مخرجون عرب يقودون في أفلامهم موجات تمرد جديدة

مشاركة نحو عشرة أعمال لمخرجين يخطون أولى خطواتهم في مهرجان القاهرة السينمائي تمثل تصورا جديدا ربما يفتح الباب على مصراعيه لاستقبال هؤلاء الشباب، مقارنة بدورات سابقة.
السبت 2018/12/01
بيع غير مثمر في الفيلم المصري "الكيلو 64"

حمل عدد من المخرجين الشباب راية القيادة في الدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة السينمائي، التي اختتمت الخميس، بمشاركة كبيرة وفريدة من الأعمال المختلفة، ترمي إلى التأكيد على أن هناك جيلا عربيا صاعدا يرغب في تكسير القيود، ومطلوب أن تتاح أمامه المزيد من الفرص، حيث أضفت الأفلام الشبابية روحا مختلفة ورونقا جديدا، وشكلت محتوى سينمائيا يتمرد على الواقع التقليدي.

القاهرة - تعد المهرجانات السينمائية فرصة كبيرة لمولد مواهب جديدة، في الإخراج والتأليف والتصوير، وكل جزء خاص بصناعة الفن السابع، لتستقبل قاعات العرض التابعة للمهرجان باكورة أعمالهم وتقدمهم للمجتمع السينمائي الذي يتولى مسؤولية الحكم على مدى إتقان العمل.

وعكست مشاركة نحو عشرة أعمال، بين أفلام طويلة وقصيرة وتسجيلية، لمخرجين يخطون أولى خطواتهم في مهرجان القاهرة السينمائي، تصورا جديدا ربما يفتح الباب على مصراعيه لاستقبال هؤلاء الشباب، مقارنة بدورات سابقة.

مشاركات جديدة وحيوية

يعتبر أبوبكر شوقي واحدا من أبرز الأمثلة الشبابية التي مهدت الطريق وشجعت لاستضافة مخرجين آخرين، حيث نجح في أن يقدم نفسه للسينما العالمية في مهرجان كان الدولي من خلال فيلمه الأول “يوم الدين”، والذي أشادت به الكثير من وسائل الإعلام ليصبح المخرج الذي ملأ السمع والبصر في أول تجاربه الفنية، ما دفع مهرجان القاهرة لاختياره عضوا في لجنة تحكيم مسابقة آفاق السينما العربية.

وأضفت المشاركة الجديدة حيوية على مهرجان القاهرة في دورته الأربعين، وشكلت بعدا مختلفا عن الأفلام التقليدية المعروضة وطريقة النقد والمناقشة حولها، واتسمت بالجرأة والتمرد والتجدد، وبدا ذلك واضحا من خلال الموضوعات المطروحة والتناول والتصوير.

المخرج المصري أمير الشناوي، أحد هؤلاء الشباب، واشترك في أول تجاربه بفيلم “الكيلو 64” في المهرجان، وحاول فيه تقديم نموذج يحمل على عاتقه الحالة التي يمر بها الجيل الجديد من صعوبات وعقبات وشعور بالإحباط.

اختار الشناوي قصة شقيقه وائل، الذي تخرّج حديثا في كلية الصيدلة، لكن بدلا من التفكير في وظيفته كصيدلي، فكر أن يقيم مشروعا لاستصلاح قطعة أرض صحراوية، ليصطدم بالكثير من العقبات الحكومية ومراحل الفشل في الزراعة والحصاد.

أحمد مجدي: فكرة الانقسام حول فيلمي "لا أحد هناك"، أمر صحي وجيد
أحمد مجدي: فكرة الانقسام حول فيلمي "لا أحد هناك"، أمر صحي وجيد

ونجح المخرج في رصد وتصوير أدق تفاصيل التجربة ومراحلها، وتابع مع وائل مرحلة الزراعة ثم جني المحصول وبيعه للتجار، وخسر في المرة الأولى، فقرر إعادة التجربة في العام الثاني ليقوم ببيع المحصول بنفسه للمواطنين، واكتشف في نهاية الفيلم أنه خلال العامين لم يجن ربحا فاضطر إلى حرق المحصول، لأن بيعه يزيد خسارته.

وقال أمير الشناوي لـ”العرب”، “ألقى العمل الضوء على معاناة الشباب وصراعهم الدائم بين النجاح والفشل، في ظل ظروف قاسية تعيشها مصر ودول عربية، وبات حلم الشاب صعب التحقيق”.

وأوضح أنه واجه صعوبات كثيرة أثناء التصوير، منها موقع الفيلم الذي تدور معظم أحداثه في الصحراء، وإيجاد ممول لفيلم تسجيلي، ما دفعه وفريق العمل للتصوير بأنفسهم، واصطدموا بعوائق أخرى من الصعب تجاوزها بمفردهم، لأنها تحتاج إلى متخصصين وتمويلها ليس سهلا.

واستعان الشناوي بطرق تصوير غير تقليدية، منها استخدام كاميرا الهاتف الجوال، لرغبته في صنع حالة طبيعية، مثل المشهد الذي جمع بطل العمل بوالدته، وكان يريد أن يكون المشهد عفويا، ولم ينظر هنا لفكرة جماليات الصورة بقدر اللحاق لتصوير لحظة كانت من وجهة نظره “أهم من أي شيء يتعلق بالكادر لتصبح قوة المشهد في محتواه”.

وكسر المخرج الشاب أحمد مجدي، نجل المخرج مجدي أحمد علي، حواجز التقليدية والتمرد على تقديم محتوى معتاد ومباشر بفيلمه “لا أحد هناك”، وتميّز بنوعية الأفلام العميقة النادرة، ما خلق حالة انقسام بين الحضور عقب عرض الفيلم، بين متفهم لرسالة العمل، ومعجب بالتجربة ويراها ثرية ومهمة، وبين آخرين لم يستوعبوا معانيها.

