم جرأتها الشديدة. أحبت السينما منذ صغرها كمشاهدة شغوفة لما رأته وهي ناقدة لاذعة له في الوقت نفسه.

لم تدخل عالم الفن من أبوابه المباشرة، بل التحقت بكلية التجارة، وتخرجت منها وعملت في أحد البنوك، وحاولت أكثر من مرة دراسة السينما والنقد الفني، إلا أنها لم تستطع الاستمرار في الدورات التي التحقت بها.

بفضل إعلان صغير في إحدى الصحف قررت أمين أن تقلب حياتها رأسا على عقب، بعد أن قرأت عن دورة في “أرت لاب” بالجامعة الأميركية لمدة عامين، إذا اجتازت مستوياتها التسعة، تحصل على دبلوم.

تصورت أن الدورة في الكتابة، التي كانت مولعة بها في البداية، ستجعلها كاتبة فقط، إلا أنه مع المزيد من الدراسة والعمل، أدركت أن حياتها الفنية سوف تكون كمخرجة ولا شيء آخر، بعد أن صورت أول فيلمين قصيرين لها في أثناء الدراسة. الأول عن الفنانة الراحلة مديحة كامل. والثاني عن تاريخ الرقص الشرقي.

كان فيلمها الجريء “راجلها” الذي قامت بكتابة السيناريو والحوار له عن قصة قصيرة للأديبة أهداف سويف. الفيلم الذي كان مشروع تخرجها والحصول على “الماستر”، إلا أنه تحول لحالة فنية بعد مشاركته في عشر مهرجانات دولية.

ثم تلته بفيلم إنساني، مفعم بالمشاعر عن مرضى الزهايمر بعنوان “أنا عارف من هي”، تناولت فيه المرض وحياة المرضى بمنتهى الرقي، وأظهرت المرضى في أبهى صورة. قدمت الفيلم بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية.

في 2010 فازت بجائزة أفضل مشروع في ملتقى مهرجان القاهرة السينمائي عن سيناريو فيلم “فيلا 69” والذي تلته بفيلم “ربيع 89” للسيناريست وسام سليمان.

شاركت في إخراج فيلم “بصرة” للفنان المصري باسم سمرة والأردني إياد نصار. تلا ذلك الفيلم الوثائقي “تحرير 2011- الطيب والشرس والسياسي” مع المخرجين عمرو سلامة وتامر عزت وكريم الشناوي، وتم فيه رصد الـ18 يوما التالية لأحداث ثورة 25 يناير.

اهتمت أيتن بالتعلم على يد أساتذة في الإخراج، وعملت معهم كمخرج مساعد ومن بينهم محمد خان وأحمد رشوان. ومع عمرو سلامة في فيلم “زي النهارده” وهو نفس المخرج الذي اكتشفته كممثل لأول مرة مع هبة ونادين في “سابع جار”.

ظلت أيتن تسير بطريقة تقليدية في الدراسة والعمل وعندما شدت الرحال لعالم الفن امتلكت جرأة أصبحت سلاحها للتواجد على الساحة، لا سيما وأنها جرأة منحازة للقصص وليس للمشاهد المنفلتة واللوحات الإنسانية التي تحب أن تمتلئ بها أعمالها.

عن ذلك تقول “أحب الأعمال التي أنفذها أو أشارك فيها لذا يزعجني للغاية أن أفسدها، وأكون حريصة جدا في تنفيذها وانحاز باستمرار إلى الأعمال التي لها طابع إنساني فهي تلمس أعماقي”.

واقعية

نادين خان، الضلع الواقعي في مثلث مخرجات “سابع جار”، هي ابنة المخرج الراحل محمد خان. ورثت عن والدها التنظيم وتسلسل الأفكار في العمل والميل مثله إلى رصد الواقع بصورة تحمل الكثير من الفانتازيا والوهج الكوميدي، كي يبرز هذا التناول الساخر قبح الواقع وظلمته.

