مخرجون عرب يتساءلون عن مستقبل المسرحيات القصيرة

المحاضرون، خلال الملتقى الفكري لمهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة، بينوا كيفية معرفة المخرج للنص الدرامي القصير بغض النظر عن كونها مهمة قد لا تنسب لتخصصه.
الجمعة 2018/10/05
كيف تتشكل المسرحيات القصيرة

يظل المخرج والممثل المسرحي أكثر وعيا وإدراكا بآليات وتقنيات العمل المسرحي سواء على مستوى التأليف أو التمثيل أو الإخراج، خاصة إذا كان أيضا دارسا ومتخصصا في علوم المسرح، حيث ينطلق في حديثه من تجربة يمارسها، وهذا ما أكدته جلسات الملتقى الفكري لمهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة، حيث تميزت بعمق الطروحات التي قدمها المشاركون فيها من الفاعلين المسرحيين.

تميزت الجلسة الثانية من جلسات الملتقى الفكري “المسرحيات القصيرة بين النص والعرض” في إطار فعاليات الدورة السابعة من “مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة”، بجديتها وحثها على التساؤل الحر والعميق والواعي في نقاشاتها، حيث ناقش المشاركون فيها طول وقصر المسرحية وتأثير ذلك على موضوعاتها أو ما تتناوله من قصص وثيمات، وهل يمكن القول إن طول النص المسرحي أو قصره يفرض طريقة إخراجه؟

 وقد شارك في هذه الجلسة التي أدارها المخرج والممثل المسرحي الإماراتي محمد يوسف، كل من المخرج والممثل الأردني محمد بني هاني والمخرج المسرحي المغربي خالد الجنبي والفنان والمخرج الكوميدي الفرنسي المغربي هشام شكيب والمخرج والممثل المسرحي التونسي نوفل العزارة.

تساؤلات كاشفة

بدأ المسرحي التونسي نوفل العزارة حديثه مؤكدا أنه على يقين يقترب من التمامية بأن العروض المسرحية القصيرة مستوردة ومستعارة، لا خبرة للمسرح العربي فيها، إلا في ما قل وندر. حتى وإن سلمنا بفرضية القليل النادر فإن جذور تجربة العروض المسرحية القصيرة تبقى أوروبية غربية. للثقافة العربية الإسلامية معها فروق في الرمز وإنتاج العلامة وأنظمتها العلائقية التي يقدر على تحديدها وفهمها ذهن دون آخر.

وطرح العزارة تساؤلات حول كيفية الملاءمة التي يمكن من خلالها معاينة التحول الزمني في العرض المسرحي، سواء أكانت المعاينة تقوم على المشاهدة والملاحظة أو المعاينة التي تقوم على المعرفة بالنظر العقلي حيث التحليل والتوليف وطرائق المنهج العقلاني والجدلي. وما هي المعرفة الجديدة التي أنتجتها العروض المسرحية القصيرة؟ أين ومتى وكيف برزت ملامح التحولات الزمانية في مدة العرض المسرحي؟ ماذا يعني فكريا هذا التحول؟ كيف نفهمه ونفسره؟ وكيف نقيم آثاره على المجتمع؟ ألا تمثل تجربة العروض المسرحية القصيرة خنقا وإنكارا وقتلا لا إيلاد من بعده للرموز والعلامات والمعاني وأنظمتها العلائقية؟ أم أن نظرية التقليص في مدة العرض جاءت بداعي الانتقاء الذي يحدث انطفاء جزئيا لبعض الرموز والعلامات حتى يصبح المسرح أكثر تكيفا مع ما يريده إنسان اليوم الذي يركز انتباهه ناحية التغيير السريع لكل الأشياء؟

وواصل العزارة طرح تساؤلاته مستعرضا تاريخ تطور المسرح قديما وحديثا، مؤكدا أن الأسئلة تشكل محاولة تجهير تجربة الزمن في المسرح تجهيرا دقيقا، قصد استخراج بعض المعايير والقواعد التي على أساسها يتم شق النص المسرحي وتقطيع أجزائه إلى أقسام وقسيمات يتراوح زمانها بين الطويل والقصير. وقال إن المسؤولية العظمى ملقاة على المخرج في كل عملية شج أو شق للنص، وهي في الأصل عملية تتسم بالقسوة والعنف، عنف رمزي طبيعي مطلوب بالضرورة كرابط من روابط العلاقة الوجودية بين النص بوصفه فضاء عيش العلامات والرموز والمعاني، والمخرج وهذه الرابطة ذات البعد الطبيعي العنيف يجب أن تبنى على قاعدة من الاحترام وإبداء التقدير، وذلك دون أن يسقط المخرج في الولائية والتبعية العمياء للنص.

وخلص العزارة إلى أنه لا يجب النظر إلى معايير التجزئة الزمانية في المسرح كونها ضرورة تقنية، بل لا بد أن ننظر إليها كونها جوهر الوسائل المسرحية الإبداعية حتى تعيدنا دائما إلى ما هو إنساني في المسرح.

الطول والقصر

التكثيف لعبة الأداء والإخراج المركز
التكثيف لعبة الأداء والإخراج المركز

انطلق هشام شكيب متسائلا “أيمكن القول إن طول النص المسرحي أو قصره يفرض طريقة إخراجه؟”. وأضاف “هل يمكننا القول إن المسرحيات القصيرة تعتبر شكلا من أشكال الدراما تحد من وسائل التعبير وحجم المواضيع؟ هذا النوع من الأداء المسرحي يتطور ضد درامية ثقيلة، تعتمد على وفرة الموظفين والمجموعات، وجمهور كبير وأبهة المسرح البرجوازي. يتم توحيد الكتابة من خلال استخدام قواعد بسيطة. وعلى العكس من ذلك يحتل النص المسرحي القصير مكانة مهمة في الأدب حيث أنه نص وعرض في نفس الوقت. يكتب النص ليتم تمثيله، أي مجسدا في كلمة حية ‘صوت وإلقاء وتمثيل‘ وترجمته مرئيا، هذه الخصوصية تشير إلى وضع قراءة خاصة”.