وتدور أحداث فيلم “لا أحد هناك” في شوارع مدينة خالية، حيث يجد أحمد نفسه تائها بلا هوية، وفي إحدى الليالي يصبح مطلوبا لمساعدة فتاة لا يعرفها لإجراء عملية إجهاض، وينتقل بطل العمل، عبر عدة أحداث غريبة يحاول فيها الكشف عن حقيقة تلك الفتاة وسر الزرافة المخبأة في حديقة الحيوان.

وأكد أحمد مجدي لـ”العرب”، أن فكرة الانقسام حول العمل أمر صحي وجيّد، ولن ينساق وراء الآراء التي تطالبه بتقديم ما يعجب الجمهور، لأن ذلك ينطوي على فخ قد يقع فيه أي مبدع، وهو لن يقدم إلاّ ما يؤمن به.

وأكد أن البعض يراه يسير في اتجاه معاكس لتجربة والده، لكنه لا يفكر بتلك الطريقة، ويرغب في الخروج من فكرة حصره في كيان والده أو الاستنساخ من آخرين، لذلك كان قراره أن يقدم نفسه بتجربة تمثله.

ووصف تجربته الإخراجية الأولى بـ”الصعبة”، لأنه يريد إخراج فيلم يعبر من خلاله عن هويته وشخصيته كمخرج، ولجأ إلى فكرة هذا الفيلم، واستوحاها من قصة إحدى صديقاته التي روت له تجربة صديقة لها حملت بطريقة غير شرعية.

وأشار إلى أن “التجربة غريبة بالنسبة للجمهور وغير مفهومة”، وكان الهدف من وراء ذلك، طرح أسئلة وليس تقديم إجابات ليستثير بداخل المشاهد التساؤلات حول قضية صعبة ومعقدة.

"غذاء العيد" عائلة لبنانية وحّدها الدم وفرقتها الحرب
"غذاء العيد" عائلة لبنانية وحّدها الدم وفرقتها الحرب

عيون أخرى

عكست مشاركة المخرجة السورية هبة خالد في مهرجان القاهرة السينمائي صورة أخرى من التمرد الشبابي، عبر قضية ربما تكون أثيرت أكثر من مرة في العديد من الأعمال السينمائية، إلاّ أنها فضّلت أن تسلط الضوء في عملها “سكان الأرض اليباب” عن مفهوم الحرب، من خلال تصوير جوي كانت فيه الكاميرا “go pro” بطل الفيلم الحقيقي لتستعرض صراعات المقاتلين السوريين.

وحرصت هبة خالد، على أن يكون جميع أبطال الفيلم من الجنود الحقيقيين، وقد قُتلوا في أثناء التصوير وبعده، باستثناء شخص واحد، لا يزال على قيد الحياة، وأرادت بفيلمها عرض الحرب كما هي لتوضح كم هي مدمرة للبشرية، وكم أن الواقع مُفجع أكثر من أي تمثيل؟

وتقول خالد “نحن نرى المُقاتل يخوض معركته بشكل حقيقي، وبالتالي فإن اللجوء إلى التمثيل سيكون أقل مصداقية من الواقع، وهو ما كان دافعا لتقديم شيء واقعي عن فجاجة الحرب وبشاعتها”.

وقدم اللبناني لوسيان بورجيلي، صورة ثورية من خلال عمله “غذاء العيد”، وأصبح أحد أبرز المخرجين الذين قدمهم مهرجان القاهرة السينمائي في دورته 40، لأسباب عدة، أهمها ما واجهه الفيلم في بلده لبنان من رفض الرقابة التصريح بعرضه لجرأة محتواه وموضوعه، والمطالبة بحذف بعض المشاهد التي هاجم فيها الحكومة اللبنانية، وهو ما جعله ينصاع، لأن له سابقتان مع الرقابة اللبنانية منعت فيهما مسرحيتان.

ويتناول العمل قصة على مدار 91 دقيقة للسيدة “جوزفين” التي تنجح للمرة الأولى في أن تجمع كل عائلتها المتفرقة على الغداء يوم العيد، وعلى عكس ما يبدو من حالة الود والترحيب بين الجميع، إلاّ أن الكاميرا تكشف عن اختلاف وتضارب للآراء في العديد من القضايا السياسية والدينية والاجتماعية والتي تؤرق المجتمع اللبناني، وكانت سببا في تقسيمه بعد حرب أهلية استنزفت مواطنيه وتركت جرحا غائرا.

وأكد مخرج العمل لـ”العرب”، أن ما يطرحه الفيلم من قضايا يراها من المهم أن تتناولها السينما اللبنانية، لكنه للأسف لم يعرض بشكل كامل للجمهور اللبناني بعد أن تدخل مقص الرقيب في حذف العديد من المشاهد، وتعامل هو مع الأمور من منظور فني، لكن الرقيب كان له رأي آخر.

واستخدم بورجيلي الكاميرا المحمولة في تصوير العمل، لأن الأشخاص الذين يجلسون على الطاولة مطلوب أن يبدو الحوار بينهم طبيعيا وبسيطا، لذلك كان من الضروري وجود كاميرا تعبر عن هذه البساطة، تشعر المشاهد وكأنه يجلس معهم على نفس الطاولة.

"لا أحد هناك" أحداث غريبة تدور في ليلة واحدة
"لا أحد هناك" أحداث غريبة تدور في ليلة واحدة

 

14