وهو ما ظهر جليا في أول أفلامها الروائية، الذي لم تكتف بكونها مخرجته، بل كانت مؤلفته أيضا، وهو فيلم “هرج ومرج”، بطولة أيتن عامر ومحمد فراج. ويسرد قصة ارتباط شابين ورغبتهما المشروعة في تكوين حياتهما البسيطة بكل ما يحمله هذا الحلم من تبعات صعبة في ظل واقع مأزوم.

حصد الفيلم الكثير من الجوائز، منها جائزة التحكيم الخاصة في مهرجان “دبي السينمائي الدولي” عام 2012، وجائزة أفضل فيلم من مهرجان “وهران” مناصفة مع الفيلم السوري “مريم” للمخرج باسل الخطيب عام 2013 .

عملها لمدة عشر سنوات كمخرجة مساعدة في الإعلانات التلفزيونية ومع والدها في فيلم “بنات وسط البلد” ومع المخرج يسري نصرالله في كل من فيلم “باب شمس العودة” و”باب شمس الرحيل”، منحاها الكثير من الخبرة. علاوة على عملها في السينما المستقلة التي قدمت فيها عددا من الأفلام القصيرة، مثل فيلم “رؤية”، إلى جانب دراستها الأكاديمية في المعهد العالي للسينما.

المتمردة والجريئة والواقعية توليفة نسائية مبشرة بفن مختلف. فهبة يسري تصر على أن تكون مخرجة وكفى. أما أيتن أمين فتبقى أسيرة اللوحات الفنية الإنسانية، لكن نادين خان تواجه ظلمة الواقع بفانتازيا والدها

ساهمت هذه المقومات في تكوين شخصيتها الفنية المستقلة ذات البصمة المغايرة، والتي تتضح في اختياراتها. نجد مثلا مشروع فيلمها “بلاد لها العجب” يفوز بجائزتين الأولى من صندوق مهرجان “مالمو” للسينما العربية لتمويل التطوير والثانية من مهرجان “الأقصر السينمائي”.

هذا النوع من الجوائز يساهم في دعم وتمويل الفيلم، ما يؤكد أنه يستحق المساندة والتشجيع ليخرج إلى النور بصورة لائقة. خان تملك في جعبتها الكثير فنيا والأيام المقبلة سوف تثبت أن “ابنة الوز عوامة” ماهرة في بحر الفن الواسع.

ضفيرة محكمة

هبة وأيتن ونادين، جاءت أدواتهن كمخرجات، مليئة باللمسات النسائية التي تهتم بالتفاصيل الصغيرة. تلك التفاصيل التي بنين عليها عملا دراميا كبيرا. في أفكاره وأدواته الفنية. جميع عناصره كانت مكتملة بدرجة كبيرة ومجدولة بشكل محكم.

يلي ذلك تميزهن، كمؤلفات أيضا، فقد أثبتن أن الجدائل الدرامية لها جاذبية خاصة لدى المشاهدين، وتمنح الأعمال الفنية روحا وحياة وأبعادا متميزة غير دارجة، خاصة أن العمل تم بصورة جماعية، سيطر عليها التكامل والتفاهم، فكان من الطبيعي أن نرى عملا مختلفا، للنتائج التي قدمتها الفردية والأنانية المفرطة والشخصانية والميل نحو المكاسب المادية وكفى.

 إلا أنه من الإجحاف أن تظل النظرة لهن فقط كمخرجات لمسلسل “سابع جار”. فلكل مخرجة، كما رأينا، لها سجل حافل بالأعمال التي تؤكد في معظمها أننا أمام موهوبات من طراز استثنائي في علاقتهن بالفن الذي يمثلن إضافة له، سواء ظلوا في عملهن الجماعي أو عدن لتجاربهن الفردية المتجددة في أفكارها ولغتها المكتوبة والمرئية.

12