وأضاف أن اخراج النص القصير يفرض مجموعة من الاختيارات الملموسة التي تمثل العديد من التأويلات للنص بمعنى: إعطاء معنى أو ـ بشكل أكثر تحديداـ لاختيار معنى المعنى، لإعطاء معنى واحد. وتنتج عن التداخل بين النص المسرحي القصير والإخراج فرضية: الكتابة المسرحية تقتحم من جميع النواحي، خلال نشأة النص، بحدوث العناصر المسرحية.

وتواصلت التساؤلات حيث تساءل محمد بني هاني حول المسرحيات القصيرة بين النص والعرض، وهل ما إذا كانت أكثر قابلية للقراءة منها إلى العرض؟ هل تنتمي للأدب المسرحي أم هي أقرب للخشبة وأوثق نسبا بذاكرة الإخراج المسرحي؟ وقال “أنحاز لكونها كتابة إخراجية أقرب إلى الـ‘story board‘ (الكتابة الصورية/ الإخراجية)، حيث نجد أن أغلب هذه النصوص اعتمدت اللغة الإخراجية والتفتت إلى أدق التفاصيل محاولة تصور كامل عناصر الفضاء المسرحي الدرامي ومكونات بيئته السمعية والبصرية وما يحتويه من أفعال وإشارات دلالية، راسمة المخطط الحركي بشكل تفصيلي كما في مسرحية ‘فصل دون كلمات‘ لصموئيل بيكت مثلا،  حيث نحن أمام مخطط إخراجي تفصيلي يشرح إيقاع العمل ويحدد شكل الأداء وحركة الممثل وتعابيره دون أن تكون هناك جملة نصية منطوقة واحدة. إذا هي نصوص استبدلت شعر الكلام بشعر الفضاء/الفعل/الحدث”.

وأضاف بني هاني أن طول أو قصر العرض المسرحي يتحدد بناء على ماذا يريد أن يُرسل المرسل، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الهدف من عملية الأداء هو إيجاد خبرة مكثفة لكل من يشارك فيها وليس مجرد محاكاة لفعل أو حالة شعورية ما، فإن زمن العرض الواقعي مرتبط وبشكل كلي بماذا يريد صناعه طرحه ومشاركته مع الجمهور، تأكيده أو نفيه، وإذا ما اتفقنا أن أي عمل فني ينطلق بداية من سؤال ماذا يريد المرسل أن يقول؟ وهذا ما يتعلق بالطرح/ الموضوع/ الحالة.. فإن السؤال كيف يريد أن يقول؟ والذي يتعلق بالحرفة الإخراجية، الأسلوب، المفردات، الشكل.. فإن طول أو قصر العرض مرتبط ارتباطا كليا بماذا وكيف وما قد يتفرع منهما من أسئلة كأين ومتى ولماذا؟”.

النص القصير

أما المخرج المسرحي المغربي خالد الجنبي فقال إن السؤال الكبير الذي أود طرحه هو ما هي الرهانات، أو على الأقل بعضها، في عملية الإخراج المسرحي في ما يخص المسرح القصير؟ ما الذي يفرضه هذا النوع من المسرح في ذهن المخرج المسرحي بالتحديد؟ وما هي الضوابط والآليات التي من خلالها يستطيع صناعة عرض بهذه المواصفات؟ ما الرهانات التي يفرضها بقوة النص الدرامي القصير بالنسبة إلى عملية الإخراج المسرحي؟ هل يمكن اعتبار هذه العملية هي نفسها بغض النظر عن طول وقصر النص الدرامي؟

وأوضح الجنبي “بالنسبة إلى المخرج المسرحي يستطيع ببساطة معرفة النص الدرامي القصير من مجرد النظر إلى قلة الصفحات التي يتشكل منها ومن خلالها، لكن لا يمكن لنا الجزم بأن هذا هو المعيار الحقيقي الذي يمكنه من تصنيف هذا النوع من النصوص،  لأن الأمر يتعدى ذلك، بالرغم من أنه من حيث الشكل يعبر عن السمة الأساسية والظاهرة لهذا النوع من النصوص. إننا نتساءل الآن عن كيفية معرفة المخرج للنص الدرامي القصير، بغض النظر عن كون هذه المهمة قد لا تنسب لتخصصه أو لمجال اشتغاله، لكنها من وجهة نظرنا تعتبر عاملا مهما في تحديد إطار عام وتصور شامل للتعامل مع هذا النوع من المسرح وليس مع نوعية العمل الدرامي المكتوب”.

وأضاف المخرج “كما أن أهمية النقاش حول المسرح القصير من زاوية رؤية المخرج تكمن في علاقة هذا الأخير بالنص الدرامي المكتوب وبما يمكن أن تشكله هذه العلاقة كمحور رئيسي في تشكيل ملامح شبه واضحة لهذه التجربة، وكي لا نتوه كثيرا يمكن لنا أن نصف بشكل موجز السمات الأساسية للنص الدرامي القصير والتي من خلالها يمكن أن نبني عليها أفكارا أكثر شمولية وانفتاحا، والتي ندرجها كالتالي: وجود وحيد وأوحد لحدث درامي قصير وموجزـ اللغة مركزة ومكثفة وسريعة الإيقاع ـوجود عدد قليل من الشخصيات بشكل نسبي ـ ينتهي النص الدرامي بعد ذروة الأحداث ـ نهاية مفاجئة أحيانا ـ نهاية مفتوحة”.

15